مهمة صعبة، وسؤال

single

 في الاحتفال بعيد انطلاقة "فتح" المسمى أيضاً عيد الثورة الفلسطينية، قال أغلبُ فلسطينيي قطاع غزّة الكلمة التي يقولها أغلبُ الفلسطينيين في تجمعاتهم كافة: نعم، ليس لـ"فتح" وحدها، بل لـ م.ت.ف كلّها؛ نعم، ليس للفصائل المنضوية الآن تحت لواء المنظمة الأم وحدها، بل للفصائل التي ينبغي أن تنضمّ إليها أيضاً. بكلمات أكثر تحديداً، قال جمهور غزّة: نعم لإنهاء الانقسام وإعادة الاعتبار لبرنامج م.ت.ف. الوطني واعتماده هامشاً مشتركاً تلتقي عليه الفصائل العاملة ضدّ الاحتلال كافة ويؤيده الشعب.
ضخامة الحشد فاجأت الأطراف المعنيّة بالشأن الفلسطيني كلّها بغير استثناء: فوجئ منظمو الاحتفال الذين اجتهدوا لجعل الحشد كبيراً، كما فوجئ الذين أجازوه واجتهدوا لتقليص الحشد. وأوائل المفاجئين، كما أعتقد، كانوا هم الإسرائيليين الذين ظنّوا أنهم أبّدوا الانقسام الفلسطيني وضمنوا قدرتهم على استثماره بما يلائم تأبيد اغتصابهم وطن الفلسطينيين.
الرئيس الفلسطيني محمود عباس قال في خطابه الموجّه إلى المحتفلين إن "فتح" ما تزال هي "فتح". وعنى هذا أن م.ت.ف. ما تزال هي م.ت.ف. الوعاء الذي يمكن وينبغي أن يسع الجميع. أمّا ما لم يقله رئيس "فتح" ورئيس م.ت.ف. الذي هو أيضًا رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس دولة فلسطين، فهو أن "فتح"، الباقية حسب رأيه كما كانت، هي "فتح" بالقليل مما بقي لها والكثير مما صار عليها، وليس بما بقي لها وحده؛ وأن م.ت.ف. التي كانت القابلة لتصير الوعاء الذي يسع الجميع هي م.ت.ف التي وهَنَتْ قابليتها هذه وصار الأمل بعودتها إلى ما كانت عليه وتطويرها إلى الأفضل مرهوناً بمراجعة "فتح" ذاتها لما انتهجته فأوهن المنظمة الأم.
كلمة قطاع غزّة المدوية لم تأت من فراغ. فهذه الكلمة جاءت بعد تجارب عميقة التأثير حتى وهي مريرة، وتبعت قرار المجتمع الدولي اعتبار فلسطين دولة قائمة في حدود 1967، واعتبارها دولة خاضعة لاحتلال أجنبي لا بدّ من أن يزول. القرار الدولي أعاد اعتباراً كان معرضاً للتبديد لبرنامج م.ت.ف. الوطني الذي استهدف تحرير الأرض المحتلة في العام 1967 وبناء دولة فلسطين المستقلة وتحصيل الحقوق الوطنية الفلسطينية الأخرى التي تبنتها قرارات الشرعية الدولية. إعادة الاعتبار هذه شجعت جمهور غزّة على التحرك. وكان الهدف هو هذا الذي لا تخطئه الرؤية المتبصّرة للحدث الغزّي: قَطْع مسارات خاطئة كثيرة أبعدت المسيرة الوطنية الفلسطينية عن النهج الصحيح الذي رسمه برنامج م.ت.ف.
ينطبق هذا على مسارات اتبعتها "فتح" وأقرباؤها وأنسباؤها ومواليها، حين وقعت الحركةُ القائدة في م.ت.ف. في الفخّ الذي استدرجها إليه دهاقنة الصهيونية، أي حين قبلت "فتح" من موقعها المهيمن على قيادة م.ت.ف. أن يجري تقرير المصير الفلسطيني عبر التفاوض مع إسرائيل وحده، أي مع الطرف القادر على استثمار ملهاة التفاوض فيما هو ماض في قضم أرض الدولة الفلسطينية وطيّ حقوق ناسها وتبديد الوجود الفلسطينية الوطني.
وينطبق هذا أيضاً على مسار حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وأقربائها وأنسبائها ومواليها، حين أظهرت هذه الحركة استهانة خطيرة بالعمل السياسي ضد الاحتلال وإدارة ظهرٍ بغيضة للشرعية الدولية وقيم البشرية المعاصرة التي لا تطابق قيم السلف الغابر. كما ينطبق هذا أيضًا وأيضًا على مسارات اتبعتها دول عربية تحكمها زمرٌ ترهن وجودها في الحكم لإرادة الولايات المتحدة وحماة إسرائيل الآخرين. وهي الزمر التي تُشجع "حماس" كما تشجع "فتح" على المضيّ في المسارات الخاطئة، لأن الحكام الماكثين على صدور مواطنيهم يتمنون أن تُطوى ملفات قضية فلسطين كلها بأعجل ما يمكن، حتى يتحرروا من الحرج إزاء مواطنيهم.
هي، إذاً، هذه الحصيلة التي استخلصتها الحكمة الشعبية للأغلبية المبرأة من عيوب فصائلها. وهذه حكمة استُخلصت عبر سنوات أوسلو التي ستكمل عقدها الثاني بعد شهور. بل هي حصيلة خبرة عقود الصراع ضد الاغتصاب الصهيوني لفلسطين منذ بدأ هذا الصراع قبل عقود أكملت قرنها الأول وأوغلت في قرنها الثاني.
وفي الرؤية السديدة للحدث الغزّي، يصح القول إن الذين احتشدوا في الاحتفال، وغالبيتهم ليست من أعضاء الفصائل، استثمروا الفرصة المتاحة ليطالبوا القادة كافة بأن يراجعوا أخطاءهم ويعودوا إلى الصواب. والصواب، عند غير المفتونين بالادعاءات الضارة حتى حين تكون برّاقة، هو إعادة مسار الكفاح الوطني الفلسطيني إلى ما ينبغي أن يكون عليه مسار أي كفاح وطني ضدّ أيّ احتلال: توحيد جهود الراغبين في مواجهة الاحتلال جميعهم، وتوفير هيكلية تُنظِّم جهود الفصائل كافة، وتستخدم الوسائل الكفاحية المقدور عليها جميعها،  وترسم السياسة التي تجعل إنهاء الاحتلال وتحرير أرض الدولة الهدف الذي لا يعلو عليه أي هدف آخر.
والواقع، وهذا نستحضره لمن أنساهم إياه الإدمان على الخطأ، أن م.ت.ف. شكلت، قبل أن يفترسها تراكم الأخطاء والانقسام، هذه الهيكلية التي ابتكرها شعب مشتت ومقطع الأوصال، وأن مؤسسات م.ت.ف. كانت، قبل أن يوهنها التفرد والفردية، هي المخوّلة برسم السياسيات وبرمجة الأهداف وتحديد الوسائل. وما كان ممكناً وصحيحاً في ما مضى ما زال في هذا المجال هو الممكن والصحيح. وهنا، لا بدّ من أن يُوضع في الحسبان أن إعادة بناء ما هدمته الأخطاء أصعب بكثير من البناء في المرة الأولى.
ولأن هذا الصعب ليس له بديل إذا أريد تجنيب الشعب الفلسطيني فقدان كل شيء، فلا مجال لتجنّب المضيّ في إعادة البناء. ولا ينبغي أن نمل تكرار القول بأن عملية النهوض بالمنظمة الأم لتسع الجميع تبدأ، نعم تبدأ، بنبذ الأوهام التي كشف الواقع هشاشتها وتنحية الآمال التي  تبين تعذّر تحقيقها، وصياغة برنامج سياسي بالتوافق بين الجميع، وليس بأي إملاء.
ولكي لا تصبّ الدعوة إلى إعادة البناء الصعبة هذه في أي مجال يُغذّي أيّ وهم، يجدر أن نقرن الدعوة بالسؤال التالي: هل هم في "فتح" ولفيفها وفي "حماس" ولفيفها مهيأون حقاً لبلوغ المستوى المطلوب كي تتم عملية إعادة البناء؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

لتدقيق "العقيدة" الأمنية الفلسطينية

featured

رُب أخ لم تلده أمك

featured

دبلوماسية الهاتف

featured

"ابن رشد وإشكالية الفلسفة السياسية في الإسلام"

featured

القضية الفلسطينية أكبر من المتآمرين!

featured

كالمستجير من الرمضاء بالنار

featured

كانت خطوة وحدويّة فلنحافظ عليها