المفاوضات وسيلة وليست غاية

single

لم تكن المفاوضات في أي يوم من الأيام قضية مبدئية أيديولوجية، بقدر ما كانت ولا تزال وستبقى وسيلة لتحقيق غاية مثلها مثل العمليات الاستشهادية والكفاح المسلح والانتفاضة الشعبية، وسائل متعددة لتحقيق هدف محدد ولذلك أستغرب هذا التعنت من هذا الفصيل أو ذاك أو من هذا الشخص أو غيره، يعلن موقفاً ازاء المفاوضات، كأنها قضية مبدئية أو انها تعني التنازل عن الحقوق المسلوبة والمنهوبة، لمجرد أن صاحب القرار وافق على الجلوس على طاولة المفاوضات في مواجهة عدوه.
المفاوضات تتم بين الأعداء، التفاوض بينهما لا يعني التنازل للآخر عما يراه أنه حق، ولا أدل على ذلك أكثر من قبول الإسرائيليين بالتفاوض مع الجانب الفلسطيني، فهل جلوس الإسرائيليين بشكل مباشر أو غير مباشر مع المفاوض الفلسطيني يعني الاقرار بحقوق الفلسطينيين الثلاثة المساواة والاستقلال والعودة أو التنازل الإسرائيلي للفلسطينيين عن هذه الحقوق ؟ أو هل يعني أن نتنياهو قبل بحل الدولتين وسيقبل بالانسحاب إلى حدود حزيران 67 إذا جلس على طاولة المفاوضات ؟؟
لقد مارس سيدنا محمد عليه السلام المفاوضات مع أعدائه المشركين، ومارسها لينين وماوتسي تونغ وعبد الناصر وحافظ الأسد، وكل منهم مارس التفاوض لمصلحة ما يراه انه الحق والصواب لبلاده أو أفكاره أو رسالته.
المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مرت بمحطات ومراحل قبل أوسلو أدت إلى التوصل إلى الاعتراف المتبادل وإلى الاتفاق التدريجي المتعدد المراحل، وعلى أرضية هذا الاتفاق جرت سلسلة الانسحابات الإسرائيلية من المدن بشكل تدريجي بدءاً من غزة وأريحا أولاً، وعاد الرئيس الراحل ومعه أكثر من ثلاثمائة الف فلسطيني، وولدت السلطة الوطنية كمقدمة لمشروع الدولة المنشودة.
وقطعت مفاوضات المرحلة النهائية أشواطاً بعيدة، بدأت في كامب ديفيد 2000، وطابا 2001، في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، وتجددت بين أبو مازن وأولمرت في أنابوليس في تشرين الثاني 2007، وتواصلت حتى كانون الأول 2008، وتم صياغة وثيقة بمثابة وديعة قدمت من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى اجتماع اللجنة الرباعية في شرم الشيخ على مستوى وزراء الخارجية بحضور الأمين العام للأمم المتحدة، تضمنت ما تم التوصل إليه بين الجانبين المتفاوضين الفلسطيني والإسرائيلي.
بمجيء نتنياهو واستلامه رئاسة الحكومة الإسرائيلية في آذار 2009، حاول شطب ما تم التوصل إليه بين أبو مازن وأولمرت وإلغاء قضيتي القدس واللاجئين عن جدول أعمال التفاوض ولكنه فشل في ذلك، مثلما سبق له أن قاد تياراً في مؤتمر "الليكود" في عهد شارون، عمل ضد حل الدولتين على أرض فلسطين، أي ضد إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وتراجع عن ذلك وأعلن عن قبوله حل الدولتين (طبعاً هو يقبل بالدولة الفلسطينية بين الجدارين وبشروط أمنية مجحفة تفقد فلسطين استقلالها)، وكان ولا يزال مرغماً على ذلك بقوة الضغط الأميركي وقوة الواقع الفلسطيني القائم، حيث لا مجال للتهرب من الحقيقة الفلسطينية القائمة أمامه أو الانكفاء عنها أو تجاهل حقيقة وجودها المادي البشري على الأرض الفلسطينية.
التفاوض وفق الرغبة الأميركية التي جلبت الطرفين إلى طاولة المفاوضات حققت للطرف الفلسطيني شروطاً متعددة تخدم مصالحه يمكن بلورتها واختصارها بالنقاط التالية:
أولاً : عدم التصادم مع الولايات المتحدة الأميركية الذي تطور موقفها الإيجابي منذ عهد بوش الأب الذي بادر في آذار 1991 وطرح فكرة مؤتمر مدريد لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس مبدأين أولهما توفير الأمن لاسرائيل وثانيهما تلبية الحقوق السياسية المشروعة للفلسطينيين، وتطور إلى موقف ودور ومبادرات الرئيس كلينتون ومؤتمر كامب ديفيد العام 2000، إلى موقف ورؤية الرئيس بوش الابن الذي تطور إلى إقرار حل الدولتين كما جاء في رؤيته المعلنة في حزيران 2002، وصدر بعهده قرارا مجلس الأمن، قرار الدولتين 1397 وقرار خارطة الطريق 1515، أما التطور النوعي الذي وصل إليه الموقف الأميركي في عهد أوباما أن حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة أصبح مصلحة أميركية.
ولذلك هناك مصلحة فلسطينية للحفاظ على دور أميركي مساند ومتعاطف مع الشعب الفلسطيني رغم الانحياز الأميركي التاريخي لإسرائيل، ورغم ذلك هناك صراع فلسطيني إسرائيلي على كسب موقف الإدارة الأميركية وعدم التصادم معها، وهناك صراع أميركي داخلي على الموقف الأميركي، حيث يعمل أصدقاء إسرائيل الأميركيون وخصوصاً اللوبي الصهيوني اليهودي على بقاء قوة الموقف الأميركي الداعمة لإسرائيل بينما تسعى أوساط أميركية مسؤولة في مؤسسات صنع القرار بجعل الموقف الأميركي أكثر توازناً بين طرفي الصراع الفلسطيني والإسرائيلي.
الفلسطينيون لا مصلحة لهم في عدم كسب الموقف الأميركي، ولا مصلحة لهم في بقاء قوة الولايات المتحدة داعمة لإسرائيل، ومن هنا تحرص القيادة الفلسطينية على عدم التصادم مع واشنطن، فالولايات المتحدة لاعب رئيسي في العالم وفي منطقتنا بالذات، وهي داعم مالي وسياسي قوي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتغطية احتياجات الفلسطينيين المالية ولإقامة مؤسسات الدولة على الأرض.
ثانياً : لقد ألزم الجانب الأميركي نفسه بردع الجانب الإسرائيلي عن كل ما هو حساس واستفزازي ويخل بقضايا المرحلة النهائية بما فيها الاستيطان، ولكن بدون إعلان ذلك صراحة، فإذا تم وقف الاستيطان وتراجعت وتائره العالية والمستمرة، مقابل بدء التفاوض غير المباشر فإن هذا الثمن يبقى مقبولاً ومنطقياً، والمتمثل ببدء التفاوض غير المباشر مقابل وقف الاستيطان أو التخفيف منه أو التراجع عن نسبة توسعته العالية، ويفترض هنا أن يبقى الدور الفلسطيني يقظاً نحو مراقبة الاستيطان وربط استمرارية التفاوض بوقف الاستيطان.
ثالثاً : إن إعادة طرح قضايا القدس، اللاجئين والحدود والتركيز عليها والتسليم بها من قبل نتنياهو يعتبر تراجعاً كبيراً ومفيداً لصالح الطرف الفلسطيني بعد ان سعى نتنياهو إما لشطب القدس واللاجئين عن طاولة المفاوضات أو لتأجيلهما إلى وقت غير مسمى، ولذلك إن قبول نتنياهو لجعل القدس واللاجئين والحدود قضايا رئيسية على طاولة المفاوضات فهذا يعني تراجع نتنياهو وهزيمة مواقفه ومبادئه قبل البدء بخطوة المفاوضات الأولى.
العناوين الثلاثة، مكاسب سياسية ومالية وقانونية للطرف الفلسطيني، لا يدفع ثمنها من حقوقه أو مكتسباته أو استحقاقاته، بل هي حققت انجازات عملية للقيادة الفلسطينية قبل أن يبدأ التفاوض رسمياً، والجانب الفلسطيني يحقق انجازات بالنقاط التراكمية لأنه على حق أولاً ولأنه يجيد لعبة التفاوض ثانياً ويحظى باحترام وتقدير كبير لدى قادة المجتمع الدولي ثالثاً.
الرحلة طويلة، ورحلة الألف ميل لاستعادة الحقوق الفلسطينية بدأت وهي تتواصل بدون أن يدفع المفاوض الفلسطيني ثمناً من رصيد حقوقه الواضحة غير القابلة للتبديد أو التلاشي.
المفاوضات مجرد وسيلة لتحقيق هدف استعادة الحقوق الفلسطينية بشكل تدريجي متعدد المراحل، والمرحلة القائمة ذروة الانحسار والتراجع الإسرائيلي، مع ذروة الصعود والدعم الدولي للمفاوض الفلسطيني والقيادة الوطنية.

 

h.faraneh@yahoo.com
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا لتوريط لبنان!

featured

في ذكرى رفيق عزيز

featured

حق العودة .. وحق البقاء .. وحكومة الاعصاب المكشوفة !

featured

المقاطعة قلة مسؤولية وخدمة لليمين

featured

حول قانون يهودية الدولة

featured

نتنياهو يراوغ

featured

أرانب الموكرة!

featured

امتحان القراءة وفهم المقروء والرياضيات والحاسوب.. أين نحن؟