حينما حمي وطيس معركة الانتخابات الرئاسية في جمهورية بيرو في هذا العام سألوا الكاتب البيرونيّ الكبير ماريو بارغاس يوسا الحائز على جائزة نوبل للآداب: أي واحد من المرشحَين الاثنين ستختار في صندوق الاقتراع لرئاسة الجمهورية في بيرو؟ فأجاب بمرارة وبحدّة: تمامًا مثل الاختيار بين مرض السرطان وبين مرض الايدز.
كان الكاتب الكبير في ورطة صعبة وقاسية فأيّ قرار يتّخذه ثقيل بل أثقل من جبل بازلتيّ أقرع على كاهله وعلى ضميره.
ولعله تساءل في أثناء ورطته: أي المرشَحين أقل ضررا وأقل سوء وأيهما أخفّ على الشعب ألما ووجعا وأيهما سيكون الكارثة الكبرى للوطن وللشعب؟ ولمّا وجد نفسه في مواجهة الأسوأين شاهد السرطان والايدز فقال ما قاله.
لا يستطيع الكاتب الكبير، ضمير الشعب، أن يلعن الذين أوقعوه في هذه الورطة ويشتم الزمن الرماديّ أو الأسود ويتهرب من المعضلة ويلجأ إلى بيته أو مكتبته أو حانته أو عشيقته بل عليه أن يختار واحدا من اثنين لا ثالث لهما فهو مثل الشاطر حسن بطل الحكاية الشعبية الذي قالت له الغولة العجوز ذات الشعر الأشيب والعينين الناريتين والأثداء الحمر التي تتدلى وتكاد تمسّ التراب " أمامك دربان يا ولدي : درب توخذ ما تجيب ودرب تبلع ما تشبع " ولا شك بأن حاله أفضل من حال الشاعر أبي فراس الحمدانيّ حينما وقع في كمين العدو البيزنطيّ وكان أمامه خياران صعبان:
وقال أُصَيحابي الفرار أو الرّدى
فقلتُ هما أمران أحلاهما مُرُّ
فالشاعر الفارس الأبيّ لا يقدر أن يتحمل وصمة عار الهرب ولن يختار الموت في معركة غير متكافئة ولا مجال فيها للقتال وللفروسية وكان عليه وهو في هذه الورطة الصعبة أن يتّخذ القرار الأصعب:
ولكنني أمضي لما لا يعيبني
وحسبك من أمرين خيرهما الأسرُ
وقد كان أبو فراس على صواب وفي أسره أبدع قصائده الجميلة الروميات.
وكان وما زال الرجل الفلسطينيّ ذو التجربة الغنية إذا ما وقع في ورطة من هذا النوع يقول: ماذا أفعل؟ إذا بصقت إلى فوق فعلى لحيتي وإذا بصقت إلى تحت فعلى لحيتي أيضا.
وأذكر وتذكرون معي أننا وقعنا في ورطة ماريو بارغاس يوسا في العقد الأخير من القرن العشرين عندما كان علينا أن نختار لرئاسة الحكومة بين شمعون بيرس القادم إلينا من مجزرة قانا وبين بنيامين نتنياهو الحيروتيّ اليمينيّ المتطرف وفي مرة أخرى كان علينا أن نختار بين الجنرال ايهود براك وتاريخه الدمويّ في بيروت وتونس واكتوبر وبين الجنرال شارون وتاريخه الدمويّ في غزة وبيروت وصبرا وشاتيلا أي علينا أن نختار بين السيئ وبين الأسوأ فماذا نفعل وكلاهما من الصنف الثاني ؟
وضعتنا الثورة الليبية في ورطة فنحن مع الثوار ومع الثورة ونحن ضد القذافي وأولاده ونظامه الدكتاتوريّ. وكانت عساكر القذافي تتقدم إلى بنغازي والثورة في خطر كبير وناصرت أمريكا وأوروبا الثوار وقصفت قوات القذافي ونحن نعارض التدخل الأجنبيّ الذي تفوح منه رائحة النفط. فماذا نختار؟
لم يقف الكاتب البيرونيّ يوسا يومئذ على الحياد بل اختار أحد المرشحين.... وكلاهما مرّ
