المخططات الهيكلية في البلدات العربية سياسة حكومية جائرة

single

كنت شرحت في مقالتي السابقة, ان المخططات الهيكليّة والتوجيهية التي اقتُرحَت في البلدات العربية لا تساهم, بصيغتها الحالية, في حل أزمة السكن والتطور في الوسط العربي. على العكس، إنّ هذه المخططات التي لا تمكن المواطن العربي من إصدار رخصة بناء في الوقت القريب، ستضطر المواطنين العرب المحتاجين إلى المسكن والتجارة والعمل إلى البناء بغير رخصة والدخول بعدها في دوامة أوامر الهدم والغرامات المادية التي ستصدرها لجان التنظيم بحجة "تطبيق القانون". في مقالتي هذه اود أن أوجز الأسباب الرئيسة والحقيقية التي تقف وراء مخططات كهذه, وهو ما يساعد في نظري على تحديد السبل الملائمة لعلاج هذه المخططات والسياسة التخطيطية العامة التي تمثلها.

      وفي اعتقادي ان هذه المخططات المجحفة والتي اراها تندرج في إطار تمييز الأقلية العربية في البلاد في كل ما يتعلق بالأرض والمسكن هي وليدة أسباب جوهرية مختلفة, اذكر منها الأسباب التالية:

      أولا, لحكومة إسرائيل نوايا قديمة وجديدة لتكثيف الوجود اليهودي في المناطق التي يسكنها العرب في البلاد كالجليل والنقب وأطراف البلاد. ولعل الاقتراح الأخير لبناء مدينة لليهود المتزمتين في منطقة وادي عاره باسم "كتسير-حريش" هي المثال الأفضل والأوضح لنوايا كهذه. ان سياسة كهذه تشكل عاملا كبيرا في رفض كل اقتراح لتوسيع الوجود العربي في المناطق التى تراها حكومة اسرائيل مناسبة لتكثيف الوجود اليهودي فيها. وانا أتوقع تصعيدا كبيرا لتحقيق هذه النوايا الحكومية وذلك جراء اتفاقية اراها مصيرية وتشكل نقطة مفصلية لمستقبل الأقلية العربية في البلاد وُقـّعت في شهر حزيران الفائت من هذا العام بين دائرة اراضي اسرائيل وبين صندوق اراضي اسرائيل (باللغة العبرية "هكيرن كييمت ليسرئيل"). ُتعدّ هذه الاتفاقية لتبادل نحو 70 الف دونم بين دولة اسرائيل وبين صندوق اراضي اسرائيل, بحيث يُنقل قسم كبير من اراضي صندوق اسرائيل الواقعة في مركز البلاد لملكية دولة إسرائيل, وبالمقابل يحصل صندوق اسرائيل على اراضٍ في الجليل والنقب تخصص لليهود فقط.

      ثانيا, ان المخططات الهيكلية القطرية واللوائية, لا تتيح لكم كبير من المناطق التي يسكنها العرب إمكانية معقولة للتطور والتوسع, وذلك بطريقتين بالأساس: إما بعدم تخصيصها للبناء والتطور وإما بوضع شروط تخطيطية عسيرة للبناء والتطور فيها لا يستطيع السكان العرب ايفاءها. وبما ان قانون التنظيم والبناء لعام 1956 يقضي بألا يخالف المخطط الهيكلي المحلي المخططات الهيكلية القطرية واللوائية لأنها اعلى منه درجة, فان امكانية المصادقة على مخطط هيكلي يخصص مساحات للتطور والبناء في الوسط العربي, وهي غير معدة لذلك في المخططات القطرية واللوائية, ضئيلة جدا. وتعبّر هذه المخططات عن سياسية حكومية لأن حكومة إسرائيل هي التي تصادق حسب القانون على المخطط الهيكلي القطري بعد ان يحضره المجلس القطري للتنظيم والبناء وهو مؤسسة التنظيم التي وكلت حسب القانون لإعطاء المشورة التخطيطية لحكومة اسرائيل. هذا الجسم هو الجسم الذي يصادق ايضا على المخططات الهيكلية اللوائية لكل لواء من الألوية الستة في البلاد.

      ثالثا, ان غالبية المخططات التي اقترحت في البلدات العربية تفرض على البلدة العربية انماط تنظيم وبناء غريبة تلائم المدن الغربية. بمعنى آخر, تحاول هذه المخططات ان تلزم البلدة العربية ان تتحول فور المصادقة على المخطط الى مدينة. هذا يتمثل مثلا بفرض كثافة بناء كبيرة, ونمط بناء متعدد الطوابق, وهي طرق بناء متبعة في الوسط الغربي وليس في الوسط العربي. واذا كان هذا النهج ينم عن شيء فانه اضافة لكونه يجسد سياسة فرض عليا, فانّه ينم ايضا عن جهل مقصود او غير مقصود من قبل مؤسسات التنظيم والبناء وطواقم المخططين, ممن حضروا هذه المخططات, لنمط العيش وثقافة البناء والملكية في البلدة العربية الأمر الذي يختلف تماما عن نمط العيش والتطور والملكية في البلدة اليهودية او الغربية, وهي ميزات قديمة جدا يحتاج تغييرها الى زمن غير قصير على الإطلاق. وحتى لو فرضنا ان تحويل البلدة العربية الى مدينة هو غاية مرغوبة ومقبولة, فان هذه المخططات لا توفر برنامجا تخطيطيا ينقل البلدة العربية بشكل تدريجي وليس فوري الى طابع مدينة.

      رابعا, ان قانون التنظيم والبناء ومؤسسات التنظيم والبناء في البلاد لا تولي اهتماما كبيرا لميزات الواقع التخطيطي في الوسط العربي والتي يعد ادراكها أساسا لتحضير أي مخطط في الوسط العربي. وان ميزات الواقع التخطيطي في البلدات العربية كثيرة اذكر من بينها: امتلاك مجموعة صغيرة من الناس لمساحات كبيرة من الأراضي؛ المالك الأخير للأرض غير مسجل, في غالب الأحيان, في الطابو؛ ملك العائلة مقسم بين الورثة باتفاقيات تقسيم قديمة او عرفية لم تسجل في الطابو ولا تطابق في غالب الأحيان التقسيم الذي يسمح به قانون التنظيم والبناء. على ضوء ذلك, هناك بَُعد بين الواقع التخطيطي في البلدات العربية وبين الواقع التخطيطي الذي ينظمه قانون التنظيم والبناء, وهو ما يشكل عائقا كبيرا امام تطور البلدات العربية. ويتجسد هذا العائق مثلا بان نسبة استغلال المواطنين العرب للأراضي التي خُصصت للبناء هي بين 25%- 35% فقط, وانا اعتمد في هذا الشأن على دراسة قيّمة شائقة للبروفسور راسم خمايسي تحت عنوان "بين العادات والقوانين- تنظيم وإدارة الأرض في البلدات العربية في اسرائيل" (نشرت من قبل معهد فلورسهيمر لأبحاث السياسة, عام 2007) فصل بها بروفسور خمايسي المشاكل التي ينتجها البعد بين القانون وواقع التخطيط في البلدات العربية.

      خامسا, عدم وجود تمثيل كاف للأقلية العربية في البلاد في مؤسسات التنظيم والبناء, وبالأساس المجلس القطري واللجان اللوائية. ان تركيبة هذه المؤسسات هي بالأساس حكومية واغلب أعضائها هم ممثلو وزارات. وانه حسب دراسات نشرت في هذا الشأن فان عدد الأعضاء العرب في هذه المؤسسات ضئيل جدا ولا يصل الى أدنى درجة من التمثيل اللائق للأقلية العربية. ان غياب تمثيل كهذا يغيّب الصوت العربي من النقاش في هذه المؤسسات ولا يتيح فرصة ملائمة لعرض مشاكل التنظيم والبناء في الوسط العربي وسبل علاجها. مع هذا اشير الى ان تأمين تمثيل عربي في هذه المؤسسات على النحو المطلوب لن يضمن ان يستطيع الأعضاء العرب في هذه المؤسسات إفشال المخططات الرامية لحد توسع الأقلية العربية في البلاد.

      سادسا, تحضير المخططات الهيكلية حتى ايداعها دون إشراك فعلي للجمهور العربي. وقد تمثل تغييب الجمهور العربي بأمرين في الأساس: انعدام عدد كاف من الأعضاء العرب في طواقم التخطيط التي حضرت المخططات, وغياب برنامج فعلي يتيح لأكبر عدد من المواطنين ان يشتركوا في تحضير المخطط او ان يبدوا رأيهم فيه قبل ايداعه. وكما شرحت في مقال سابق لي, ان اهمية اشراك الجمهور تكون ناجعة اكثر قبل ايداع المخطط رسميا لاعتراضات الجمهور وليس بعد ذلك, لأن ايداع المخطط رسميا لأعتراضات الجمهور يعني ان المخطط مقبول على مؤسسة التنظيم التي اودعته وهو ما يقلل أحتمال تغيير المخطط بواسطة الأعتراض علية بعد ايداعه.

      خلاصة القول: ان المخططات الهيكلية المجحفة التي اقترحت مؤخرا في البلدات العربية تعود بالأساس الى سياسة عامة لحكومة اسرائيل, تؤدي الى الحد من اتـّساع البلدات العربية وتطورها. لهذا فانه اضافة لمقارعة كل مخطط من هذه المخططات على حدة, علينا ايضا ان نعمل بكل الطرق المتاحة لنا محليا ودوليا لتغيير هذه السياسة الحكومية مطالبين نقل مبدأ المساواة والحفاظ على حقوق الأقلية العربية في البلاد من حيز الشعارات الى حيز التطبيق الفعلي. وبغير ذلك ارى ان صداما مباشرا آخر بين الأقلية العربية ودولة اسرائيل, على بقاء الأقلية العربية ووجودها, سيكون قريبا جدا وما اقرب اليوم من غد.

*يعمل الكاتب أيضا محاضرا لموضوع التنظيم والبناء في كلية الحقوق في الجامعة العبرية بالقدس وعضوا للجنة التنظيم والبناء لنقابة المحامين في إسرائيل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

سنبقى مخلصين لهذا الطريق

featured

صباحك سلام يا طمرة

featured

يصرّون على الحديث بلغة المدافع

featured

بين البكاء والتباكي وشرّ البلية ما يُضحك!

featured

مونديال افريقيا الجنوبية وبدء نهاية الانظمة العنصرية

featured

آراء المفكّرين في نشأة المعتزلة، تّسميتهم ومواقفهم (2-2)

featured

أنا الطفل / الوطن / المخطوف

featured

حاميها ..حراميها !!