أخ خدعوني وأنضحك عليّ

single

جاء الى القرية يبحث عن تاجر يبيع الدخان، وفي نيته أن يشتري عددا من أواق الدخان يختزنها لتكفيه السنّة، أمَّ بيت احد التجار، ذاعت شهرته بين المدخنين في القرية وخارجها، لبيعه الجيّد من الدخان – بجودة عالية – حرارة، وسهل الاشتعال ورائحة طيبة.
كانت "لبيبة" في ذلك اليوم من ايام الربيع، تجلس بين والديها على حصير في بيت قديم رحب، سقفه من الخشب، مغطى بالطين، شيّد من الحجارة السوداء، وفي قاع البيت وفي زاوية منه يقف بغل، يخبّط برجليه ويحرك ذيله يطرد الذباب الذي يهاجمه ويرم الشعير والتبن من مخلاة علّقت في رأسه. طرق عرسان الباب، وقال: مستأذنًا الدخول: دستور يا اصحاب البيت، وقف "ابو توفيق" قائلا، اهلا وسهلا تفضل، شاهد شابا في الثلاثين من عمره اسمر اللون متوسط القامة ممتلئ الجسم، انيق الملبس، يرتدي ملابس فاخرة – انيقة، قمبازا من الجوخ الاصلي – ازرق اللون وعليه كنزة بنيه فوقها جاكيت ازرق من نفس قماش القمباز يعتمر حطة ناصعة البياض بلابل اصلية وعليها عقال اسود من ماركة الراغب السورية الشهيرة، ارتد (ابو توفيق) الى الوراء تناول من المطوى الكبير فرشة صوف، فرشها واتبعها بالمسائد والوسائد. مع دخوله شاهد "عرسان" صبيّة تنسحب مع والدتها بحياء وخجل، شقراء، عينان زرقاوان، وجه مستدير، فارعة الطول، ضامرة الخاصرتين، وضفيراتان شقراوان تلوحان بين منكبيها وعلى ظهرها. صعدتا على السدة بعيدا عن الانظار .
استكان "عرسان" على الفراش، وانساب الحديث بين الاثنين، فقال "عرسان": جئت من قرية "النعيم" أبحث عن شويّة دخان، مشروبي لسنة، ذكر لي الناس انك تتجار بالدخان ومن النوع الجيد، فعاد ورحّب "ابو توفيق" واخذ يفاضل بين انواع الدخان زراعتها فقال اشهر المواقع، حرفيش ومعليا، وفسوطة وجولس،وأنا افضل دخان حرفيش، فهو جيد وزهرته بيضاء ما بطفيش وسهل الاشتعال. ولكن يا اخ العرب، القضية ليست جودة الدخان هذه قضية بسيطة نتغلب على القضية قالها بمرارة واستياء المهم، ملاحقة الشرطة لنا – ومعاقبتنا، ويعتبروننا مهربين، ومن يُلقى القبض عليه تصادر البضاعة. وتحجز الدابة ويغرّم ويسجن والانكى من ذلك الضابط الشويلي ومعه ضيف الله وحسيب يلاحقون الناس البسطاء المدخنين تصوّر اننا نزرع الدخان وممنوع علينا شربه اية عدالة هذه؟ هذا حكم قرقوش حكم جائر الي كان ينفذو الشاويش ابراهام، غليظ القلب الذي كان يضرب المدخن بالعصاي بلا رحمة هذا غيض من فيض من الظلم.
استطرد "ابو توفيق" في حديثة وهو يرفع صوته ضد مظالم السلطة وقال قبل اسبوع – اوقفوا فلاح كان راكبا على حماره وسيجارة بيده – سارع الرجل واخفى علبته في اذن الحمار وعندما انقضت عليه العساكر لم يستطيعوا الاهتداء الى العلبة فنجا من مظالمهم . و آخر اسقط العلبة في سرواله و سقطت في سرج السروال نجا هو الآخر، ومن يقبض معه علبة تفرض عليه غرامه خمس ليرات. استهجن الشاب فقال "ابو توفيق"، نعم خمس ليرات مع كل هذا شو في بايدنا. بدنا نعيش بدنا نتحدى ونحصل لقمة العيش والاتكال على الله، فتوقف "ابو توفيق" عن الكلام، وناول علبته الى الشاب- لف منها سيجارة اشعلها ومجّ منها مجتين – بلع الدخان اغمض عينيه وارتسمت صورة الصبية في ذهنه، وانتصب طيفها بين ناظريه، استفاق ونفث الدخان بشدة فتصاعد بكتافه في سماء البيت، وعقب قائلا، حقًا دخان جيد، طعمًا واشتعالًا، ابتاع حاجته، وضعه في كيس، وقد حذره "ابو توفيق" ان يتحاشى الشرطة، وحرس الحدود، اياك ابو خضر وزمرته.
غادر المكان، وقد بهره جمال الصبية، وانخرطت صورتها في ذهنه واسرت قلبه شغف وهام بها. عاد الى قرية "النعيم" باحاسيس جياشه، هاجت في داخله وسرت في عروقه فقرر وهو اعزب ان يتقدم لخطوبتها، وارادها عروسًا وزوجة له. ذات يوم وبعد فترة وجيزة من زيارة الشاب لبيت "ابو توفيق" دخل ثلاثة وجهاء من قرية النعيم بيت "ابو توفيق" جاءوا يطلبون يد بنت "ابو توفيق" لم يذكروا اسم البنت ظنًا من عرسان و الجاهة ان الصبية الجميلة التي رآها وحيدة لوالديها، ولم يعلموا ان لأبي توفيق أربع صبايا، الكبيرة "خديجة" مخطوبة  والثانية "حليمة" سمراء قصيرة القامة ممتلئة الجسم شعرها جعدي واسود  والثالثة (لبيبة) والرابعة "زهيدة" طالبة في المدرسة، بدأ كبيرهم في الحديث عن مناقب العريس "عرسان" انه ابن عائلة اصيلة ميسور الحال يملك من الاراضي وكروم الزيتون مساحات شاسعة، وهو ذو حسب ونسب، وسيرته حميدة. انهى كلامه نشهد انه اهل للنسب ونحن جايين نطلب يد كريمتك لتكون عروسة له على سنة الله ورسوله. واذا كانت في قسمه فقد خوّلنا ان نحدد المهر فطلبك بلسانك، كما وخوّلنا ان نحدد موعد لكتابة الكتاب، تماكر "ابو توفيق" واضمر في داخله – لعبة- قرأ افكار عرسان وما يدور بخلده وانهراقه "بلبيبة" وهو يجهل اسمها والجاهة كذلك لم تذكر اسم العروسة، واعتمد "ابو توفيق"  على سذاجة الجاهه وغباء عرسان فاستغل ابو توفيق الظرف وقال يا جماعه العادات والتقاليد تقضي ان يؤجل الجواب حتى نشاور العائلة واقاربها ولكن جبينتكم مش رخيصه علي انا موافق ومهرها 30 ليره ذهب  عصملي. استهجنوا قيمه المهر ونظر الواحد في وجه الأخر ولأنهم مخولون بأن لا يكون المهر عائقًا فوافقوا على المهر وحددوا موعد كتابة الكتاب بعد اسبوع فقال كبيرهم على هذه النيّة الفاتحة- قرأوا الفاتحة وعادوا يحملون البشرى "لعرسان" فغمرته فرحة عارمة وسرور.
كانت العادة وقضت التقاليد ان لا يتحدث العريس مع العروسه واذا ما قام بزيارة لاهلها كان عليها ان تغادر البيت وتخرج من منفذ اخر.
جاءت الجاهة مع عدد  من الاقارب واهل العريس. ودعا ابو توفيق من جانبه عددًا من اقاربه لحضور عقد القرأن لكريمته اتم المأذون تعبئة الوثائق والمستندات وصعد والمأذون الى السده معه والد العروس وشاهد من اقارب العروس ليسجل موافقتها- انهى المأذون التسجيلات دفع عرسان المهر عدًا ونقدًا 30 ليره ذهب عصملي ليره تنطح ليره صفراء من الذهب الخالص ثم سجل المأذون المؤجل 30 ليرة اخرى وكما هو متبع في التقاليد مدّ العريس يده ووضعها بيد والد العروس واخذ المأذون يلقن قبلت حليمه زوجة لي على سنة الله ورسوله. انتهى كل شيء وانطلت اللعبة على عرسان ووقع في شرك والد العروس قام"عرسان"  وبفرح وغبطه وزع الحلوى على الحضور راحة الحلقوم، وملبس، وطوفة، وحددواالعرس خلال شهرين من هذا اليوم.
جاء موعد العرس وكانت والدة العروس قد جهزت كل جهاز العروس من فراش ولحف وحياكه  وتطريز ووسائد وشراشف وبدلات السهره وبدله العرس البيضاء وما يتبعها.
اما عرسان ففي يوم زفافه دعا الاهل والأصدقاء على وليمة لتناول طعام الغداء وبعد الغداء جاء حمام العريس وبعد حمام العريس انطلقت الفارده من قريه النعيم الى بيت العروس سارت الفارده رجالًا ونساءً مشيًا على الأقدام من قريه "النعيم" على ايقاع الدربكة للنساء والمجوز امام الشباب وراحت الاصايل والخيول الأخرى في مهرجان طراد في عرض سباق في السهول حتى مشارف القرية في البيت "ابو توفيق" انبجست المهاهات من صديقات واقارب العروس.
ويا ظريف الطول يابو سن ضحوك        يلي رابي في دلال امك وابوك
يا ظريف الطول يوم غربوك               شعر راسي شاب والظهر انحنى
واخرى هاهت: حنا مكة  جيت احنيكي –اويها يابدر ضاوي والحلى كله ليكي اويها ما يليق الحنا الا لاديكي. اويها يا حليمه زيني العرايس لعرسان اوديكي اويها ظليت اركض وراء الاجواد لا نساهم اويها دعيت رب السما ينصرهم اويها نصره عزيزة تجبر بخاطرهم.
تقدم شيخ الجاهه وطلب السماح بتسليم العروس للجاهه بعد ان دفعت الجاهه خلعة الاب والام والخال، والعم، انزلوا العروس من مصمدها واردفوا عليها عباءة والدها الحمراء.
واعتلت ظهر الفرس المزينة بالمناديل الملونه والورود ورفعت يدها وانطلقت  والزغاريد من كل حدب وصوب وعادت الفارده وعادت الدربكه تضرب وعاد المجوز يصدح وعادت المطارده من خارج البلد حتى قرية "النعيم" وكان العريس ينتظر بفارغ الصبر وصول العروس الجميله الشقراء وراح يتخيل ويسبح في بحر خياله وقد احضر إشبين العريس قضيبًا مزينا ومزركشا كي ينهال عليها بالضرب  كما هي العادة فخرق العريس العادة واستبدل القضيب بباقة من الورد حملها بيده هديه وصلت العروس بهالة من الزغاريد ودخلت الى صدر البيت واخذ الشباب يغنون ويا شمس غيبي من السما على الارض عنا عريس.
ادخل الشباب العريس فرفع الطرحة ليرى وجهًا فحلت المفاجأة ووقعت عليه كالصاعقة سقطت باقة الورد من يده وشهق وظل واقفًا برهة غارقًا بذهوله استسلم للخديعة عاد وهمس لاصحابه انخدعت وانضحك عليّ عملوها قرعان عرابة.
قد يهمّكم أيضا..
featured

صوت المرأة= صوت الرجل في صندوق الاقتراع

featured

"من حقّ" اوباما دعم اسرائيل!

featured

أوباما وهيلاري وكابوسهما المفتعل - " النووي الاراني "

featured

سياسة إسرائيل أداة لمصالح الامبريالية

featured

التحديات كثيرة، فماذا على رؤساء السلطات المحلية العربية العمل في وجهها؟

featured

الحركة الفلسطينية الأسيرة إلى أين؟

featured

حسابات السرايا مأساوية

featured

استراتيجية الكفاح المسلح