الشرق الأوسط والعالم العربي ساحة صراع بين المشروع الامبريالي وقوى التغيير (2-3)

single
  • بين الحركة الروسية لعقد جنيف 3 أو موسكو 1، ومبادرة "حلب أولًا"، فإن الولايات المتحدة لا تزال مستمرة في طرح تسليح وتدريب ما يسمى "المعارضة المعتدلة" التي تشكل بالنسبة لها الأداة الطيعة لتنفيذ مخططها في سوريا، تمامًا كما كانت "المعارضة العراقية المعتدلة" قبلها، فالمعروف أن "الاعتدال" في المفهوم الامبريالي الأميركي يعني، أولًا، تأمين مشروعها التوسعي في الشرق الأوسط، وثانيًا الاعتراف بالكيان الإسرائيلي.


*فيما يلي جزء ثان من التعميم السياسي الصادر عن لجنة العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اللبناني، نقوم بنشرها على 3حلقات لأهميتها – أولى الحلقات نُشرت أمس الاربعاء*


* 2 - الملف النووي الإيراني ومفاوضات فيينا*

عقدت في فيينا، في 24 تشرين الثاني 2014، الجولة الثالثة من مفاوضات مجموعة الخمس زائدًا واحدًا مع إيران حول ملفها النووي، وسط ترويج لإمكان التوصل إلى إتفاق إطار؛ ولكن المفاوضات انتهت إلى تأجيل، كان متوقعًا، أرجعه معظم المتابعين إلى خلاف حول مسألتين، الأولى نسبة تخصيب اليورانيوم ومفاعل آراك، والثانية رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران.
وعلى الرغم من أهمية هاتين المسألتين، إلا أن عدم التوصل إلى اتفاق إطار وتأجيل الجولة الرابعة سبعة أشهر، يعودان – بحسب بعض المعطيات - إلى كون الولايات المتحدة سعت إلى ربط الملف النووي الإيراني بتسوية شاملة في المنطقة على أساس مبدأ المقايضة (إسرائيل والاتفاق الأمني مع النظام العراقي)؛ في المقابل سعت إيران، وطبعًا من خلفها روسيا، إلى فصل ملفها النووي عن التسوية في منطقة الشرق الأوسط، ممّا يؤشر إلى أن شروط التسوية بين الولايات المتحدة وروسيا لم تنضج بعد.
وفي مجال التأجيل أيضًا، لا بد من التوقف عند التحرك السعودي لمنع التوصل إلى اتفاق في مفاوضات فيينا، والذي تمثل بزيارة وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل إلى موسكو (التي لم تسفر عن نتائج)، والدور الذي لعبته فرنسا، بطلب سعودي، لعرقلة المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، ممّا يعكس مدى تخوف السعودية من التقارب الأميركي الإيراني، الذي تراه على حساب دورها كدولة إقليمية.
وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أن الصراع بين السعودية وإيران لا ينحصر في سوريا وحسب، بل هو أيضًا صراع في العراق واليمن وغيرهما من دول الخليج. فإذا كانت السعودية قد تمكنت من إزاحة رجل إيران الأول في العراق، نوري المالكي، عن رئاسة مجلس الوزراء، ليحل العبادي مكانه، على وقع انهيار الجيش العراقي أمام غزوات داعش، إلا أنها سرعان ما منيت بضربة موجعة في خاصرتها الرخوة، اليمن، عبر تمكن الحوثيين من السيطرة على معظم المناطق اليمنية، الشمالية تحديدا، ووصولهم إلى العاصمة صنعاء وإلى مضيق باب المندب، مفيدة في ذلك من تقاطع المصالح بينها وبين الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح الذي يعتبر أن السعودية كانت وراء اقصائه عن السلطة. وقد اتضح من خلال التقدم السريع للحوثيين، أن صالح لا يزال يمسك بمفاصل رئيسة في اليمن، بما في ذلك الجيش، وأنه يحظى بدعم من القبائل الكبيرة.
وبالعودة إلى مفاوضات فيينا بين إيران ومجموعة الخمس زائدًا واحدًا، يمكن الخروج بالاستنتاجات التالية:
أولًا، تمكنت إيران من فرض نفسها كدولة إقليمية ذات تأثير في المنطقة.
ثانيًا، دخلت إلى المفاوضات حول ملفها النووي وهي متحررة، موقتًا، من التهديد بضربة عسكرية ضدها.
ثالثًا، تمكنت من فصل ملفها النووي عن التسوية الشاملة في المنطقة، مع ما يحمله هذا الأمر من عبء على إيران المنهكة اقتصاديًا، نظرًا إلى أن شروط هكذا تسوية لا تبدو في الأفق القريب.
في المقابل، استطاعت الولايات المتحدة الأميركية، وبالإضافة إلى الكسب المحقق في العراق، أن تحيّد السلاح النووي الموجود لدى الكيان الإسرائيلي ووضعته فوق كل القوانين. إضافة إلى أن عامل الوقت يصب في مصلحتها وليس في مصلحة إيران التي هي على عجلة من أمرها للتسريع في المفاوضات ورفع العقوبات الاقتصادية عنها. وعلى هذا المستوى فإن الرفع الجزئي والمحدود للحصار الاقتصادي عن إيران والافراج عن بعض أرصدتها في الولايات المتحدة، قابلته أميركا بخفض أسعار النفط، حيث انخفض سعر برميل النفط إلى حوالى 40%، وما يعنيه ذلك من ضربة موجعة لاقتصاد إيران وروسيا وفنزويلا، المعتمدة على تصدير النفط.
كل ذلك يطرح سؤالًا حول المستقبل القريب للدول المصدرة للنفط والغاز ويعيد كذلك إلى الواجهة الصراع الأميركي - الروسي حول نقل الغاز إلى أوروبا والمشاريع المتعلقة بأنبوبي الغاز إلى المتوسط وأوروبا.


*3- الأزمة السورية*


دخلت الأزمة السورية عامها الرابع، حاصدة معها مئات آلاف الضحايا، وملايين النازحين الذين يشكلون أعلى نسبة نزوح، داخلي وخارجي، شهده العالم مؤخّرًا، نسبة إلى عدد السكان. ويعاني الشعب السوري، عمومًا، ومن بينهم النازحون على وجه الخصوص، من ظروف معيشية واجتماعية أقل ما يقال عنها إنها مأساوية، إضافة إلى الدمار شبه الكامل الذي أصاب مناطق واسعة من سوريا، من دون تبلور أفق لحل قريب للأزمة التي يعاني منها وطنهم، والتي يزيدها تعقيدًا أن الصراع الحاد بين الولايات المتحدة وروسيا على المنطقة لا يزال على أوجه.
وعلى خط موازٍ لتحول الأزمة السورية إلى حرب ذات طبيعة طائفية، برز تطور في غاية الخطورة (سبق وأشرنا إليه في التعميم السياسي الصادر عن لجنة العلاقات الخارجية بتاريخ 4 آذار 2014) تمثل في حينه، "بخروج بعض الشراذم الإرهابية (جبهة النصرة، داعش) عن سيطرة المعارضة السورية في الخارج، ومنها بالتحديد "الائتلاف الوطني السوري" و "الجيش السوري الحر"، والجرائم التي ترتكبها هذه الشراذم بحق الميليشيات والمدنيين في المناطق التي سيطرت عليها". واليوم أصبحت هذه الشراذم الدينية الفاشية هي الأقوى، وامتدت سيطرتها من سوريا إلى العراق ولبنان، بفعل الدعم الذي تلقاه من التحالف الامبريالي - الرجعي، العربي والإقليمي.
في ظل هذه التطورات المأساوية التي تشهدها سوريا، التي انعكست على الوضعين السياسي والأمني في لبنان، خاصة بعد معركة عرسال في أواسط العام الماضي وما تبعها من تفجيرات أمنية وعسكرية، برزت مبادرات عدة، نتوقف عند أهم اثنتين منها:
المبادرة الأولى، روسية، قام بها مبعوث الرئيس الروسي للشرق الأوسط، ميخائيل بوغدانوف بهدف الخروج من حالة المراوحة واستئناف ما تم انجازه في مؤتمري "جنيف 1"و "جنيف 2" عبر إعادة إطلاق الحوار بين النظام السوري وبعض أطراف المعارضة السورية للبحث عن حل سياسي للأزمة، ينطلق من بقاء الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية التي تشارك فيها المعارضة إلى جانب النظام الذي لم يبدِ حماسًا كبيرًا للمبادرة الروسية. فالنظام لا يزال يراهن على إمكانية الحسم العسكري الذي لم يتحقق لحد الآن على الرغم من سيطرته، لفترة طويلة، على أغلبية المدن السورية الرئيسية، وكذلك على القصير والقلمون، وتوجهه لإحكام السيطرة على حلب. ذلك أن تلك السيطرة لم تغير موازين القوى سوى بشكل جزئي، اذ أنها بقيت حتى الآن في إطار معارك الكر والفر. هذا، إضافة إلى استمرار النظام السوري والمعارضة السورية الخارجية في العمل على تحجيم المعارضة الوطنية الديمقراطية الداخلية، التي لم ترتبط بالخارج، بهدف السعي لاستبعادها من مفاوضات الحل السياسي، وذلك بسبب أن هذه المعارضة تطرح قيام نظام ديمقراطي وطني تتحقق فيه المطالب المحقة للشعب السوري في الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي، ويعيد لسوريا دورها في مقاومة الاحتلال حتى تحرير الأرض  وكذلك في مواجهة العدوانية الامبريالية.
أما المبادرة الثانية، المسماة "حلب أولًا"، التي يسعى عبرها ستيفان دي ميستورا إلى تجميد القتال بين النظام والمعارضة المسلحة في حلب، فتذكّر بما جرى إبان الحرب الأهلية اللبنانية من تقسيم بيروت إلى "شرقية" و"غربية" ووضع خط تماس دائم بينهما... بما يعني أن المبادرة لا تعدو عن كونها  لا تتجاوز إطار الجرعات المسكِّنة التي تبقي الأزمة السورية على ما هي عليه، من ناحية، وتؤدي، من ناحية ثانية، إلى فرض ما يشبه مناطق حظر بين الطرفين المتصارعين.
وبين الحركة الروسية لعقد جنيف 3 أو موسكو 1، ومبادرة "حلب أولًا"، فإن الولايات المتحدة لا تزال مستمرة في طرح تسليح وتدريب ما يسمى "المعارضة المعتدلة" التي تشكل بالنسبة لها الأداة الطيعة لتنفيذ مخططها في سوريا، تمامًا كما كانت "المعارضة العراقية المعتدلة" قبلها، فالمعروف أن "الاعتدال" في المفهوم الامبريالي الأميركي يعني، أولًا، تأمين مشروعها التوسعي في الشرق الأوسط، وثانيًا الاعتراف بالكيان الإسرائيلي.
انطلاقًا ممّا تقدم، يمكن القول إن الحلول السياسية المطروحة للأزمة السورية ليست قريبة التنفيذ، طالما أنها - كلها - جزء من الحل العام لإعادة تنظيم وضع المنطقة ككل؛ ولا يبدو أن شروطه قد تبلورت بعد، سواء أعقد لقاء موسكو ومن بعده مؤتمر جنيف الموعود، أو تم التوصل إلى اتفاق بين طهران ومجموعة الخمس زائدًا واحدًا حول الملف النووي الإيراني... خاصة نتيجة ضعف موقع المعارضة الداخلية.
وبالتالي فإن التطورات الأمنية والعسكرية ستتسارع، وسيزداد معها القتل والتهجير المنظّمون والانقسام الطائفي والمذهبي، وسترتفع الفاتورة المالية التي سيدفع كلفتها الشعب السوري والتي قدّرت حتى اليوم بما يتجاوز 200 مليار دولار نتيجة الدمار الممنهج والمستمر في سوريا.



(يتبع)


قد يهمّكم أيضا..
featured

لتتولَّ القائمة المشتركة دور المعارضة الأمامية لحكومة اليمين العنصرية

featured

يصرون على مصافحة المدافع ونهج الحروب!

featured

في انتصار الشيوعية هزيمة أبدية للحروب والعنصرية والاستغلال

featured

عَسل الدبابير أم لَسْعُها؟

featured

سرُّ بيتنا القديم.!

featured

قراءة في نتائج الانتخابات المصرية وانعاكسها على القضية الفلسطينية (3)

featured

الحكام العرب ولعبة شد الحبل