قبل فترة وجيزة مضى العام الخامس على القرار المشهور للمحكمة العليا في قضية موسى دقة (ملف رقم 08/2885) الذي قضت فيه المحكمة أنّ تقصير لجان التنظيم والبناء في تأمين مخطط هيكلي تفصيلي يمكّن المواطن من إصدار رخصة بناء لا يمنع لجنة التنظيم من تقديم المواطن إلى المحاكمة بتهمة البناء غير المرخص، وأن عجز المواطن عن نيل رخصة بناء لأسباب تعود إلى لجان التنظيم لا يعتبر سببًا عادلا لإسقاط التهمة عنه. بهذا سمحت المحكمة بهدم البيت بعد أن ردت ادعاء المواطن موسى دقة أنه اضطر إلى بناء بيته دون رخصة لانعدام مخطط هيكلي تؤمِّنه وجوبًا لجان التنظيم والبناء ويسمح ببناء البيت. وبهذا أغلقت المحكمة العليا الباب على ادعاء أساسيّ اعتاد المواطنون المتهمون بالبناء غير المرخص طرحه أمام المحكمة لإسقاط التهمة عنهم، بعد أن قبلت المحكمة المركزية ومحكمة الصلح في الماضي ادعاءً من هذا القبيل في عدد من الحالات في أنحاء البلاد. وعلى هذه الحال تُهدَم سنويًّا عشرات مئات المباني في البلاد بل يُزجّ العديد من المواطنين في السجن، بقرار من المحكمة، مع أن أصحاب هذه المباني كانوا مضطرين إلى البناء دون رخصة كي يضمنوا لعوائلهم مسكنًا كريمًا. لا أودّ في مقالتي هذه أن أحلل مصداقية القرار المذكور في قضية دقة من منظور مبادئ القضاء الجنائي، بل أود أن أعرض قيمة أبعاده الاجتماعية على المواطن والسلطة والمجتمع عامة.
بداية، أوصت المحكمة العليا المواطن العاجز عن نيل رخصة بناء أن يلاحق لجان التنظيم من خلال التماسات قضائية توجب عليها أداء مهماتها أو من خلال وسائل الإعلام أو من خلال المؤسسات الحقوقية العامة. لا يمكن القول إن البدائل المذكورة التي طرحتها المحكمة حملت لجان التنظيم والبناء على تحسين أدائها. بل لأن البدائل المطروحة، لا سيما التوجه إلى القضاء ضد لجان التنظيم والبناء، منوطة بتكلفة مادية وموارد أخرى، فالواقع يدل على أن نسبة الالتماسات التي قدمها المواطنون العرب لإلزام لجان التنظيم تأمين التخطيط المطلوب أو لتحريك مخطط متعسّر، تكاد لا تذكر. لهذا لا يمكننا أن نقول إن قرار المحكمة العليا أفضى الى تحسُّن في أداء لجان التنظيم والبناء.
ثانيًا، لم تلتفت المحكمة بشكل كافٍ إلى أن قانون التنظيم والبناء في إسرائيل لا يشتمل على مواد واضحة عن واجب لجان التنظيم تأمين مسكن لكل مواطن وعن واجبها تحريك المخططات الضرورية وإقرارها لإصدار رخص البناء للسكن. لا شك أن بعض مواد القانون تنصّ على دور اللجنة اللوائية في تأمين مخطط ضروري كان على لجنة التنظيم والبناء تأمينه، ولكن هذا الأمر بحسب القضاء عبارة عن صلاحية خاصة ومميزة للجنة اللوائية لا تفعَّل إلا في حالات نادرة، كما أن القانون لا يفصّل نتائج تقصير لجان التنظيم في تأمين المخططات اللازمة. هذا الأمر يشكل عائقًا جوهريًّا آخر يحول دون تأمين التخطيط المطلوب للمواطن.
ثالثا، لا يراعي القرار بشكل كاف حق المواطن بالمسكن وحقه ألا يشرّد ويعيش دون مسكن. ولم يكن القرار مستغربًا بالنسبة إلى الإطار القضائي في إسرائيل، لأن القضاء الاسرائيلي لا ينص على اعتراف دستوري واضح بحق كل مواطن بمسكن ملائم وبواجب الدولة العمل قدر استطاعتها لتوفير هذا الحق. حتى القانون الأساسي: كرامة الإنسان وحريته، وهو القانون الأبرز في مجال حقوق الإنسان في إسرائيل، لا يشتمل على تصريح واضح بحق المسكن. عمليًّا، لجنة التغيير الاقتصادي والاجتماعي المعروفة باسم لجنة طرخطنبرغ، هي أول من صرح بوضوح أن لكل مواطن في إسرائيل حق المسكن وذلك في تقريرها الأول في العام 2012. إن هذا التصريح للجنة طرخطنبرع هو داعٍ آخر إلى إعادة النظر في قرار المحكمة العليا.
رابعا، لم تمارس المحكمة في هذا القرار واجبها الدستوري في المساواة بين المواطن والدولة. تتمثل في رأيي هذه المساواة في ألا تسمح المحكمة للدولة بتشريد مواطن قبل أن تثبت الدولة أنها عملت قدر استطاعتها على تأمين مسكن لهذا المواطن وأن له مسكنًا بديلًا بعد هدم بيته. أستند في طرحي هذا إلى أداء المحكمة الدستورية في جنوب إفريقيا التي منعت الدولة، في أكثر من قضية، أن تهدم منازل المواطنين غير المرخصة أو المنازل التي بنيت على أراضي الدولة بشكل غير قانوني حين اتضح لها أن الدولة لم تقم بالجهد المطلوب لتأمين المساكن لأصحاب البيوت المهددة بالهدم او الإخلاء، أو أن الدولة اتخذت قرار الهدم أو الإخلاء دون أن تقر في نفس الوقت برنامجًا لإسكان أصحاب البيوت المهددين بالتشريد. وتدل الدراسات على أن قرارات المحكمة الدستورية هذه في جنوب إفريقيا حثّت السلطات على رفع جهودها وتحسين أدائها في مجال المسكن. تستطيع المحكمة الإسرائيلية أن تتخذ نفس النهج وذلك في الأخص حينما لا يفرض قانون التنظيم والبناء هدم كل مبنى بل يترك مسألة الهدم لقرار المحكمة بعد أن تراعي كل ظروف القضية. واقعيا، في ظل تفهم قضائي لاضطرار المواطن إلى البناء دون رخصة، ولانعدام مادة قانونية تلزمها التأكد من وجود مسكن بديل للمواطنين، تصدر المحاكم أوامر الهدم بشكل أوتوماتيكي تقريبًا، والحالات التي امتنعت فيها المحكمة عن إصدار أمر هدم تكاد لا تذكر.
أخيرًا، إن إحساس ذوي المساكن الفاخرة بالمحتاجين إلى المسكن أو بالذين يعيشون بترقب لخطر الهدم والإخلاء والتشريد، هو وجه آخر للترابط والوحدة الاجتماعية لمواطني الدولة الواحدة. من هذا المنطلق أرى أن تأمين المسكن الكافي لكل مواطن في البلاد وإنهاء ضائقة السكن لمجموعات كبيرة في البلاد، لا سيما في الوسط العربي، هو مسؤولية جماعية لكل المواطنين، عربًا ويهودًا، وهو سبيل آخر للترابط بين كل المواطنين ولتعزيز الشعور بأن الدولة مظلة جامعة لكل المواطنين دون فرق في العرق أو القومية أو الجنس أو اللون. أظن أن قرار المحكمة العليا في قضية دقة أغفل أيضًا هذه الرسالة رغم أهميتها!*يعمل الكاتب أيضًا باحثًا للقب الدكتوراة في القانون في جامعة تل أبيب.
