تحية لزيتون عمقا المهجرة

single

*لو يذكر الزيتون غارسه لصار الزيت دمعًا (محمود درويش)*


مع نشر هذه المقالة يكون موسم الزيت والزيتون في جليلنا الغالي وبلادنا وأرضنا التي لا نملك غيرها وسواها، ومع شح الموسم لهذا العام، قد انتهى، فيما اخذ أصحاب الأرض والفلاحون والملاكون عامة، يتحدثون ويتهامسون فيما بينهم عن قلة المطر وشح موسم الزيت وانخفاض المقطوعية، بينما أسعاره لهذا الموسم قفزت إلى مستويات عالية تصل إلى حد 600 شاقل للتنكة الواحدة، وابتدأ قسم منهم يتحدثون ويتجادلون ويتحاورون بصوت مليء بالثقة والإحساس وهم يجمعون فيما بينهم، ان أيام زمان هي الأحلى في راحة البال وفي المعيشة المتواضعة وهي الأكثر جاذبية إلى مفاهيم المواطن والفلاح البسيط والمتواضع. تراه يسرد في سره عن حكايات وبطولات ذلك العصر بما فيها من قلة وفقر، لكن مليئة بالمواسم وخاصة موسم الزيت والزيتون وجودة الحب والزيت ومعاصر تلك الفترة وحكايات الدراسة والقراطة والجوالة وغيرها من التسميات بلغة الفلاحين القروية ذات المضمون الاجتماعي الطبقي التي كانت تسيطر على مجمل المجتمع الفلسطيني ما قبل النكبة وبعدها.
فيما كانت كلمات الاختتام للموسم سواء الغزير أو الشحيح تتناقلها الألسن عن حب ورص مهما كانت النتيجة. كل عام وأنا وأنت والزيتون بألف خير، ففلسطين بلادنا الحبيبة وطن الآباء والأجداد وأحفاد الأحفاد، بسهولها وجبالها ووديانها ووعراتها ومروجها وتلالها وخرباتها وسواحلها  المميزة من أقصى الجنوب حتى حدود الشمال، تفيض بأشجار الزيتون المباركة والمنتصبة عاليًا شامخة كشموخ المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة ومقام النبي شعيب عليه السلام، هذا الزيتون الذي هو رمز السلام والمحبة، دعامة من دعائم السلام على ارض السلام والصامد الصابر وجذوره المنغرسة عميقا في باطن هذه الأرض التي احتضنت البشر والشجر والحجر.
يطل علينا من بعيد ويتوارى ما بين التلال وبعض المرتفعات الصخرية، حين يمتد أمام ناظرك مساحات كبيرة ومستوية من كروم الزيتون التي بلغ عمرها أكثر من مئة عام، يقطعها من الشرق إلى الغرب جدول الماء المسمى وادي المجنونة الذي ينبع من مرتفعات قريتي يركا وجث العربيتين باتجاه قريتي عمقا وكويكات وصولا إلى قرية المزرعة ومن ثم الى البحر المتوسط.
أمامك وحولك تجد منظر كروم الزيتون المنتشرة والمغروسة في عمق ووجدان أراضي قرية عمقا المهجرة منذ أكثر من 65 عامًا مضت، والتي يشهد شجر الزيتون الذي تجذر في عمق الزمن والتاريخ على مدى بشاعة وفظاعة المأساة التي حلت بالإنسان الفلسطيني عامة وبأهالي قريتي عمقا وكويكات الجارتين خاصة. تمر من المكان وسط كروم الزيتون تصغي لأصوات تكاد تكون مخنوقة من تكرارها، وكأن الجذور والأوراق والأغصان وأشجار الزيتون العمقاوي تناديك بأعلى صوت، تنادي على أصحاب الحق أين انتم مني فأنا منكم وانتم مني طالت غيبتكم عني تسترق السمع أكثر، وإذ يناديك صبرها الحلو اللذيذ الصابر والقابض المتربع الشامخ فوق تلك التلة المطلة من جهة الشرق والشمال على كروم الزيتون التي أحاطت وتحيط بقرية عمقا الفلسطينية المهجرة والمنتصبة كالحارس الذي لا يبرح مكانه رغم الغياب القسري والطويل في ملكوت الانتظار من عام إلى آخر، وجرح المأساة للإنسان العمقاوي والكوكاني وغيره والفلسطيني عامة ينزف إلى ما لا نهاية، وكروم الزيتون التي زُرعت قبل تفتح الحقب، ما زالت تحن إلى أصحابها مهما تقادم الزمن والأيام، فلو يعرف الزيتون العمقاوي غارسه لصار الزيت دمعًا.
إن ما يثلج صدرك في الحالة الوحيدة، هو ان الهمجية الصهيونية التي تتحكم وتسيطر على عقول حكام إسرائيل والقايّمين "على أملاك الغائبين" لم يحكموا بعد بالإعدام والإبادة على الآلاف من أشجار الزيتون المعمرة والتي تحيط وتشتهر بها قرية عمقا المهجرة، ولم يكن هذا كرما أخلاقيا لدى المؤسسة الصهيونية في اقتلاع وابادة وتدمير كل ما يمت بصلة للأرض الفلسطينية من الشجر والبشر والحجر، ففي حرب سنة 1948 مُسح أكثر من 530 قرية عربية فلسطينية وبفعل عوامل معينة بقيت بعض الرموز شاهد عيان على عمق الجريمة والمأساة، فرغم ما أصاب قرية عمقا من قتل وتدمير وتشريد وهدم فقد بقي الجامع الذي هو شبه مدمر وكروم الزيتون التي رفضت حكم الإعدام وأصبحت شاهدًا حيًا على مدى عمق الجريمة وعنصرية وغباء المؤسسة الصهيونية وإجرامها في استهداف كل المقومات التي يستند إليها المواطن الفلسطيني في صموده وحياته ومعيشته على أرضه ووطنه.
فكما يعشق الإنسان الفلسطيني شجرة الزيتون رمز السلام والمباركة، وليس صدفة ان الشهيد الرمز ياسر عرفات احضرها معه إلى الأمم المتحدة في سبعينيات القرن المنصرم ملوِّحًا أمام العالم على ان الشعب الفلسطيني خياره السلام العادل والمشروع في استرداد حقوقه المغتصبة. فان زيتون عمقا المتناثر والمزروع في رحم الأرض الفلسطينية العمقاوية قد أحب هو الآخر الإنسان العربي الفلسطيني الذي يحفظ قيمة الأرض وما عليها من أشجار وثمار مباركة كالزيتون والصبر والتين وغيرها. ولهذا شاءت الأقدار ان يحتفظ زيتون عمقا بحقه المشروع في الاستمرار في الحياة الطبيعية والتطور وزيادة المنتج من عام إلى آخر. فكانت الإرادة والحكمة والتفرغ ان يجد المزارع العربي ضالته في استلهام ما اختزنته الأيام والحاجة والتفاعل بين الإنسان وشجر الزيتون المبارك ويتولى عهد الوصاية لحين عودة الحق لأصحابه، الكوكاني الأصل والجار القديم والحالي لقرية عمقا المهجرة أبو وائل الذيب الذي اخذ يشد من أزر الفلاحة والعناية المكثفة لأكثر من خمسة آلاف شجرة زيتون معمرة ما زالت منتصبة شامخة في ارض قرية عمقا المهدمة والمدمرة بعد ان شردوا أهلها إلى مختلف بقاع الدنيا. لكنَّ أبا وائل الذيب أعاد للأرض مكانتها وحيويتها وخصوبتها فيما أعاد للشجر قبل الحجر وللزيتون قبل الصبر والتين ينبوع الحياة واخضراره الدائم وهذا كله أعاد للمنطقة والأرض العمقاوية حلتها واخضرارها الدائمين، إلى ان أصبحت الحياة لها معنى. فهو أنقذها من سياسة الإهمال والاقتلاع والقطع والتجريف والتحريش التي تتبعها المؤسسة الصهيونية للتغطية على هول الجريمة ومجمل الجرائم التي ارتكبوها بحق أبناء وبنات الشعب العربي الفلسطيني الصامد والصابر والقابض على جمرة العودة في يوم ما ليعش فوق أرضه ووطنه، رغم كل الويلات والمحن التي ارتكبت بحقه منذ وعد بلفور المشؤوم إلى مخطط برافر المنهوب والمأزوم.
اثنان وعشرون عامًا مرت على الرعاية الزراعية والأخلاقية والوطنية والإنسانية وبمختلف المراحل والمواصفات الحديثة التي تحظى بها كروم الزيتون الرحبة من العم أبو وائل الذيب لدرجة ان الزيتون والأرض العمقاوية أصبحت ليس شغله الشاغل فقط وإنما ضمها كأحد أولاده إلى ان أصبحت جزءًا حيا وأساسيا من جدران وكيان البيت والأسرة، ولهذا يستمر أبو وائل بكل جوارحه وخبرته ومعداته لدرجة انه أعطى قلبه وعقله والسهر دون ملل لحوالي خمسة آلاف شجرة معمرة منتصبة في أراضي القرية المهجرة عمقا.
سلام عليك ولك أيها الذيب الحارس الأمين!
وسلام وخير وبركة لكل شجرة زيتون نبتت في خرائب وزوايا وبيادر قرانا وفي انتظار رحلة العودة التي لا غنى عنها.
أما انتم أيها الغائبون الراحلون قسرًا، فلكم كل ذرة تراب في وطننا وطنكم الذي لا نقبل عنه بديلا.
كل عام وزيتون بلادي بخير.




(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أن تكون قاضياً عربياً .. عسر أم استحالة

featured

هنيئا لباقة الغربية

featured

ليس بالعدوان الامبريالي وإنما بمقاومته يتحرر الشعب الليبي!

featured

رحيل زوجة مناضل وأم حنون

featured

الشجاعة تؤدي الى المرحاض الذهبي

featured

واسلمي يا ناصرة ..... واسلمي يا بلادي

featured

دكتاتورية الحكم بكل ثمن!

featured

الماركسية... وسرير بروكوست (1)