ينشط العالم الإسلامي كل عام، لكي يبرز خصوصية وتميز شهر رمضان المبارك عن بقية شهور السنة. فترى المسلمين يحسبون الأيام المتبقية لحلوله؟! وما ان يحل حتى ترى البهجة والسرور والغبطة منتشرة على طول وعرض المجتمع بأكمله. فالزينة تبدأ في المنازل وتصل إلى الأماكن العامة في كل بلد وقنوات التلفزيون تلبس حلة جديدة من الأنوار فتقدم برامج خاصة وفعاليات يغلب عليها الصحوة والإيمان أو الفكاهة والكوميديا والمسلسلات أو الأمسيات الخاصة واللقاءات عبر الشاشة الصغيرة وكلها لزيادة السرور والفرح عند الناس!!
بالإمكان الانتباه إلى حيوية المجتمع! فأينما ذهبت تستقري الشعور الخاص عند الناس فما كان يمكن تجاوزه قبل رمضان لا يصح السماح به في هذا الشهر المبارك. فيوم العمل مثلا قد قصر راحة للصائمين! ونفسية العمال تميل إلى الهدوء والى التزهد.. حركة المشتريات في الأسواق وفي المحلات التجارية على أنواعها مزدهرة. يكثر الناس من ارتياد دور العبادة وإقامة شعائرها. كل هذا يحدث إلى ان تحين ساعة الإفطار!! تهدأ الحركة ويجلس الصائمون حول موائد الإفطار.. وهنا لا بد من إبداء بعض الملاحظات حول بعض السلوكيات التي على الغالب تُعمل بحسن نية أو تعبير عن فرحة فاعلها بالشهر الكريم وتبعاته ومدلولاته! ولكن هيهات .
1. عن النبي الكريم قوله: "من لا يترك قول الزور والعمل به.. فليس لله حاجة في ان يترك طعامه وشرابه" لذا فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن تناول الأكل والشراب بل هو نهي عن الانحرافات السلوكية وعن السعي بالشر بين الناس!! فالسلوك القويم شرط من الشروط لقبول الصيام.. فما أطيب ان يمتنع المسلم عن الانخراط في الشرور كما يترك طعامه وشرابه...
2. ليس هنالك اكبر من إبداء الشعور الإنساني تجاه إخوتنا الناس بحيث نلتفت إلى حاجاتهم نهتم ونحاول ان نفرِّج كربَهم!! وكما ذكرت في البند الأول حبذا لو مارسنا عادة الاهتمام بسعادة غيرنا ومددنا له يد العون المادي والمعنوي فنساعد بذلك على انتشار الرضى بين مختلف طبقات المجتمع ولو في شهر رمضان على الاقل، فقد يشعل فينا هذا السلوك غيرتنا على بعض وتعاوننا في كل مجالات الحياة!
3. حديث نبوي آخر يقول "صوموا تصحوا" وصدق رسول الله (صلعم)، فالصحة التي يعتبرها البعض تاجا على رؤوس الأبرياء.. لا تتوفر ما دام يفرط الإنسان في تناول الأكل والشراب، بنهم ودون الالتفات إلى الضرر الصحي من هذا الأكل أو ذاك. وحديث آخر "للصائم وجبتان وجبة السحور ووجبة الإفطار وفي كلتيهما يتوجب عليه الأكل ولكن بخصاصة!!" و"المعدة بيت الداء" كما قال الرسول (صلعم) فهلا حافظنا على معدتنا وأجسامنا ولنتذكر ان حكمة الصيام تقوم على تجويع الجسم لكي نشعر كلنا مع الجياع والمحرومين طوال السنة.
لا حاجة للموائد الفخمة ولنكتفِ يوميًا بطبق واحد عليه أكلة واحدة وبكمية تكفي الصائمين.. فليس هناك أبشع من رمي الطعام الزائد في الزبالة. التجارب ترينا ان الجسم الذي جاع طول النهار يشبع بسرعة.. فالأكل مقدس ومحرم علينا الاستهتار به ورميه في الزبالة.
4. في كل مجتمع ما يكفيه من المشاكل والخلافات، ولا نستطيع إنكار ما يدور في مجتمعنا العربي من مشاحنات ونزاعات داخلية. كانت وما زالت في جوهرها مصدرًا لجميع ما يمر به مجتمعنا من عنف وشذوذ. فالعبادة لا تتفق مع التعامل أو التفكير أو الإحجام عن منع الشر. فمهلا يا أحبتي على الأقل في هذا الشهر!!
5. أساليب التعبير عن البهجة والسرور متعددة والمناسبات السارة عندنا لا حصر لها. وفي شهر رمضان المبارك تزداد الفعاليات البهيجة فليكن تعبيرنا عنها بالمشاركة فيها بالإطراء عليها بتكرارها، ولكن حذارِ من دس المفرقعات والنار بين وسائل التعبير عن فرحتنا فيها. فالنار لم تكن ولا مرة صديقة للإنسان.. بل أعدها الله تعالى لتكون مأوى الأشرار والفاجرين.. دعونا نبتعد عن التعامل بالمخاطر، فالمفرقعات نار وقد تصيب من يتعامل بها، فهي مزعجة وترعب الأطفال وتقلق النيام والمرضى.. سواء كانت بعد الإفطار يوميًا أو استقبالا للحجاج أو المعتمرين أو ابتهاجا بالعيد أو لأي مناسبة.. ولتكن بعيدة عنا. عندئذٍ نحظى بالسلامة والهناء. وكل عام وأنتم بخير.
(دير الأسد)
