تعتبر السلطات المحلية العربية الحلقة الأضعف في جهاز الحكم المحلي في اسرائيل. هذا ليس بالأمر الخفي، لا على الرؤساء والعاملين في السلطات الذين يعيشون هذا الواقع، ولا على موظفي وزارات الحكومة المختلفة. في وزارة المالية ووزارة الداخلية يعترفون بالضعف والأزمات التي تعاني منها السلطات العربية، الناتجة عن تمييز واضطهاد مستمرين بالسياسات والميزانيات على مدى الزمن، وهم يبدون الرغبة بتصليح هذه الحالة، ليس بالضرورة بسبب توجّه عادل، بل لأنه سيعود بنهاية الامر على اقتصاد الدولة نفسها بالفائدة.
تنعكس حدة الازمات التي تعاني منها السلطة المحلية العربية في فقرها المتزايد وعدم مقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها المالية، بعجزها عن توفير خدمات بجودة عالية لمواطنيها وضمان تطوير القرى والمدن العربية. الفقر المادي والاقتصادي الذي ينبع من الاجحاف بالميزانيات من قبل الدولة، يقود السلطات المحلية العربية الى تبنّي نهج "إطفاء الحرائق" وابقائها وإبقاء المجتمع العربي مرتكزين على "صراع البقاء." هذا النهج يؤدي الى تهميش قضايا اجتماعية ذات أهمية كبيرة مثل العنف وانتشار السلاح، الفقر، التربية والتعليم وحتى قضية الهوية.
بالرغم من الضعف، الأزمات، المشاكل والقضايا التي تكبح السلطات المحلية العربية من التقدم، هنالك فرص متعلقة بالميزانيات الحكومية التي يتحتم على السلطات العربية اقتناصها. خاصة وأن السلطات تتعلق وبشكل كبير بهذه الميزانيات التي تشكل جزءًا كبيرًا من ميزانيتها السنوية. سبب هذا التعلق يعود إلى قلة وجود ممتلكات مدرّة للأرنونا في البلدات العربية ونقص كبير في المناطق الصناعية تحت نفوذها؛ حيث أن 1% فقط من المناطق الصناعية في البلاد، التي تأتي بالقدر كبير من الأرنونا، موجودة تحت نفوذ سلطات عربية.
مع وجود هذه الفرص، ومع وجود تغيير نوعي في فعالية ومشاركة الرؤساء العرب في عمليات التأثير على السياسات، والتأثير على الميزانيات، نرى أن الجهود التي تُبذل لتمييز الفرص والكفاحات المطلوبة والعمل عليها تأتي بالثمار. في شهر كانون الأول الفائت وبعمل مكثف لرؤساء السلطات المحلية، نواب الكنيست العرب والمختصين المرافقين، كان هناك نضالان متعلقان بالميزانيات الحكومية: هِبات الموازنة من جهة وصندوق الارنونا الحكومية من جهة أخرى. هذه الميزانيات تبت بصلة لجميع السلطات المحلية الضعيفة في البلاد، ولكن تحمل أهمية أكبر للسلطات المحلية العربية.
خاضت السلطات المحلية العربية نضالا مضاعفا بموضوع هِبات الموازنة. أولاً، نضال عام لجميع السلطات المحلية في البلاد ضد تقليص الميزانية العامة للهِبات بـ6%، الذي أدّى إلى إضراب قطري، وكنتيجة لذلك، تم الإقرار بتوزيع الهِبات بدون تقليص؛ وهو الذي سيتم بحثه ودراسته خلال الأشهر الـ6 القادمة والبتّ به وبمصدره. ثانياً، نضال خاص بالسلطات العربية لتغيير معادلة هِبات الموازنة القديمة وغير العادلة، التي قد تؤدي في صورتها المثالية العاكسة الواقع لزيادة الميزانية ﺑ 500-600 مليون شاقل سنويا للسلطات العربية. وكانت قد أقيمت لجنة خاصة على يد وزير الداخلية لفحص تصليح هذه المعادلة، ولأسباب سياسية، التوصيات التي كان من المفترض الإعلان عنها حتى نهاية كانون الثاني التي لم يتم اعلانها بعد.
أيضا، وخلال شهر كانون الأول مقابل نضال هِبات الموازنة، تمت الموافقة على إقامة صندوق الأرنونا الحكومية. الصندوق سيجمع قسما من الأرنونا الحكومية التي تدفعها الحكومة على مباني حكومية وعامة، وسيتم توزيعها على السلطات التي لا تتمتع منها. التوزيع التدريجي على مدار ثماني سنين سيتم حسب عدة معايير أحدها المؤشر الاقتصادي الاجتماعي التي تقع في أدناه جميع السلطات المحلية العربية. هذا يعني ميزانية إضافية حتى حوالي 100 مليون شاقل في السنة الأولى (2017) للسلطات المحلية العربية.
في هذين النضالين، كما في كل عملية مفاوضات، تمت الاستجابة جزئيا على مطالب السلطات المحلية. وحتى هذا وفي واقع التمييز وسياسات الاجحاف، يشكل إنجازا هاما، ونقطة انطلاق للمفاوضات والنضالات المستقبلية. إنه دلالة على أهمية العمل المكثف الذي قام به رؤساء السلطات المحلية، نواب الكنيست والمختصين المرافقين، ومؤشر على الإمكانيات التي يمكن الوصول إليها من خلال التعاون، بالإضافة للرسالة التي ستصل للحكومة بوجود قوة تقاتل من أجل حقوقها.
برأيي، يجب على قادة الحكم المحلي العربي اتباع نهج انتهاز الفرص والاستمرار بالمطالبة بالحقوق بشكل واضح ومسوّغ، والقيام بالمتابعة للتأكد من الحصول عليها فعليا. نقاط القوة التي يجب تطويرها لتسهيل الطريق تتراوح ما بين الالتزام التام بالمهنية الكامنة داخل السلطات المحلية وداخل المجتمع العربي وتعزيز الوحدة والتعاون بين جميع الأطراف التي تعمل لمصلحة السلطات والمجتمع. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة للعمل بذكاء وتمييز شراكات ممكنة من مجتمعات وبلدات أخرى تملك مشاكل ومصالح مشتركة. ولعل كل هذا سيكون نقطة انطلاق لرافعة اقتصادية وتطوير للسلطات العربية التي بدورها ستأتي بالتأثير الإيجابي على المجتمع ككل.
*مركّز ابحاث ومشاريع، مركز انجاز.