الجنون السياسي

single
لحسن حظي أني ما زلت استقل الباصات ليتسنى لي استغلال الوقت في القراءة او التفكير بالكثير من الامور، وفي كل مرة اشعر بأني اواجه حائطا يسد الافق – الجأ لجورج حبش، من مؤسسي حركة القوميين العرب وفيما بعد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي يملك مكانة خاصة في العقل وله حصة كبيرة في الحوارات السياسية التي تدور بيني وبين خلايا عقلي التي ما زالت تعمل حتى الآن.
اللجوء اليه نابع من انبهاري بقدرته على استخلاص تجربته السياسية واستثمار الدروس من الاخطاء السياسية لتكون رافعة للتقدم من خلال قدرته على نقد نفسه وحركته.
وأعود دائما لقراءة "التجربة النضالية الفلسطينية: حوار شامل مع جورج حبش" الذي وثقه معه محمود سويد وتم اصداره من قبل مؤسسة الدراسات الفلسطينية ضمن سلسلة "مرجعيات" عام 1998. هذا الحوار يعكس قدرة حبش على الخروج من التحجر السياسي من خلال العمل الميداني وتفاعله مع الواقع، وفي نفس الوقت التقدم الفكري من خلال الاستثمار في تثقيف نفسه – مما يجعلني افكر بإحدى صفات القائد السياسي وهي- مراجعة المواقف بصورة دائمة، وعدم التقوقع فيها. بما معناه ديناميكية التفكير والتغيير.
عند قراءتي للحوار، تستوقفني جملة لها علاقة بما يحدث اليوم من جمود سياسي حول الرؤيا السياسية الفلسطينية بكل ما يتعلق بالحلول المطروحة على طاولة المفاوضات، والتي بطبيعة الحال تطرح رؤيا وحيدة وهي تحقيق "السلام" من خلال خطة انفصال جغرافي، في جغرافيا تصب بمصلحة الطرف القوي وهو الطرف الاسرائيلي.
انسداد الافق السياسي البديل هو مأزق تعاني منه كل الاطر السياسية الفاعلة وخصوصا فيما يتعلق بمشروع الدولتين الذي تم اغتياله على يد اسرائيل نفسها بشكل مباشر وعن وعي كامل وهو وعي القوي والمُضطهِد، التي استطاعت من خلاله خلق واقع جديد يضمن بقاء السيطرة الاسرائيلية على معظم الاراضي الفلسطينية والتحكم في حياة الفلسطينيين. بمصطلح بسيط: فرض الهيمنة الاسرائيلية، بالأساس اقتصاديا وسياسيا.
تقال الجملة في سياق الحديث حول انتصار المشروع الصهيوني واسباب الهزيمة العربية، في محاولة للوقوف على الاسباب:
" قاتلنا بسواعدنا اولا، وبقلوبنا ثانيا لأننا آمنا بأننا على حق. ولم نقاتل بعقولنا".
ويدعو حبش الشباب الى امتلاك الوعي والعلم والمعرفة واستثمارها كأدوات نضالية من خلال الاجتهاد الفكري والتجديد المستمر للرؤيا والممارسة معا للتشديد على ان الديمقراطية هي أداة نهوض وقيمة سلوكية في الطريق نحو التحرر.
فقط المجتمع الحر يستطيع تحديد اهدافه ونضالاته.
المطلوب اليوم – ان نكون مجانين لخرق السقف الزجاجي السياسي الذي فرضناه على أنفسنا، علينا الارتكاز على الواقع السياسي كمحفز للنهوض، الثقة بأنفسنا وبمقدرتنا على فرض رؤيا سياسية مغايرة تسمح لنا باستيعاب الطاقات الشبابية الموجودة و للانطلاق نحوها بكل قوانا وافكارنا وخططنا.
المطلوب التحرر من القيود السياسية والتحجر الفكري الذي لا يسمح لنا بالتحرك سنتيمترًا واحدًا نحو هذا الجنون.
وبما اننا في مأزق سياسي يتطلب منا الجرأة للخروج منه، يجب علينا اعادة التفكير في مشروع الدولتين الذي لفظ انفاسه بعد 20 سنة من محاولات تطبيقه، والانطلاق نحو دراسة مشروع الدولة الواحدة وانواعها.
طبعا والخروج من "الشعار" نفسه الى تحليل واقع الدولة التي نسعى اليها من اصغر التفاصيل الى اكبر التفاصيل.
لأن الشيطان يكمن في التفاصيل- هذا ما تعلمته من اوسلو.
من يقرأ هذه السطور قد يقول "مجنونة"!
أقول لكم - الجنون هو الضمان الوحيد للإبداع، لا يمكن ابدا ان نرضى بأن نكون ردة فعل للأحداث السياسية الراهنة في الوقت الذي لا نملك به أي ادوات فعلية للتأثير على الواقع الجغرافي. هذا هو الخطأ الاستراتيجي الذي نقع فيه دائما. الانجرار وراء الواقع يسرق منا القدرة على التفكير الى الامام، بينما مجابهة الواقع ومعرفة نقاط ضعفنا وقوتنا، تسمح لنا بخلق رؤيا سياسية مغايرة نتحدى بها الواقع.
وبالمناسبة، نُعت كل من مارتن لوثر كينغ، جمال الدين الافغاني، مانديلا، غاندي، مهاتير محمد وهرتسل- بالجنون.
اعود للجملة التي استوقفتني:
"قاتلنا بسواعدنا اولا وبقلوبنا ثانيا لأننا آمنا بأننا على حق، ولم نقاتل بعقولنا".
العقل والاجتهاد الفكري هي آليات النضال التي نملكها وهي الضمان الوحيد للخروج من المأزق السياسي الذي ندور به دون أي وجهة.
صياغة رؤيا سياسية بديلة وواضحة ترتكز على معطيات الواقع واحتياجات المصالحة التاريخية في سياق المضطهِد والمضطهَد هي الطريق للخروج من دائرة "تذويت الاضطهاد" وملاءمة انفسنا لمتغيرات لا سيطرة لنا فيها على أي شيء.
وهنا تكمن قوتنا كأقلية تعيش في اطار ما يسمى "دولة"- وتملك تجربة مدنية واسعة تستطيع من خلالها الخروج من جمالية الخطاب والحلم بكل ما يخص الوطن الى مرحلة بناء الوطن الذي يتسع للجميع.
باختصار شديد من يملك الرؤيا يملك المستقبل.
قد يهمّكم أيضا..
featured

أسئلة برسم الإجابة لدى قدومي

featured

مِنَ الهُوية إلى الهاوية

featured

تصعيد استيطاني قادم في القدس

featured

"القبّة الحديدية"

featured

سلوك مزدوج: نظام "هناك" وفوضى "هنا"

featured

ماذا يحدث في البحرين؟

featured

لذكرى رفيقنا سليمان بركة

featured

إنه التجهيل وليس "الاختلاط"!