إن ما حدث في الخامس والعشرين من شهر يناير 2011 في مصر لم يتوقعه أحد؛ حدوث ثورة على النظام بالشكل الذي تمت به وبهذا الترتيب وبهذا الهدوء. لقد أذهلت العالم. وبهذه الحقيقة شهد العدو قبل الصديق، من وزراء ورؤساء دول أوروبية وغيرهم. حتى أوباما كان مبهورا بما رأت عينه وقيل بأنها مثل يُحتذى بل يجدر تعلمه.
لقد خرجت الملايين إلى الشوارع والساحات، وفي جميع المدن، تهتف بصوت واحد ومنادية بمطلب واحد هو إسقاط النظام. لقد قدمت مصر أروع صورة رآها العالم، ثورة ونجاح للثورة بأقل عدد ممكن من الخسائر البشرية. وكان المشاهد يحتار عندما ينظر إلى هذه الجموع من مختلف ألوان الطيف، رجالا ونساء شبابا وشيبا وأطفالا افترشوا أرض ميدان التحرير؛ المتدين إلى جانب العلماني، المسلم إلى جانب أخيه المسيحي، وكلهم أبناء مصر. فهنيئا ومبروك لمصر وعاشت مصر.
بالطبع لم يرق لهذه الدول هذا النجاح، وهي في نفسها تتمنى غير ذلك. ألمارد العربي استفاق من سباته الطويل حيث فقدت مصر تحت نظام حكم مبارك وزنها بين دول العالم بعد أن كانت تعد من زعامات دول العالم . ما زلنا نذكر دورها في إقامة وتزعم حركة دول عدم الانحياز ودعمها لحركات التحرر في أفريقيا. لقد غيّب رئيسها مبارك وحزبه اسم مصر، لدرجة أنها باتت تُحكم من إسرائيل، فإذا أرادت كسب عطف أمريكا واستدرار معوناتها، مثلا فلا يتسنى لها ذلك إلا بعد الحصول على شهادة حسن سلوك موقّعة من إسرائيل. وبين الحين والآخر كان يهمس نتنياهو بأذن مبارك كلمتين، كأن يشكو له الفلسطينيين بأنهم هم الذين يعرقلون سير المفاوضات في الوقت الذي تكون فيه حكومته، وبعلمه، قد أعلنت أحيانا عن مشروع استيطاني جديد قبيل سفره للقاهرة وأحيانا كان يتم الإعلان وهو جالس في ضيافة مبارك أو على التو بعد عودته من الزيارة؛ أو أن يشكو له حزب الله، مما أدى إلى توتر العلاقات بينهما. ثم تأتي حكاية إيران وكيف أنها هي الخطر الأكبر في المنطقة وبأنها تشكل خطرًا على مصر وعلى دول المنطقة بما فيها إسرائيل. ويصدق سيادة الرئيس بأن نتنياهو يستشيره بحق وحقيق. لقد دفعت مصر الكثير الكثير إلى إسرائيل وأمريكا والثمن كان كرامتها .
وبالرغم من خدمات نظام مبارك إلا أن إسرائيل وأمريكا، على ما يبدو، لم تكونا مقتنعتين أو راضيتين بذلك فقط. إنهم ما زالوا يعتبرون مصر أكبر دولة في المنطقة ذات الإمكانيات الهائلة ولذلك وحتى تمر مخططاتهم بسهولة مثل مخطط الشرق الأوسط الجديد، عليهم الإجهاز علي مصر بالكامل. واستمروا في غيّهم فبعد دس القطيعة مع إيران، توجهوا إلى أفريقيا ولعبوا لعبتهم مع دول حوض النيل، والهدف واضح وهو إفقار مصر اقتصاديًا، لتبقى بلدًا غير منتج وبحاجة إلى المساعدات. حبذا لو أكتفوا بذلك، فقد عمدوا إلى تنمية أخطر فتنة على الإطلاق في تاريخ البشرية وأنجح فتنة، وهي بث روح التناحر الطائفي بين أبناء الشعب الواحد، من الأقباط والمسلمين. لقد استغلوا المتطرفين من الطرفين، وبدأوا بذلك قبل قيام الثورة وها نحن نراهم اليوم مستمرين بذلك، لا بل قد ازدادت حدتها وكل همهم أن يؤججوا نار الفتنة، عسى أن تدب الفوضى بين أبناء الشعب الواحد. وفي مصر، وبهذا العدد الضخم من السكان حين تدب فيها الفوضى فهذا يعني الكارثة بعينها، حيث تشغل مصر وتربكها، ولا يعود بوسعها الالتفات إلى ما حولها وعندها تكون لهم الحجة للتدخل غيرة منهم ! في الشأن الداخلي لمصر .
وكل هذا ما كان ليكفيهم. ففي حوار تلفزيوني شاهدته في قناة "النيل" ذُكر فيه أن هنالك برنامجا معدًا لتقسيم مصر إلى ثلاث دويلات: القاهرة وما حولها للمسلمين السنة وحتى بين أبناء الطائفة الواحدة يزرعون الفرقة وإلا لماذا خصّوا السنة من دون المسلمين ؟ أما الإسكندرية وضواحيها فللأقباط فهم يغارون عليهم ! وأما الدويلة الثالثة فهي لأهل الجنوب وبذلك يكونون قد أجهزوا على مصر ويصبح الوضع كما تم تطبيقه في العراق أو السودان. وعندها فقط تكون جميع دول هذه المنطقة تحت المظلة الأمريكية الإسرائيلية يفعلون ما يشاؤون.
من هنا ولهذا ونظرا لحبي الشديد لها جاء خوفي على مصر. لكن إيماني بأن مصر هي منبت الأحرار. منبت الرجال الرجال. منبت سعد وجمال الذي يعيد إلي اطمئناني، والبوادر تشير إلى أن أيادي أمينة مخلصة من الجيش والحكومة المؤقتة هي التي تدير الأمور، فهنيئا لهم وبورك فيهم واسلمي يا مصر.
(كفر كنا)
