يشارك النائب محمد بركة، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الاسرائيلي ورئيس الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة، في اطار وفد برلماني الى معسكر الاعتقال والابادة "اوشفيتس" في بولونيا، للتعبير عن التضامن مع ضحايا الوحش النازي عدو الانسانية جمعاء وللتحذير من مخاطر تهديد البشرية والشعوب، بانفلات نازي فاشي عنصري يرفع رأسه في العديد من البلدان.
واعداء الشيوعية والوطنية الصادقة في كل مكان وزمان وفي بلادنا ينتهزون بشكل تضليلي كل مناسبة، للتعبير عن مواقفهم المعادية للشيوعية وللقادة الشيوعيين والمزاودة عليهم من مختلف الاتجاهات، ومشاركة النائب بركة في الوفد الى اوشفيتس اثارت موجات من التحريض الارعن التضليلي، فبعض ذئاب اليمين العنصري المتطرف من الليكود الحاكم ينشطون لالغاء مشاركة بركة في الوفد بادعاء عداء بركة للدولة ولرموزها، لعلَمها ونشيدها القومي ولاحتلالها وممارساته "الحضارية" ضد الشعب العربي الفلسطيني في المناطق المحتلة وضد المواطنين العرب في اسرائيل!! يخلطون عمدا بين الموقف من السياسة الاجرامية العدوانية للحكومة التي يتصدى لها النائب محمد بركة وحزبه وجبهته، وبين الدولة التي نناضل ويناضل بركة لتكون دولة سلام ومساواة ودمقراطية وعدالة اجتماعية. فبالاضافة الى موقف المجرمين بحق شعبنا واقليتنا الذين يحرضون على بركة، انضم الى جوقتهم وللاسف من يسبحون في بحر المزاودة الوطنية القومجية ويخلطون "شعبان برمضان" بلغة تحريضية سافرة، وكأن من يواجه لوائح اتهام سلطوية تهدد بمحاكمته وحبسه لنضاله ضد العدوان وحرب الابادة على لبنان وعلى شعبنا العربي الفلسطيني وعلى جماهيرنا العربية في هبة اكتوبر احتجاجا على مجزرة القدس والاقصى، من يواجه كل هذا يحرَّض ضده وكأنه بمشاركته في وفد اوشفيتس يخدم الاهداف الصهيونية ويدير ظهره لشعبه الفلسطيني ضحية جرائم ومجازر المحتل!! يا للخجل من مثل هذا الدرك الاسفل من التزوير المنهجي التضليلي المنافي للحقيقة.
برأينا ان موافقة النائب الشيوعي الجبهوي المشاركة في الوفد هي عين الصواب وتعتبر موقفا حكيما يجسد حقيقة موقف الشيوعيين من النازية وجرائمها الوحشية. فزيارة هذا الوفد الى اوشفيتس جاءت في موعدها من حيث التوقيت التاريخي الزمني، اذ انها تصادف ذكرى مرور (65) عاما على دحر النازية والاطاحة بالنظام الهمجي الهتلري النازي في عقر داره، ورفع الجيش الاحمر السوفييتي لعلم النصر الاحمر على قمة سطح "الرايخستاغ" الالماني. مرور خمس وستين سنة على تحرير معسكر اوشفيتس على ايدي الجيش الاحمر السوفييتي. الا يحق للنائب بركة ان يعتز بالمشاركة في ذكرى حدث كان لرفاقه الدور البطولي في تخليص وتحرير الضحايا ممن عانوا مرارة التعذيب والموت في معسكر الابادة اوشفيتس. هذا اولا يا ارباب التحريض التضليلي، اما ثانيا فان النائب محمد بركة يشارك في اطار وفد برلماني وليس في اطار وفد حكومة الاحتلال والاستيطان والتمييز والجرائم، يشارك في اطار برلمان يشمل التعددية السياسية التي لكل كتلة هويتها الفكرية والسياسية. وما يميز كتلة الحزب الشيوعي والجبهة التي سيمثلها النائب محمد بركة في اوشفيتس ان لها وجهة نظر متميزة وموقفا متميزا عن وجهة النظر الانتقائية الصهيونية والموقف الانتقائي الصهيوني، فالنازية كانت مجرمة بحق الانسانية ولم يكن ضحاياها من اليهود فحسب، فقد كانت ضحايا الجرائم النازية الهتلرية اكثر من خمسين مليون انسان من اليهود والروس والغجر والاوكرانيين والبولون، اضافة الى قتل الشيوعيين وكل معارض للهتلرية وفي المانيا نفسها. محمد بركة كحزبه وجبهته يناضل ويفضح الموقف التضليلي الاسرائيلي الرسمي والصهيوني الاسرائيلي والعالمي الذي يعمل على تجيير ضحايا النازية من اليهود للسمسرة السياسية ولتبرير السياسة العدوانية الاسرائيلية والجرائم والمجازر التي يرتكبها المحتل الاسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلة. كما ان مشاركة بركة في الوفد جاءت لتؤكد ايضا ان الشيوعيين الذين داسوا رأس الحية النازية الفاشية العنصرية في الحرب العالمية الثانية، لا يزالون من خلال الشيوعيين والوطنيين الصادقين ومختلف قوى التقدم فرسان ميادين المعترك الكفاحي وفي الصف الامامي في مختلف البلدان وفي بلادنا ضد الفاشية العنصرية الزاحفة.
ونود التأكيد كذلك لجميع المحرضين على النائب محمد بركة ان الوفد البرلماني من الكنيست الاسرائيلي لا يسافر الى اوشفيتس بمبادرة منه كرحلة تضامنية خاصة، بل يشارك في اطار يوم أممي قررته الامم المتحدة تضامنا مع ضحايا النازية وتحرير اوشفيتس وأسراه من محرقة الموت والابادة. ففي هذا اليوم العالمي يتوجه الى اوشفيتس للتعبير عن الموقف المعادي للنازية ليس فقط الساجدون في محراب الصهيونية وخدامها بل المعادون لها ايضا من القوى اليسارية التقدمية وانصار حقوق الانسان وغيرهم.
** كلمة لا بد منها:
نحن الشيوعيين نؤكد الحقيقة ولا نبالغ ابدا عندما نقول ونردد دائما ان الشيوعيين اصلب المناضلين ضد النازية والفاشية والصهيونية والعنصرية الابرتهايدية ومختلف اشكال التمييز العرقي والاثني والقومي. فنحن بهذا التأكيد لا نزاود على احد، فموقفنا نابع من حقيقة ادراكنا الواعي للخلفية الطبقية لمختلف اشكال العنصرية ومدلولاتها الايديولوجية والسياسية والاجتماعية والثقافية. فالشيوعيون معادون لمختلف اشكال العنصرية ويناضلون ضد النازية والفاشية والصهيونية والترانسفيرية من منطلق مبدئي طبقي ايديولوجيا وسياسيا. فبرأينا ان مختلف ظواهر العنصرية ليست ظواهر طارئة تنشأ من فراغ او حالات صدفية (من صدفة). فالنازية الالمانية، الاختفاء وراء تمجيد العرق الآري الالماني وكأنه اعلى مرتبة وافضل من جميع الشعوب المنحطة الاخرى، ارتبط بالدعوة الهتلرية للنظام النازي الى توفير "مكان تحت الشمس لالمانيا" أي اعادة تقسيم مناطق النفوذ في العالم لتوفير "حصة دسمة" للامبريالية الالمانية ! فهذه النازية الالمانية ودعوتها للهيمنة كونيا ولدت في رحم اعمق ازمة واجهتها الرأسمالية في البلدان الرأسمالية المتطورة في اوروبا وغيرها وفي المانيا، ازمة 1929- 1933، حيث الركود الاقتصادي الكبير بانخفاض وتائر النمو الاقتصادي وانتشار البطالة الواسعة وتردي الاوضاع المعيشية للطبقة العاملة ولفئات اجتماعية واسعة من الشعب الالماني، وقد استغلت اكثر فئات البرجوازية الالمانية رجعية وعدوانية والمرتبطة بالصناعة العسكرية بشكل ديماغوغي الازمة العميقة وانتشار البطالة والفقر بالدعوة الى "حق القوة" و "نظام قوي" لانقاذ البلاد من التدهور الصارخ. ولصرف انظار الرأي العام الالماني عن حقيقة مسؤولية طابع النظام الرأسمالي وازماته الدورية عن جوهر الازمة، عمل النظام وارباب الرأسمال بالضرب على الوتر العنصري حول اهلية وقابلية العنصر الآري على التطور الخلاق ودونية غير الآريين من اليهود والغجر (النَّوَر) الذين يعرقلون التطور ومسؤولية اليهود في تكديس الاموال والهيمنة على السوق المالية. وحذر الشيوعيون الالمان من المخاطر الجدية للخطاب النازي العنصري والآفاق السوداء التي تنتظر المانيا من جراء سيطرة اكثر قوى الطغمة المالية يمينية ورجعية وعدوانية على مقاليد السلطة. وذهبت ادراج الرياح دعوات الحزب الشيوعي الالماني لاقامة تحالف كفاحي مع الحزب الاشتراكي الالماني وغيره من القوى الدمقراطية والليبرالية لقطع الطريق امام وصول النازيين الى سدة الحكم في الانتخابات البرلمانية.
وبالديماغوغيا السياسية والاجتماعية وتأليه القوة العسكرية نجح النازيون في الانتخابات بالسيطرة على البرلمان والسلطة. وبدأت النازية في البداية "الحرب الداخلية" بتوجيه الضربة وبشكل عنصري ضد اليهود والغجر وملاحقتهم وتصفيتهم جسديا والاعتداء على ممتلكاتهم ومصادرتها وترويج الدعاية العنصرية ضد اللاسامية، وكأن اليهود سبب المأساة والازمة. وبالمقابل شحن العصابات المسلحة من الشباب الـ "اس.اس." النازية والجيش بروح الاستعلاء والشوفينية القومية العسكرية وبث روح العداء للشعوب الاخرى. كما وجه النظام النازي اسلحة الموت الى الشيوعيين بملاحقة واغتيال واعتقال قادة وكوادر الحزب الشيوعي الالماني. فامتلأت السجون باليهود والشيوعيين مناهضي النظام النازي الدموي. وحصل ما حذر منه الحزب الشيوعي الالماني ابان دعوته لاقامة وحدة كفاحية مع الحزب الاشتراكي الالماني. ان معاداة النظام النازي للدمقراطية ونحرها لا يتوقفان عند العداء لليهود وملاحقتهم وتصفيتهم بل ستمتد انيابها الصفراء لافتراس كل من يقف ويعادي النظام الهمجي النازي. فالشعار ضد اليهود والشيوعيين اتسع نطاقه في الممارسة النازية ليشمل ملاحقة واعتقال وتصفية الاشتراكيين الدمقراطيين ومختلف قوى التقدم والدمقراطية. وهذا ما نحذر منه في بلادنا في هذا الوقت بالذات من المخاطر الجدية التي تنطوي عليها الهرولة الفاشية العنصرية الاسرائيلية، وعلى مختلف المستويات، المعادية للعرب وللدمقراطية في ظل تعميق الازمة السياسية لحكومة الاحتلال والاستيطان والتمييز والافقار. فمن يبدأ بالعرب لا ينتهي عندهم بل تطال انيابهم مختلف القوى اليسارية والتقدمية، وهذا ما يحدث. وهذا ما يدعو الحزب الشيوعي الاسرائيلي والجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة الى اقامة اوسع تحالف كفاحي يهودي – عربي، عربي – يهودي من اجل السلام والمساواة وضد الفاشية العنصرية التي تعدت عتبة الدار في اسرائيل منذ سنوات وتتصاعد وتائر استشرائها على مختلف الصعد والمستويات.
كما يجدر التأكيد على العلاقة الجدلية الوطيدة بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية لاي نظام. فالسياسة التمييزية العنصرية والعدوانية التي مارستها النازية ونظامها الهمجي ضد ابناء الشعب الالماني من اليهود والشيوعيين وغيرهم لم تقف عند هذا الحد، بل طالت جرائمها احتلال غالبية الدول في اوروبا الشرقية والغربية بهدف استعباد شعوبها واقامت معسكرات الاعتقالات (الجيتوات) للعقوبات الجماعية والابادة الجماعية وللمحرقة التي واجه الموت من خلالهما اليهود وغير اليهود. ووضع النظام النازي هدفا مركزيا بالقضاء على النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي واحتلاله كتتويج لحربه الكونية. وقد تواطأت انظمة الغرب الرأسمالية بعدم فتح جبهة ضد الهتلرية اثناء عدوانه على الاتحاد السوفييتي على امل التخلص من النظام الاشتراكي الوحيد. ولكن الاتحاد السوفييتي بقيادة الحزب الشيوعي السوفييتي وبطولات الجيش الاحمر السوفييتي وشعوب الاتحاد السوفييتي قد حولوا الارض السوفييتية مقبرة للغزاة النازيين رغم دفع الثمن الغالي اكثر من عشرين مليون ضحية قتلوا وتدمير اكثر من ربع بيلاروسيا والعديد من القرى واحياء المدن. ونظف الجيش الاحمر ليس فقط كل الاراضي السوفييتية من دنس الغزاة المحتلين المعتدين بل حرر من قيود الوحش الالماني كلا من البانيا ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وبلغاريا ورومانيا وبولونيا وحطم الوكر النازي في برلين وتمترس في المانيا الدمقراطية. وهذه نهاية طبيعية لكل محتل، فاحتلاله دائما الى زوال.
إنني لا اطلب ولا ارجو من محرضي قوى اليمين ان يستخلصوا العبرة من تحريضهم على النائب الشيوعي الجبهوي محمد بركة، لانه لا جدوى الطلب من الموبوء بالعنصرية ان يكون دمقراطيا حقا، ولكن ما آمله من المزاودين وطنيا وقوميا ان يكونوا اكثر واقعية وصدقا مع انفسهم وان لا يوجهوا السهام لاخلص المناضلين ضد النازية والعنصرية والفاشية الصهيونية العنصرية.
