الإعلام الطاغي نظفه بعد وفاته!
من الممكن أن تتأخر الحياة يوما أو يومين ولكن الموت لا يتأخر ساعة، مات شارون بعد أن أصيب بسكتة دماغية – ليس سكتة سياسية او عسكرية او استيطانية – وقد عاش في غيبوبة ثماني سنوات، وكان النسيان قد غلف وجوده ولم نعد نسمع عنجهية تصريحاته ونرى اهتزاز جسده الضخم عبر خطواته الدموية مسجلًا لدولته بطولات جديدة.
فجأة عاد اسم شارون الى الأضواء مصحوبًا بقلق الاطباء الذين يحرسون الجسد، وبدأوا يزودون وسائل الاعلام بتطور مرضه حتى وقفت الدولة على رؤوس أصابعها وأخذت تشد شعرها حزنًا عليه، ثم اعلنوا موته وكانت جنازته رسمية تليق برجل منح دولته القوة واستراتيجية القسوة، رغم اصابة بعض المسؤولين والوزراء بالخيبة من عدم تدفق الوفود العالمية والمحلية على جنازته المهيبة – اعلنت بعض الصحف العالمية أن السفارة المصرية أرسلت وفدًا مصريًا للمشاركة في الجنازة، والاعلام الاسرائيلي هاجم رئيس السلطة الفلسطينية ابو مازن لأنه لم يرسل برقية تعزية.
التاريخ الفلسطيني والعربي يعرف شارون حق المعرفة لأن بصماته وانيابه مغروزة في لحم قضاياه وصفحات حياته، فهو لن ينسى أن شارون مهندس مذبحة قبية عام 1953 التي راح ضحيتها 170 من المدنيين و مذبحة صبرا وشاتيلا وأول من غزا عاصمة عربية – بيروت حتى أطلق عليه جزار بيروت – وتسبب في مقتل وتعذيب الأسرى المصريين سنة 1967 وغيرها من الجرائم التي حاولت وسائل الاعلام حصرها وتلوين ظروفها حسب متطلبات الصفح والغفران والبطولة والواجب العسكري.
في بعض الدول العربية قاموا بتوزيع الحلوى في الشوارع، وأطلقت المفرقعات احتفالًا وابتهاجًا بموته، ووقفت " هيومن رايتس ووتش" الحقوقية في حالة تأسف لأن شارون مات دون أن يمثل أمام القضاء لدوره في المجازر وتساءلوا لماذا لا تتم محاكمته بعد موته! أين كانت هيومن رايتس كل هذه السنوات الطويلة، لا أعرف!
مات شارون وبالموت تنطوي الصفحات الحياتية، الا مع شارون وامثاله لا تنطوي بل تبقى مشتعلة تحرق اصابع التاريخ، لكن نحن نتساءل بصدق لماذا لم يحظ العرب برجل مثل شارون يقاتل ويهندس ويدافع ويفرض الواقع ويسعى لرفع شأن دولته واستقرارها.
موت شارون علق مرايا عجزنا على جدران تاريخنا، نرى انفسنا بعدة صور قبيحة مشوهة مصاصة دماء، لكن الصور البارزة التي تضيء الواجهات، أن امامنا وخلفنا العشرات مثل شارون قادة وزعماء ووزراء ومسؤولين وأبو فلان وأبو علان، جميعهم أيديهم ملطخة بدمنا، ولم يكتفوا بالقتل والصلب والشبح والتجويع والهدم مع ممارسة جميع الوان الفساد.
هؤلاء تاجروا بالأرض والعرض والمكتسبات التاريخية والوطنية، فتحوا السجون والزنازين على مصاريعها، لم يتركوا بقعة ضوء الا وقاموا بتلويثها وكسروا قناديل ثوراتها.
لقد كان فينا الظلم فوضى مهذبة
حواشيه حتى بات ظلمًا منظمًا
عرف "شارون" بجميع الالقاب الشيطانية والدموية، لكن ألقاب القادة والزعماء والمسؤولين العرب كلما فشلوا وانبطحوا وتفاوضوا وتنازلوا تراكمت ألقاب الفخر وحاولوا تصوير جميع هذه الخلطات والطبخات بأنها كانت سحرية تليق بشعوبهم.
لقد وصل الدم للركب في سوريا والعراق، وقنوات الدم تسيل ببطء في مصر ولبنان وفلسطين والسودان..الخ، عدا عن الدمار والخراب واللجوء والتشريد والفقر والجوع، وعناوين الاصابع التي تحرك الدمى معروفة لأصغر طفل عربي.
إن شارون برأيي مثل عقلة الاصابع أمام عهر وفجور مشايخ الخليج والسعودية!! هل شارون أكثر دموية من مشايخ قطر والسعودية الذين يصدرون الموت يوميًا للشعب السوري مع سابق الاصرار والترصد والدفع بالدولار ويزرعون الفتن والفوضى في الدول العربية.
أليس خيانة الشعوب العربية ومسح احلامها وتوريطها بنكبات ونكسات والصمت تحت مسميات الدبلوماسية وشراء الأسلحة لمحاربة بعضهم البعض وليس لقتال العدو، وترك القضية الفلسطينية تعاني من سوء الغذاء القومي والهزال والضعف العام حتى وصل الشلل الى جميع اطراف جسمها، ولم يعد عندها القدرة على الوقوف بشموخ وقوة!! اليس ترك المقدسات الاسلامية والمسيحية عرضة للانتهاك اليومي والتاريخي وسحب البساط من تحت ارضها حتى تقع وتندثر أسوأ من اعمال شارون.
نعرف أن شارون اغتصب حتى قبره، لأن مزرعته التي تسمى "حفات هشيكيم" بالعبرية أو الجميز بالعربية والبالغة مساحتها خمسة آلاف دونم والتي تقع في الجهة الشمالية الغربية من صحراء النقب تابعة لعائلة "الزرباوي" فهي التي تملك الأرض المقامة عليها المزرعة "الشارونية" ولعائلة الزرباوي مستندات تثبت أن المزرعة لهم.
أحد ورثة عائلة الزرباوي ويدعى فايز يقيم اليوم في مدينة العريش شمال شرق مصر ويؤكد أن أجداده كانوا يقيمون في مدينة بئر السبع، وما زال يطالب بأرضه، و يأسف لأن شارون قد دفن في أرضه.
الملايين مثل عائلة الزرباوي يملكون المستندات التي تثبت أن الأراضي والاملاك لهم، لكن عدم اعادتها هو الخيانة التاريخية لهؤلاء الذي امتشقوا الانتظار، لكن القادة والزعماء قاموا بكسر السيوف على مداخل العزائم وفضلوا تعليق اشارات الذل على الطرقات.
موت شارون علق المرايا أمامنا، مرايا أعماله العسكرية وجرائمه التي زادت من قوة ونفوذ دولته، ومرايا مقارنته مع رجالنا العسكريين والقادة، النتيجة هي الغرق في مأساتنا ودمنا.
وسيبقى شارون يطاردنا حتى في المناهج الدراسية، ها هي وزارة التعليم ستدخل سيرة حياة شارون في كراس ارشاد من الصفوف الرابعة حتى التاسعة وستقسم (اريك شارون زعيم لا يعرف الخوف) و(قائد مثل راعي الغنم) و (القائد مثل العائلة ) هل سنقبل المناهج ونصمت أم نتحرك ونرفض..؟
