يا أبنائي... وأنا على فراش الموت، سأفشي لكم ما سر تفاؤلي!!
لقد كنت يافعا، عندما سمعت صوت الوحدة العربية عبر إذاعة الشرق والحرية، منبعثا في فضاء الوطن.. هناك... حيث تركنا الصبار والرمان والتين والزيتون مطالبا ايانا ان "اخرجوا من بيوتكم حفاظا على حياتكم، ونحن نعدكم بالعودة بعد ثلاثة ايام"...
ومنذ دلك الحين وأنا متفائل...!!
انقضت الايام والأسابيع والأعوام.. تفرعت الوعود، وانبثقت عنها قرارات الجامعة العربية والوحدة العربية... مات منا في المهجر من مات.. ليورث لمن بعده الحلم والوعد بالعودة.. ومفتاح الدار.
حفنة التراب المخبأة تحت وسادتي.. هي كل ما ملكت يمناي ويسراي، منذ خروجي للعالم الرحب تائها مهجرا ظمآنا... هدا الكنز والهمّ العربي سيرثه من بعدي الابناء والحفدة.. لذا لا زلت متفائلا..
هدا كنزي.. وها أنا.. أصبح ليلي كل حياتي.. فعندما أضع رأسي على الوسادة، تتحرك ذرات التراب، ويملأ عبقها فضاء الكون.. وتنبسط لتحملني لكروم العنب والتين، وسياج الصبار والرمان.. أدير المفتاح فأسمع صريره في باب بيتي الخشبي انه مصنوع من خشب الجوز الصلب، صامد هناك.. مقابل لباب بيت جاري محمود...
ها نحن الاثنين نرتشف قهوة الصباح.. والصغار المناحيس يتراكضون حولنا.. أحدهم يدفع ركوة القهوة فتنسكب.. وأم علي منهمكة بقراءة فنجان قهوتي .. فيه ترتسم حياتي واضحة جلية بكل تفاصيلها، تبشرني بأني سأعمر طويلا.. وسأصيب رزقا وفيرا... تشير بيدها للأراضي الممتدة حتى الافق والتي ستكون من نصيب حفدتي... وتطالبني : - اريد البشارة يا اخي.
أناولها حباتٍ حلوة من التين... وأبتسم...
تشرق الشمس ويبدأ ليلي... فنحن شعب نهاره ليل، وحياته ثلاث ليال طويلة... طويلة جدا.. امتدت عقودا ولا أخالها ستنتهي...
الارض لا زالت هناك.. الباب الخشبي مكانه وفي جيب سترتي المفتاح..
في الليالي أعزق الارض.. وأعب من عين الماء .. واشذب الاشجار واسيج الدار، أحفظ غيبا حصص الاولاد والحفدة واعرف حدودها.. لكني هنا انتظر وأحتضر. فان مت.. تقاسموا حفنة التراب التي تحت وسادتي ...ضعوها تحت وسائدكم.. ولا تهملوا الارض والدار والحوش وسياج الصبار..
انهضوا ولا تصدقوا كذبة الأنظمة الكبرى.. فالعودة والارض والدار.. لا تتحقق إلا اذا غزلتم من عتمة الليل نهارًا!
(بيت جن)
