رمز الحضارة

single
زارني قبل عشرين عاما تقريبا، رجل عربيّ أوروبيّ لم أعرفه من قبل يحبّ الأدب ويعشق القصة القصيرة وعرض عليّ أن يصدر لي مجموعة قصصية على شريط وبصوتي معتقدا أن الناس يسمعون أكثر مما يقرأون، وأن الاستماع أسهل للمرء من القراءة، وأن الفرد يستطيع أن يستمع الى القصة من الشريط مثلاً وهو يقود سيارته بينما لا يستطيع أن يقرأ سطرا واحدا في أثناء السياقة وذكر لي أن التجربة نجحت مع شعراء معروفين ويرغب بأن يجرّبها مع قصّاصين، وقد وقع اختياره عليّ، وذكر لي، من باب الاغراء،أن الشريط سيوزّع في العالم العربيّ وفي عدد من الجامعات في العالم، وما عليّ الا أن أختار القصص التي أحبّها وبعدئذ يتم التنسيق مع أحد الاستديوهات.
   أدهشتني الفكرة العصرية، يومئذ ولكنني أعتذرت عن تنفيذها لاعتقادي بأن القصة تكتب للقراءة أولاً، وأن القارئ الجيّد، الذي هو ناقد جيد وذوّاقة جيد أيضا، يستطيع في أثناء القراءة أن يبحر ويتبحّر في الجملة وفي العبارة وفي الكلمة وأن يعيد قراءتها وأن يتابع الحدث ونموّ الشخصية وأن يتوقف عند الصور والحركات والحوار الى غير ذلك من مكوّنات الفن القصصي. وأظن بأنني اعتقدت بأن الصوت بقوته ونبرته وجماله وحسن اخراجه وتجويد قراءة العبارة وابراز الاستفهام والتعجب سوف يطغو على المتعتين الفنيّة والفكريّة اللتين يقدّمهما العمل الأدبيّ للقارئ وتتحول القصة عندئذ الى صوت وبخاصة اذا صاحبت القراءة موسيقى تصويريّة.
   ظننت بأني نسيت تلك الفكرة أو ذلك الاقتراح الذي عبرت عليه أحداث عديدة وكثيرة في حياتي لولا أنني استمعت بشوق وبشغف قبل أيام الى حوار ممتع في برنامج "بدون رقابة" في التلفاز اللبناني LBC مع الموسيقار الموهوب عمرو مصطفى، المعروف عربيا وأوروبيا، بموسيقاه وبألحانه وبأغنياته، والذي لحّن عددا كبيرا من أغاني عمرو ذياب وسميرة سعيد ونوال الزغبي ويلحّن في السنوات الأخيرة لمطربين مشهورين من تركيا واسبانيا وفرنسا.
   قال الفنان عمرو مصطفى بأنه لا يفكر بالوصول الى مستمعيه عن طريق التلفزيون أو الاذاعة أو الديسك لأن هذه وسائل غير عصرية ولا تصلح للسنوات القادمة، أي بعد خمس الى عشر سنوات، وأن الوسيلة الحديثة للاستماع اليه هي الانترنت والفيسبوك والايفون وحينما سألته المذيعة: لمن تقدّم موسيقاك؟ أجاب: للأجيال العصرية من سن الثانية حتى جيل الخامسة والأربعين، هؤلاء الذين يتعاملون مع الانترنت.
   وجدت نفسي مستثنى من جمهوره وتساءلت بقلق:ماذا سيكون مصير القصة والرواية والقصيدة في السنوات القادمة؟
   قرأت عن روائيّ عربيّ أصدر روايته الاخيرة قبل أسابيع بالانترنت فقط احتجاجاً على الناشرين العرب وقد يكون على حق بذلك ولكن هل يغني الانترنت واخوانه وأخواته وعماته وخالاته عن الكتاب؟!
 هل ستنعى السنوات القادمة الكتاب رمز الحضارة وصديق الانسان منذ قرون عديدة،منذ اليونانيين والبابليين والفراعنة وحتى اليوم؟  وهل يعدُّ المخترعون جنازة للكتاب؟
 وهل سيقول قرّاء اليوم: واكتاباه!!
 أشك في ذلك.. وأما اذا حصل ذلك، لا سمح الله، فالويل للبشرية من هذا المصير!!
قد يهمّكم أيضا..
featured

المطلوب مصادرة السلاح المنتشر في مجتمعنا العربي

featured

مواقِعُ أراضينا ومدلولاتُها (30)

featured

هل للنّقود رائحة؟

featured

يا أهلاً بالمعارك..!

featured

النضال ثم النضال ثم النضال

featured

كلمة السلام ترهب الاستعمار

featured

من المُخجل أن تُغّيَب المرأة عن ملفات ولجان المصالحة