في السلطة الفلسطينية صرّحوا مرّات كثيرة، وفي أكثر من مناسبة، أنّهم عقدوا العزم على طلب اعتراف الأمم المتّحدة بدولة فلسطين، في حدود 1967، في الدورة المقبلة للجمعيّة العمومية. يبدو أنهم جادّون هذه المرّة في تنفيذ خطّتهم هذه، وهذا ما يرجوه الشعب الفلسطيني، ولا يمكن التنازل عنه بأيّ شكل من الأشكال.
حكومة إسرائيل في ورطة حقيقية: الجمعية العمومية لا يعطّل قراراتها الفيتو الأميركي، كما عوّدتنا أميركا في مجلس الأمن؛ ودول كثيرة، حوالى مئة وأربعين دولة، أعلنت عن تأييدها لهذا المشروع. لهذا السبب، رأينا السيدة ميركل، صديقة نتنياهو الوحيدة في أوروبا، والسيّد أوباما صديق إسرائيل وحاميها، يسارعان إلى إعلان المعارضة الشديدة لهذه الخطوة الشجاعة. ليس من الحكمة، في رأيهما، حلّ القضيّة من طرف واحد! نتنياهو أيضا قلق، ومشغول منذ شهرين وأكثر في كتابة خطاب بار إيلان 2. فهو، كما نعرفه، يظنّ أنّ كلّ مشكلة يمكن حلّها أو إرجاؤها بالكلام، بلغة إنجليزية فصيحة هذه المرّة! هذه هي "إستراتيجية" نتنياهو التقليدية في مواجهة كلّ القضايا الشائكة، في الشؤون الداخلية والخارجية على حدّ سواء؛ التفتيش دائما عن صياغات كلامية وحلول شكليّة، بدل مواجهة المشاكل مبدئيّا وبشجاعة.
هل يمكن لأحد منا، ومن المختصّين أيضا، أن يذكر عدد الاتّفاقيّات واللقاءات والمشروعات والتصريحات والوعود بحلّ هذه القضيّة المزمنة منذ أوسلو حتى يومنا هذا؟ كانت أوسلو، يوم وقّعوها، حلما صفّق له الفلسطينيون، وكثيرون من الإسرئيليين أيضا، ظانّين أنّ قيام دولتين لشعبين غدا وشيكا، وأنّ السلام على الأبواب، على بعد أيام أو شهور. لكن ماذا كانت النتيجة؟ سنوات من الكلام الفارغ، والوعود الأميركية الكاذبة، في كلّ إدارة جديدة وعلى لسان كلّ رئيس جديد. والقضيّة ما زالت حيث كانت: لا فلسطين استقلّت، ولا هي محتلّة قانونيّا ورسميّا. لن تجد في العالم حالة كالحالة الفلسطينيّة: لا الأرض الفلسطينية محتلّة فعلا، فتقوم إسرائيل بكلّ مسؤوليات المحتلّ نحو الشعب الفلسطيني من خدمات معيشية مختلفة، ولا هي مستقلّة تتمتّع بالسيادة فتمنع إسرائيل من استباحة أرضها متى شاءت وكيفما شاءت. هكذا بدت السلطة الفلسطينية في نظر شعبها، بحقّ أو بغير حقّ، "موظّفة" عند حكومات إسرائيل؛ تقوم بما يُطلب منها، وتمتنع مرغمة عن القيام بما يطمح إليه شعبها. بذلك، تحوّلت أوسلو إلى لفظ فارغ لا يثير في سامعيه من الفلسطينيين، والإسرائيليين ربّما ، إلا خيبة الأمل والإحباط ، والقرف أحيانا. بعد سنوات طويلة من توقيع أوسلو، طلع علينا نتنياهو وعلى العالم، في خطابه "بار إيلان 1" ، بصياغة دولتين لشعبين، وبشروط كثيرة تناقض وتشوّه هذا التصريح " التاريخي"! فهل ينتظر الفلسطينيون، والعالم معهم، أن يطلع من خطابه الثاني شيء، أيّ شيء؟! حبر على ورق، ولا أرخص من الحبر إلا الورق.
آن الأوان لأن تتّخذ السلطة الفلسطينية، والشعب الفلسطيني، "خطّة طريق" فلسطينية واضحة المعالم، لا حيدة عنها ولا تراجع فيها، مهما حدث على هذه الطريق: انتزاع الاعتراف الدولي، في الجمعية العمومية بدولة فلسطين في حدود 67، وإذا لم يعجب ذلك إسرائيل وأميركا في ظهرها، فلتكن ثورة شعبية سلمية، سلمية فقط، على الاحتلال، إلى أن تتحقّق الدولة، نظريا وعمليا، بكنس الاحتلال. يجب أن تكون الثورة سلمية، كما أكّدنا، فالنضال المسلّح،كما ثبت في الانتفاضة الثانية، لا يستفيد منه إلا إسرائيل نفسها! هناك أيضا خيار أخير في خطّة الطريق هذه: أن تستقيل السلطة الفلسطينية استقالة لا رجعة فيها، لتتولّى إسرائيل مهامّ الحكم والإدارة في الأراضي الفلسطينية. قد يكون ذلك صعبا على المسؤولين في السلطة لأسباب كثيرة متنوّعة. إلا أن ذلك أصعب على إسرائيل: أن "تحتلّ" الأرض الفلسطينية من جديد، وتتولّى كلّ مسؤوليات الدولة المحتلّة، فتقوم بحكم الزمن والتطوّرات السياسية دولة واحدة للشعبين بين البحر والنهر، حتى إذا كان أحدهما حاكما والآخر محكوما. هذا هو الكابوس المفزع لساسة إسرائيل، من اليمين واليسار على حدّ سواء!
أكثر ما نخشاه أخيرا أن ترضخ السلطة الفلسطينية للضغوط الأميركية والألمانية والإسرائيلية، فتتنازل عن الخطّة وعن الطريق، كما حدث لها يوم تقرير جلادستون. عندئذ لا طريق أمام الشعب الفلسطيني إلا الثورة الشعبية السلمية على السلطة ذاتها. إذا كانت الشعوب العربية، في هذه الحقبة الرائعة، لا تخشى الثورة على أنظمتها في الشوارع والميادين، وتحت الرصاص أحيانا، فالشعب الفلسطيني لا يفتقر أيضا إلى الجماهير الواعية الشجاعة، أو إلى الشوارع والميادين. ليس الشباب المصري أشجع من شباب الانتفاضات والنضالات المتواصلة، ولا ميدان التحرير في القاهرة يفضل دوّار المنارة في رام الله!
أملنا، مع ذلك، أنّ السلطة الفلسطينية لن تتخاذل ولن تتقاعس، بل ستواصل خطّتها الإستراتيجية على الطريق المذكور. ومن يدري؛ فلعلّ سنة 2011 تكون سنة الحسم والخلاص في القضيّة الفلسطينية، لتقوم دولة فلسطينية، مدنية ديمقراطية أيضا، شأنها شأن شقيقاتها العربيات الزاحفات بشجاعة على هذا الطريق!
