لماذا لا تجتمع في غزة ؟
الحلقة الثانية
//
يقول " ألوف بن " في هآرتس يوم 8/12/2017، " سَجّل نتنياهو انتصارًا هامًا في صراعه ضد الفلسطينيين " فقد جاءت العناوين بالإعلام " عن اليوم التاريخي وخطاب ترامب، فإذا بالمشبوه بالفساد يعود إلى الموقع السياسي والاستراتيجي "، وسجلت معاريف في افتتاحيتها يوم 8/12/2017 " منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنجازًا سياسيًا باهظ القيمة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يكافح في سبيل الحفاظ على مكانته العامة في ظل تحقيقات الفساد ضده، فقدم له ترامب إنجازًا دبلوماسيًا غير مسبوق "، ووصف ألوف بن دافيد في معاريف يوم 8/12/2017، قوله " لا يمكن لنا أن نتجاهل البعد الشخصي في خطوة ترامب، فقد منح رئيس الوزراء ما يمكن أن يعتبر الإنجاز الأهم لنتنياهو في كل ولاياته الأربع، وهذه الكتف الحميمة أعطاها له ترامب في ساعته الصعبة، لأن الرئيس الأميركي يعرف ما هو الشعور حين يخضع المرء للتحقيق " .
من التعليقات الإسرائيلية الواردة أعلاه وغيرها تبدو دلائلها واضحة أن قرار ترامب لم يكن بريئًا في اختيار التوقيت الملائم بعد أن ضاقت المساحة أمام نتنياهو، خاصة بعد أن فشل في تمرير " قانون التوصيات " في البرلمان، ذلك القانون الذي هدف منه توفير الحماية له كي لا يتعرض للمساءلة القضائية على غرار القانون الفرنسي، ولهذا كما قال " الوف بن " في هآرتس " لقد تم تنسيق خطاب ترامب، بدقة مع سفير نتنياهو في واشنطن رون ديرمر " كي يوفر الغطاء السياسي لنتنياهو ويقدمه كبطل أنجز في عهده ما لم ينجزه رئيس وزراء من قبل، منذ قيام المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي على أرض فلسطين عام 1948 .
وهذا إنجازه الأول، ولكن ثمة إنجاز آخر حققه نتنياهو ووفره ترامب له، وهو يستجيب لعداء نتنياهو للحركة الوطنية الفلسطينية، ولعدم استجابته في تلبية حقوق الشعب الفلسطيني نحو حريته واستقلاله ودولته مع عاصمتها القدس، ففي تعليقها على ما قدمه ترامب إلى نتنياهو خلصت معاريف إلى القول في افتتاحيتها يوم 8/12/2017، إلى أن ترامب " خفف من الالتزام الأميركي بحل الدولتين، الذي إشترطه بموافقة الأطراف، والأهم من ذلك، فقد وعد ترامب ألا تعرض الولايات المتحدة موقفًا نحو القضايا موضع الخلاف بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وعلى رأسها حدود السيادة في القدس " ولذلك هدأ من مخاوف نتنياهو نحو " عدم فرض إملاء أميركي لتسوية إسرائيلية فلسطينية من شأنها أن تؤدي إلى تفكيك الإئتلاف الحكومي الحالي، الذي يرفض حل الدولتين ويرفض تقديم أي بادرة طيبة مهما كانت للفلسطينيين " .
إدراك الموقف الأميركي الذي يقوده ترامب، ضروري كي يفهم الفلسطينيون ومعهم سائر العرب ماذا يفعلون لمواجهة التحالف اليميني الاستعماري المتطرف بين واشنطن وتل أبيب، حيث لا أمل يرتجى من أي تحول أميركي بالاتجاه الإيجابي نحو توفير الحد الأدنى لحقوق الفلسطينيين، لأن ما سيقدمه ترامب سيكون مشروطًا بموافقة نتنياهو وفريقه الائتلافي، الذي يتمادى في وقاحته السياسية، ويطلق بالونات اختبار لحل القضية الفلسطينية خارج فلسطين، إذ يتحدث أحد وزرائه عن دولة في سيناء كامتداد لقطاع غزة، ويتحدث آخرون عن دولة للفلسطينيين شرق الأردن، فالأرض الفلسطينية بالنسبة لهم " يهودا والسامرة وهي جزء من أرض إسرائيل التي لا يمكن التفريط بها " .
نضال الشعب الفلسطيني على الأرض، وفي مواجهة الاحتلال تنامى وقدم التضحيات بالشهداء والجرحى والاعتقالات من أبناء الضفة والقدس والقطاع، وهو تناغم يسير منسجمًا مع حالة التوافق الفلسطينية التي أفرزتها عملية المصالحة برعاية مصرية، واكتملت أركانها بزيارة وفدي : الحكومة رامي الحمد الله، وفتح عزام الأحمد إلى غزة، واستكمال استلام المعابر والمؤسسات والدوائر المختلفة إداريًا وماليًا وأمنيًا، وإن لم يكن ذلك نموذجيًا ولكنه لا شك قطع شوطًا نافذًا وعميقًا ومقبولًا وبنى أرضية يمكن البناء عليها، وهي خطوة أو خطوات أزالت الكثير من عدم الثقة وفتحت بوابات الشراكة المطلوبة وإن لم تكتمل بعد !! .
ولا شك أيضًا وبثقة كبيرة أن الوضع الفلسطيني قبل المصالحة 12/10/2017 ليس كما هو بعده، وأن الوضع الفلسطيني بعد 6 كانون الاول 2017 مع قرار ترامب ليس كما هو قبله، بل جاء التطور الثاني وردات الفعل على ما يفعله ترامب لُيضيف فعلًا فلسطينيًا تراكميًا على ما تتحقق من خطوات المصالحة، والبناء عليها باتجاه فتح المؤسسات الفلسطينية نحو الشراكة، في منظمة التحرير ولدى سلطتها الوطنية، وبدون ذلك لن تتغير المعطيات الفلسطينية، ولن تتغير النتائج !! .
ما الذي تحقق فلسطينيًا بعد ترامب
خطاب الرئيس محمود عباس يوم 6/12/2017، ردًا على خطاب ترامب وصف مضمون ما أعلنه الرئيس الأميركي بقوله :
أولًا : الإدارة الأميركية بهذا الإعلان اختارت أن تخالف جميع القرارات والاتفاقات الدولية والثنائية وفضلت أن تتجاهل وأن تناقض الإجماع الدولي الذي عبرت عنه مواقف مختلف دول وزعماء العالم وقياداته الروحية والمنظمات الإقليمية حول موضوع القدس.
وأن هذه الإجراءات المستنكرة والمرفوضة تشكل تقويضًا متعمدًا لجميع الجهود المبذولة من اجل تحقيق السلام، وتمثل إعلانًا بانسحاب الولايات المتحدة من ممارسة الدور الذي كانت تلعبه خلال العقود الماضية في رعاية عملية السلام.
ثانيًا : كما أن هذه الإجراءات تمثل مكافأة لإسرائيل على تنكرها للاتفاقات وتحديها للشرعية الدولية، وتشجيعا لها على مواصلة سياسة الاحتلال والاستيطان و"الابارتهايد" والتطهير العرقي.
ثالثًا : كما أن هذه الإجراءات تصب في خدمة الجماعات المتطرفة التي تحاول تحويل الصراع في منطقتنا إلى حرب دينية تجر المنطقة التي تعيش أوضاعًا حرجة في أتون صراعات دولية وحروب لا تنتهي .
وماذا كان الرد الرسمي الفلسطيني على قرار ترامب وتوجهاته :
" إن القيادة الفلسطينية تتابع على مدار الساعة تطورات ومستجدات الموقف وهي تعكف على صياغة القرارات والإجراءات المناسبة بالتشاور مع الأشقاء والأصدقاء، وينبغي في هذه اللحظة التاريخية أن تشكل حافزًا إضافيًا لنا جميعًا لتسريع وتكثيف الجهود لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وستشهد الأيام القادمة دعوة الهيئات والأطر القيادية الفلسطينية المختلفة إلى اجتماعات طارئة لمتابعة التطورات، ونحن بصدد دعوة المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى عقد دورة طارئة سندعو إليها جميع الفصائل لتأكيد الموقف الوطني الفلسطيني الموحد، ووضع كل الخيارات أمامه "، كما جاء في خطاب الرئيس ردًا على ترامب .
المأزق الفلسطيني
خطاب الرئيس الفلسطيني يعكس المأزق الشخصي الذي يواجهه، مثلما يعكس خياراته السياسية، وغياب الأولويات لديه، فالمتابعة واتخاذ الإجراءات المناسبة، بالتشاور مع الأشقاء والأصدقاء، والحديث عن دعوة هيئات وأطراف قيادية مختلفة إلى اجتماعات طارئة، بما فيها دعوة المجلس المركزي، لا تصيب الهدف، بل تؤدي إلى تمضية الوقت وتمييع السياسات والمواقف والرهان على تبريد الأجواء مع الوقت، وهي لا ترتقي إلى مستوى الحدث والقرار والمخاطر التي تواجه القضية الفلسطينية وحقوقها وشرعيتها، مثلما لا تفعل الرد المطلوب على قرار ترامب وسياساته، كما لا تتجاوب مع فعل الشارع الفلسطيني وتضحياته وبسالته، واستعداده للعمل الكفاحي الجماهيري المتتالي المنظم ردًا على الاحتلال على طريقة كنسه، وردًا على سياسة ترامب وهزيمتها، حيث لم تجتمع لهذا الوقت أي من المؤسسات الفلسطينية لتعلن موقفًا ولتتخذ قرارًا .
الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، العضو المشارك في منظمة التحرير، ومؤسساتها ولجنتها التنفيذية صدّرت بيانًا واضحًا على المستوى السياسي والتنظيمي الإجرائي تضمن ما يجب فعله وقال ناطقها يوم 7/12/2017، ردًا على خطابي الرئيس ترامب والرئيس أبو مازن كما يلي :
أولًا : دعوة الشعب الفلسطيني لمواصلة أيام الغضب على طريق استئناف الانتفاضة وصولًا إلى العصيان الوطني ضد الاحتلال والاستيطان، في إطار حرب شعبية إلى أن يحمل الاحتلال عصاه ويرحل عن كل شبر من أرض دولة فلسطين .
ثانيًا : بناء على خلو بيان الرئيس محمود عباس من أية مواقف وقرارات عملية وتعليق الوضع برمته على عدد من الاتصالات والاجتماعات، والتسويفات اللاحقة، تدعو القيادة الرسمية الفلسطينية إلى اتخاذ قرارات عملية ملموسة تتضمن ما يلي :
1- وقف التنسيق الأمني، 2- سحب الاعتراف بإسرائيل، 3- التقدم بطلب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب العضوية العاملة لفلسطين، 4- التقدم إلى الأمم المتحدة بطلب رسمي لعقد مؤتمر دولي للمسألة الفلسطينية تحت رعاية الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، 5- التقدم إلى مجلس الأمن بطلب رسمي لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، 6- التقدم إلى محكمة الجنايات الدولية بشكاوي لمساءلة الإسرائيليين على جرائم الحرب التي اقترفوها بحق الفلسطينيين .
ثالثًا : الدعوة لعقد اجتماعات للجنة تفعيل وتطوير م . ت . ف للعمل على وضع أليات تنفيذ وتطوير ما كانت القوى السياسية الفلسطينية قد توافقت عليه في القاهرة (2005+2011+2013+2017) ووثيقة الوفاق الوطني (2006)، وقرارات المجلس المركزي (5/3/2015) وقرارات اللجنة التنفيذية (21/7+ 12/8/2017) وبيان كل الفصائل الفلسطينية 22/11/2017 في القاهرة، ولرسم إستراتيجية العمل الوطني للمرحلة القادمة، وإعادة ترتيب أوضاع المؤسسات الفلسطينية، بما في ذلك تنظيم انتخابات شاملة، رئاسية، وتشريعية للمجلسين التشريعي والوطني الفلسطيني بنظام التمثيل النسبي الكامل، ودعوة المجلس للانعقاد في مكان يتم التوافق عليه وطنيًا.
رابعًا: دعوة اللجنة التنفيذية إلى العمل على تشكيل مرجعية وطنية موحدة وائتلافية للقدس الشرقية، وتوفير الموازنات المالية وكل أشكال الدعم المادي والسياسي والمعنوي، لأبناء المدينة المقدسة .
خامسًا: الدعوة إلى إنجاز اتفاق المصالحة، مصحوبة برفع العقوبات الجماعية وإزالة الإجراءات والحصار عن القطاع.
مرة أخرى غزة خطوة البداية
ياسر عبد ربه دعا إلى استنفار الطاقات والإمكانات الوطنية، عبر عقد اجتماع الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير، أو ما يُعرف بلجنة تفعيل المنظمة، وكذلك المجلس المركزي على أن يعقدا في قطاع غزة، بما في ذلك من مدلول رمزي وشعبي وسياسي وازن، صوب تكريس المصالحة واستعادة الوحدة، انعكاسا إلى مساندة ودعم الهبة الجماهيرية بخطوات سياسية شجاعة، والانطلاق من غزة لصياغة المشروع الوطني الفلسطيني الديمقراطي الجديد، في مواجهة السياسات الإسرائيلية والأميركية .
* كاتب سياسي مختص بالشؤون الفلسطينية والإسرائيلية.
