قال تعالى "والتين والزيتون وطور سينين" . "يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية" هذه الشجرة المباركة جاء ذكرها بالقرآن الكريم شجرة مقدسة فروعها عالية واثمارها غالية وجذورها راسخة في الأرض تؤتي اكلها كل سنة زيتا وزيتونا، تؤتي اكلها كل حين لذة للآكلين ودواء للمحتاجين، تندرج في صلب ماكولاتنا العربية الشرقية وما اطيبه من طعام في الصباح صحن زيت وصحن زيتون اسود ورغيف خبز طابون اصلي من الطابون المغمور بالأرض بنار الجفت المستخرج من درس الزيتون ومع بيت علت من الحاكورة، كلها اكلات طبيعية ومن الطبيعة دون ادوية تختلط بها .
شجرة الزيتون الدائمة الخضرة الراسخة في أعماق الأرض تمثل تمسكنا بالأرض ووجودنا وبقاءنا بجذورنا العربية الفلسطينية الاصيلة في هذه البلاد، وهي رمز للبقاء والوجود وعلامة كبرى في التحديات والصمود في ارض هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة .وما دعاني للحديث عن هذه الشجرة العملاقة نقص الوعي الانساني عن كينونة هذه الشجرة نقص الوعي الثقافي لاولادنا للتعامل معها في غرسها والاعتناء بها وصيرورة قطف اثمارها واستعمال آلات القطف القديمة منها والحديثة، وعدم اشراك أولادنا بشكل فعال في موسم قطف الزيتون ابتداء من عملية الفراط بالأيدي وملامسة حبات الزيتون واوراقه باناملنا وايدينا واستعمال الشقشاقة في عملية الفراط وفرد الفل تحت الشجرة، وجمع الحب ونقل الفل من شجرة الى أخرى ليتعرف أولادنا على هذه المصطلحات الفلاحية العامة التي نحن بامس الحاجة لمعرفتها لانها تاريخنا وتراثنا..
اشتركت في طفولتي في قطف الزيتون مع عائلتي والناس من حولنا في أجواء فلاحية واعراس جماعية في مواسم قطف الزيتون واحاديث وقصص وخرافات وجد وعمل، وما اجملها من مواسم تجمع العائلة كبيرها وصغيرها والجيران وأهالي البلد وكأنها خلية نحل تجني الشهد من الزيتون لتخزنه للعام القادم . عمت البركات والخيرات وكنا ننقل الزيتون على المواشي واذكر ان الزيت كان يتسرب من العدل وينقط من بطون المواشي ونسبة قطع الزيتون كانت عالية في معاصر الزيت، وتعيد بي الذكرى كيف كنا نحضر خبز الطابون ونضعه تحت المصفاة ونغمسه بالزيت الطازج بالحرقة والنكهة الطيبة .ومن وسائل العناية بهذه الشجرة المقدسة تتطلب حرث الأرض من الأعشاب الضارة قبل قدوم الشتاء وتزبيلها بالزبل الطبيعي قلع الخلوف من حول عرق الشجرة تقليم الاغصان الزائدة، وكنا نسمع من الكبار عن تقريط الشجر "أعالي الزتون واواطي التين" . استعمال أدوات العمل في الزيتون البلطة والمنشارة للتقريط، الفلة لجمع الحب والشقشاقة للفراط الطويلة منها والقصيرة الحب السوري والحب المليصي والجول فيه أحيانا الجرجير كبس الزيتون المملح والمسبح وشالخ نيعه والرصيص الجوال جمع الزيتون بالقرطلة والعدل والجفت فضلات الزيتون بعد درسه في المعصرة، وكان يستعمل ولا زال في التدفئة والمواقد والتنور والوقادة والطابون للخبيز.وجدير بالذكر ان الزيت الصافي كان يخزن بخوابي اشاني ويوضع في القطعة مكان مظلم لحفظ جودة الزيت لفترة طويلة كذلك مواقع الزيتون ان كان مغروسا في منطقة سهلية او جبلية وللموقع تأثير على قطع الزيت . هذه ذكريات من الماضي والطفولة لا زالت تعيش فيّ واعيش فيها واتذكرها واعيدها للذكرى علنا نشارك أولادنا واطفالنا بشكل فعال في معرفة شجرة الزيتون وتاريخها واصالتها، والتعامل معها عن كثب بروحنا واجسادنا ومشاعرنا واحاسيسنا والمشي على ارضها ونحني أيدينا واقدامنا بترابها ونعطر وجوهنا بنسمات اغصانها، ونكحل عيوننا بغبار اوراقها ونعانق اغصانها وسيقانها وبقدر ما نخدمها تخدمنا ويكفينا دهن اجسادنا بالزيت من الجفاف وتخفيف الاوجاع العصبية أحيانا.
"يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار" صدق الله العظيم
(دير الأسد)