أبناء الكادحين في مسيرة الأول من أيار في الناصرة، أول أمس
مما لا شك فيه أننا في العالم العربي والإسلامي نعيش في أزمة على جميع الصعد. وما يحدث الآن في تونس ومصر وسوريا واليمن والبحرين وليبيا ... هو بداية تفكيك لهذه الأزمة، وإعادة تركيب مجتمعية ... وكما يظهر سوف تسيل دماء كثيرة في سبيل الحق والحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. وكانت أوروبا قد ضحّت كثيرا حتى صار الوضع كما هو عليه الآن. فحتى حدوث الثورة الفرنسية وفي القرون الوسطى بالذات، حيث الجهل والفقر وتحكم الإقطاع والكنيسة في رقاب العباد باسم الدين، عاشت أوروبا في الظلام... حتى نضجت الظروف، فكافحت شعوبها لفصل الدين عن الدولة. وحتى اهتدت هذه الشعوب إلى أن الإقطاع والكنيسة هما رأس الداء وأساس الأزمة والظلم والاستبداد، فعمدت الى إلغاء نفوذهما ، خاصة في روسيا ثم في دول الإتحاد السوفييتي سابقا. مفاده أن قضية فصل الدين عن الدولة لم تأت لهذه الشعوب على طبق من فضة، إنما بالنضال المستمر والتضحية من قبل جميع طبقات الشعب، وخصوصا مثقفي الطبقات الوسطى والبرجوازية الصغيرة الواعية والمدركة لما يدور حولها من تفاعلات اجتماعية-اقتصادية وسياسية. وعلى الرغم من اختلاف الظروف من بلد لآخر، إلا أن هنالك قوانين تتحكم بالتاريخ الإنساني وبالطبيعة مثل قانون تحوّل الكمية الى كيفية وعملية تراكم الوعي والتجربة.
إن ما يحدث اليوم في العالم العربي والإسلامي هو نتيجة هذا التراكم، من أجل تفكيك فكر الأزمة كما قلت. وكذلك تفكيك فكر التشرذم والانغلاق والتقوقع المذهبي.
ما يحدث الآن ليس صدفة وليس قدرا من السماء، إنما نتيجة التململ ضد الاستبداد والتهديد الخارجي والداخلي للاستيلاء على مقدّرات الشعوب، وازدياد الفوارق الطبقية، وانعدام الحريات الشخصية والعامة.
لقد ارتسمت روح العصر على هذا الحراك، باستعمال الأدوات الحديثة المعولمة، من قبل أجيال الشباب المثقف والمتعلم وبعض الناس البسطاء الواعين لمدى الظلم الواقع عليهم.
في ظروف الأزمة إما أن يتقوقع الإنسان ويلجأ الى الفكر الدفاعي، وإما أن يتحدّى ويخرج الى الشارع ضد نهج دولة الاستبداد. إما أن يثور على الانقسامات المذهبية، والتشرذم، وإما أن يحتمي بالمسجد والكنيس والكنيسة، من أجل البحث عن الذات في الماضي وفي السلف الصالح.. والتفسير الدائري لحركة التاريخ. وبهذا يبحث عن الملاذ ولا يبحث عن الحل .. فيصب جام غضبه على المختلف، ولا يدري أن الحل موجودٌ في الواقع، وليس في الغيبيات والماورائيات والميتافيزيقيا. يلجأ للتمذهب والتقوقع، وعدم مناقشة الفكرة، إنما الهجوم على قائلها بالكلام العنيف الذي قد يصل حد القتل!
والخطورة.. كل الخطورة تكمن في تقديس الحلول والمواقف السلفية، التي قدمها الدين في أوّل نشأته، بوصفها مناسبة لكل زمان ومكان. غافلا عن حركة التاريخ الممتدة أفقيّا وعموديا.. لا يفكّر بالمستقبل.. مكتفيا قانعا بالماضي وبالحلول الأخروية، هذه هي الأزمة! ولا خلاص إلا في تفكيكها، بالعلم وبالعلمانيّة، وبفصْل الدين عن السياسة وليس عن المجتمع، وباحترام الآخر وقبوله كما هو.
