عن الديناصورات والسياسة !

single

يصحّ تسمية الفترة السياسيّة الراهنة، فترة انتظار. ليس لأن هناك رزمًا من المفاجآت والهدايا معلّقة ملوّنة في الأفق. بل لأن جميع الأقطاب السياسيّة تواصل عمليّات جسّ النبض. فهناك من يتصرّف وكأنه بحاجة "لاكتشاف" نوايا رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو، وكأن خطوطه السياسية المعلنة غير كافية (ولا ممارساته التي لا تزال آثارها كالشّحار!). وهناك من ينتظر عجيبة من السماء تُحرّر الشعب الفلسطيني من مأزق الانقسام السياسي/الفصائلي، وكأنها مسألةٌ يقع حلّها بأيدي الغيب وليست مسألة محكومة بإرادات سياسية على الأرض. وبالطبع، فالجميع ينتظرون التعرّف على الوجه الحقيقيّ للرئيس الأمريكي براك أوباما، كما لو أننا في حفلة تنكّرية.
وسط كل هذا، تتواصل عملية إنتاج التسريبات المختلفة بخصوص "مفاوضات الحل الدائم". وكأن هناك أيّ نوع حقيقي من المفاوضات! فهناك من نسَب، أمس، لمسؤول فلسطيني رفيع القولَ إنه يمكن التوصل الى حلّ "خلال أشهر" اذا ما "وافقت إسرائيل على التوجه إلى اتفاقية سلام".. أسئلة: هل يشمل هذا تفكيك جميع المستوطنات؟ هل يشمل انسحابًا إسرائيليًا كاملا إلى حدود 1967؟ هل يشمل الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بحقوق اللاجئين والإعلان عن احترام إرادتهم، تطبيقيًا، في العودة أو في التعويض، أو ما يختارونه؟
إذا كانت تلك المسائل قد وصلت دون أن ندري إلى هذه الدرجة من النّضج، بحيث تكفي "أشهر" للوصول إلى حلّ، فيبدو أن الأفق يحمل مفاجأة بحجم ديناصور.. لكن الديناصورات، كما يعرف الجميع، إنقرضت منذ ملايين السنين!

كذلك، نُسب إلى ذلك المسؤول استعداد القيادة الفلسطينية (أيّ من أطياف هذه القيادة العصيّة على التشخيص؟) التنازل عن السيادة الفلسطينية في قلب القدس الشرقية (المحتلة) شريطة وضعها تحت سيادة "طرف ثالث". وبما أن المسائل لا تزال في حدود التسريبات، فلنفضّل التشكيك في ما سلف (حاليًا)، بانتظار توضيح فلسطيني رسميّ. أما إذا تبيّن أن هذا التوجّه قائم فعلا، فيمكن التسجيل منذ الآن: نحن على موعد مع عملية انتحارية فلسطينية هائلة في قلب القدس الشرقية!
أما، إسرائيليًا، ومن على "رأس السّطح"، فنتنياهو جعجعَ، أمس، بأن القدس ستبقى "موحّدة". بينما راح رئيس الدولة شمعون بيرس، أخطرُ صهيوني على قيد الحياة، يتغنّى بالبطولات التي قادت إلى "تحرير المدينة القديمة". فـ"رجل السلام" المسخ هذا، لديه معجم سلام عجيب يسمّى فيه الاحتلال الكولونيالي "تحريرًا".. أشبه بجميع المستعمِرين المتوسّطين.
في ظل كل هذا الانتظار ووسط كل هذا الضباب السياسي اللزج، حبّذا لو زاد المفاوض الفلسطيني الرّسمي من جرعات الحذَر، قبل تقديم مقترحات خطيرة قد تنزع الصفة الوطنية الفلسطينية عن القدس، مثلا. وهذا ناهيك عن ضرورة اعتماد حذر أشدّ قبل تحميل الأفق ما لا يحتمله من توقعات على شاكلة "إمكانية الحل خلال أشهر". لا حاجة بنا لمزيد من الخيبات والانكفاءات. فليتواضع أصحاب الشأن، إذًا، في إطلاق فقاعات من التوقّعات بحجم ديناصورات. لأن هذه، كما أسلفنا، قد انقرضتْ من زمان!

قد يهمّكم أيضا..
featured

في صلب انتخابات المجالس المحلية القادمة: المطلوب تسييس وتحزيب التنافس، وتقليل وتهميش دور الفرد والعائلة

featured

الكرامة الوطنية في وجه ضيق الأفق الطائفي والحمائلي

featured

نعم لترشيح جمال مبارك..!

featured

الشلّل الدماغي – CP – CEREBRAL PALSY

featured

المقولة التي "أعدمت" شكري بلعيد

featured

بيرس ونتنياهو وثرثرة "الاستنكار"

featured

ماذا يريد الانسان في الحياة؟