من خلال الضباب الكثيف الذي ينشره غبار حرب الابادة الاسرائيلية نضعف الرؤية بالعين المجردة وحتى بالنواظير حقيقة ما يجري على ساحة المعركة، وبلجوء المعتدي الاسرائيلي الى سياسة التعتيم واعلان مناطق عسكرية تمنع مختلف وسائل الاعلام ويمنع الصحفيون من دخولها ساحة المعركة يلجأ المجرم المعتدي الاسرائيلي الى محاولة اخفاء جرائم الحرب الوحشية التي يرتكبها ضد البشر والحجر والشجر في قطاع غزة، اخفاء حقيقة خسائره بالارواح والعتاد، والاهم من كل ذلك اخفاء حقيقة الصمود البطولي لشعب يتحدى الجوع والعطش والمجازر الجماعية التي تقصف ارواح المدنيين من نساء واطفال وشيوخ وتدمر منازلهم على رؤوسهم وتحرمهم من الماء والكهرباء وسلع المعيشة الضرورية، ورغم كل ذلك يرفع هذا الشعب رأسه من بحر الدماء وركام الاطلال شامخا ومقاوما لهمج البشر اعداء الانسانية، الحقيقة التي يعجز ولا يستطيع ارباب حرب المجازر والابادة انه لليوم السادس عشر – حتى كتابة هذه السطور – وبحرب متواصلة، ليل نهار، تنشط من خلالها قواتها الجوية والبرية والبحرية لقصف المدنيين وبيوتهم السكنية بأحدث آلات القتل والهدم والتدمير وحتى بأسلحة فوسفورية بيضاء حصدت حتى الآن حوالي تسعمائة شهيد وثلاثة آلاف وسبعمائة جريح نصفهم من الاطفال والنساء وأسر المئات من الفلسطينيين الذين يتكتم المجرمون على مصيرهم وتهجير الالوف من اماكن سكناهم ليهيموا على وجوههم في طريق مجهول، ورغم هذه النكبة الفلسطينية الجديدة فالحقيقة الساطعة ان هذا الشعب المقاوم عصي على الكسر والخنوع والهزيمة ولن يرفع علم الاستسلام الابيض وزنوده لا ترفع الا علم الحرية والاستقلال الفلسطيني بألوانه الاربعة. اسمعوا واقرأوا ماذا يقول ويتمنى احد مجرمي الحرب على قطاع غزة قائد حرب الابادة التي اطلقوا عليها اسم "الفولاذ المصبوب"، الجنرال قائد منطقة الجنوب يوئاف غالنت لصحيفة "يديعوت احرونوت" يوم الجمعة 9/1 الفائت، يقول "صورة الانتصار التي اريد رؤيتها مؤطرة بشكل صورة خنوع صدام حسين، يخرج من البونكر (المخبأ) في مكان ما هناك في غزة، شعره منفوش وغير حليق: قائد الذراع العسكري في حماس احمد جعبري يسلم نفسه لجندي اسرائيلي، يؤخذ اسيرا "ويحاكم على جرائمه في ساحة مدينة غزة"!! فتمنيات هذا القائد المتعوس خائب الرجاء تعكس مدى فشل هذه الحرب الاجرامية في تحقيق اهدافها العسكرية – السياسية، اما بالنسبة للقضاء على المقاومة الفلسطينية لشعب يناضل من اجل حقه في التحرر والاستقلال الوطني فنقول لقائد العملية الوحشية في غزة "انتظر يا كديش فلن يطلع الحشيش" وعذرا على تعديل المثل.
ما لم يحققه المعتدي الاسرائيلي – حكومة اولمرت – براك – ليفني – من اهداف عسكرية وسياسية – كسر شوكة المقاومة والشعب الفلسطيني لفرض املاءات اسرائيلية تنتقص من ثوابت الحقوق الوطنية بالدولة والقدس والعودة. يحاول عن طريق الاحابيل الدبلوماسية وبمساندة امبريالية امريكية – فرنسية – بريطانية وتواطؤ عربي انجازها.
عن مكوك الحراك السياسي – الدبلوماسي العربي والتركي والفرنسي والامريكي ونتائجه تحدثنا بالتفصيل في سياق معالجة سابقة ظهرت في "الاتحاد" يوم الخميس من الاسبوع الماضي، ولهذا لن نعود اليها ثانية. ونكتفي بمناقشة المواقف من قضية وقف الحرب العدوانية الاسرائيلية على غزة في مجلس الامن الدولي، فحقيقة هي ان مجلس الامن الدولي انعقد في جلسات خاصة حتى توصل في النهاية الى صياغة قرار توفيقي صوت عليه اربعة عشر مندوبا من الاعضاء مع تحفظ وامتناع المندوب الامريكي، قرار هواية على الحاضر وهواية على المسمار" لا يرتقي الى مستوى الادانة الصارخة لجرائم المعتدي الاسرائيلي المسنود امريكيا.
لقد برز في النقاش حول صياغة الموقف والقرار الانحياز الامريكي السافر الى جانب الموقف العدواني الاسرائيلي وتجند وزيرة الخارجية الامريكية بتوجيه مكابس الضغط الشرس على وفد وزراء الخارجية العرب وغيرهم لصياغة قرار يدين حماس والشعب الفلسطيني ويحملهما مسؤولية اندلاع الحرب والمطالبة بان تتحمل مصر وبمساعدة ضباط امريكيين مراقبة معبر رفح والانفاق في منطقة فيلادلفي لمنع تهريب الاسلحة الى القطاع ووضع قوات دولية بين غزة واسرائيل. ورفض هذا الاقتراح الامريكي المعادي للشعب العربي الفلسطيني والمسفز لملايين البشر من مختلف بلدان العالم ومن امريكا نفسها الذين يدينون جرائم حرب المجازر والابادة الاسرائيلية ويتضامنون مع الشعب الفلسطيني ويطالبون بوقف الحرب ورفع الحصار وفتح المعابر. وبالتهديد بالفيتو الامريكي ضغطت كوندوليزا رايس على وفد وزراء الخارجية العرب بالتنازل عن اقتراحهم بوقف فوري للحرب وفتح المعابر والاستعاضة عنه ببيان رئاسي من مجلس الامن لا يلزم احدا يعلن تأييد مبادرة الرئيسين مبارك ساركوزي حول وقف النار وتهدئة مؤقتة لثمان واربعين ساعة لادخال الاغاثة للقطاع بدء ومفاوضات اسرائيلية – فلسطينية في القاهرة. ورفض هذا الاقتراح الجائر ايضا الذي لا يوقف بشكل فوري ولا يلزم المجرم الاسرائيلي بوقف آلة القتل والتدمير. ونتيجة لهذا الموقف الرافض للاملاء الامريكي – الاسرائيلي انتقمت كوندوليزا رايس بعدم دعوة الامين العام للجامعة العربية ووزير خارجية قطر الى لقاء خاص مع وفد وزراء الخارجية العرب.
وبتنسيق امريكي – فرنسي – بريطاني وبتشاور مع بعض الوزراء العرب والضغط عليهم لم يقبل الاقتراح العربي الذي قدمه العضو الليبي في مجلس الامن الذي يطالب بوقف فوري للحرب ورفع الحصار وفتح المعابر. مقابل ذلك ووفق في المرة الرابعة في ٍمجلس الامن الدولي على الاقتراح الذي تقدمت به فرنسا وبريطانيا وايده وزراء العرب واربعة عشر عضوا من خمسة عشر اعضاء مجلس الامن، حيث فسرت كوندوليزا رايس امتناعها ان امريكا لا تريد استخدام حق الفيتو ضد الرغبة الجماعية لوقف الحرب. ويتضمن قرار مجلس الامن اربعة بنود مركزية هي، اولا، يدعو مجلس الامن الى وقف النار فورا بين اسرائيل وحماس ووقف فوري للحرب. ثانيا، يدعو مجلس الامن الى ادخال المساعدة الانسانية بسرعة الى غزة. ثالثا، يدعو مجلس الامن الى ايقاف تهريب الاسلحة الى غزة، لمنع تهريب اسلحة مستقبلا ويدعو الى وقف اطلاق الصواريخ باتجاه اسرائيل. ورابعا، يدعو مجلس الامن الى فتح معابر الحدود.
الشيء الايجابي في هذا القرار حسب رأينا انه جاء ليؤكد فشل حرب الابادة العدوانية العسكرية في تحقيق اهدافها بكسر شوكة الكفاح الفلسطيني واملاء شروط اسرائيلية سياسية ضد ثوابت الحقوق الفلسطينية وان يتعهد المحتل بعدم شن عدوان آخر على القطاع. والملاحظة الثانية انه لا يمكن املاء على شعب يرزح تحت نير الاحتلال أي شكل من اشكال المقاومة يلجأ اليه في نضاله الوطني التحرري لنيل حريته واستقلاله الوطني في اطار دولة سيادية. فزوال الاحتلال الاسرائيلي وجرائمه الجماعية الممارسة مثل الحصار الاقتصادي والتجويعي واغلاق المعابر وممارسة ارهاب الدولة الاسرائيلية المنظم بالقتل والاغتيالات والاسر والملاحقات، انهاء كل ذلك بتسوية سلمية عادلة تجعل عندها انه لا حاجة ابدا للانفاق ولتهريب السلاح.
ما يثير الغضب والاشمئزاز ان ارباب حرب الابادة، الطاقم الامني السياسي الوزاري في حكومة كاديما – العمل الكارثية وطاقم مجرمي الحرب الثلاثي اولمرت – براك – ليفني قرروا رفض قرار مجلس الامن 1860 وعدم الالتزام بتنفيذه والانصياع لقرار وقف النار فورا، بل مواصلة العدوان وارتكاب جرائم الحرب. ويدعون ان سبب رفضهم هو عدم تضمن القرار الشروط الاملائية الاساسية التي تقدمت بها اسرائيل وايدتها في البداية الادارة الامريكية وساركوزي. وفي مقدمة هذه الشروط ان تتكفل مصر بمساعدة ضباط امريكان في مراقبة عدم تهريب السلاح من معبر رفح ووضع قوات دولية على الحدود مع اسرائيل في غزة لمنع تهريب السلاح او اطلاق صواريخ وقذائف فلسطينية باتجاه الجنوب الاسرائيلي.
والواقع ان حكومة الحرب الاسرائيلية رفضت الموافقة على قرار مجلس الامن بوقف الحرب لأنهم قد فشلوا فشلا ذريعا في تحقيق اهدافهم رغم مرور اكثر من اسبوعين من ارتكاب الجرائم، فهم لم يقضوا على مقاومة شعب ولا حرروا الاسير شاليط. والسؤال المطروح اليوم، خاصة بعد ان انكشف الوجه الاجرامي الهمجي للعدوانية الاسرائيلية اكثر الى متى ستبقى اسرائيل العدوان "الفرفور الذي ذنبه مغفور" لا يواجه العقاب والعقوبات الدولية من جراء الجرائم التي يرتكبها ضد الانسانية وضد الشعب العربي الفلسطيني والشعوب العربية.
اننا ندرك جيدا بوجود تناقضات تكتيكية بين قادة حرب الابادة في الموقف من مواصلة العدوان بعد قرار مجلس الامن وبفتح ابواب المرحلة الثالثة. اجتياح المدن وحرب الشوارع. فأولمرت المنقلع قريبا بعد الانتخابات من مراكز السلطة لا يهمه "خراب بصرى" خاصة وانه غارق في الفساد، ولهذا فانه يدنو باتجاه مواصلة الحرب مستندا الى المغامرين من جنرالات الحرب، اما براك وليفني فيعتقدان ان ما تم تحقيقه من مجازر وتدمير ودم فلسطيني نازف يكفي لرفع اسهمهما في الانتخابات البرلمانية في العاشر من شهر شباط القادم، اما فتح المرحلة الثالثة ومواصلة العدوان فقد يقود الى خسائر كبيرة بالارواح والعتاد من جند هولاكو الغازي والى هزيمة نكراء تحصد مكاسب براك وليفني الموهومة. ورغم ذلك وافق طاقم المجرمين الثلاثة على مواصلة العدوان وعلى امل خلق أي ظرف يخرجهم من الورطة ومن حمام الدم الذي اوجدوه. وفي كل الحالات فلا مفر من تصعيد تظاهرات ومظاهرات الغضب والاحتجاج في كل مكان وفي بلادنا لوقف العدوان والزام الذئب المفترس بالعودة الى وكره وانصاف الشعب العربي الفلسطيني حقه بالحرية والدولة والقدس والعودة. وتجسيد هذا الحق يتطلب وبشكل ملح اعادة اللحمة الى وحدة الصف الكفاحية الفلسطينية.
