ما زال من المبكر، في هذه المرحلة على الأقل، التكهّن بحقيقة النوايا وراء تصريحات وإيماءات الإدارة الأمريكية حول استهداف تنظيم "داعش" داخل الأراضي السورية. ففي سياق السياسات الاستعمارية، فإنّ خلق تنظيم مثل "داعش"، أو غضّ الطرف عنه، أو تشجيعه، أو استخدامه، أو الحدّ من نفوذه، أو ضربه، أو إضعافه، أو القضاء عليه، أو التذرّع هو المتحوّل. أما الثابت فهو المصالح الإمبريالية المطلوب خدمتها في هذه المرحلة.
ومن نافل القول أنّ ما يحرك واشنطن بعيد جدًا جدًا عن القيم والأخلاق والمبادئ، أو الحرص على سلامة الشعوب أو سلامة أجزاء منها. هناك مصلحتان أمريكيتان عظميان في منطقتنا، تُشتق منهما كل سائر المصالح والغايات، والاستراتيجيات والتكتيكات: الأولى هي مصادر الطاقة وخطوطها، والثانية هي ما يسمى "أمن إسرائيل". هذا هو الثابت.
ويبدو، حسبما يرشح من تصريحات وتحليلات، أنّ تنظيم "داعش" قد خرج عن الدور الذي تصوّرته له الولايات المتحدة وحلفاؤها وأدواتها في السعودية وتركيا وقطر. أو أنّ تمدّده اليوم هو جزء من استراتيجية جديدة لإخراج الولايات المتحدة من أزمتها المتجسّدة في فشل مشروع إسقاط سوريا والعراق وتفكيكهما، وفي ارتدادات وكلاء هذا المشروع وأدواته الإرهابية على دول أخرى في المنطقة، وعلى المصالح الأمريكية فيها تاليًا.
إنّ من يريد مكافحة الإرهاب عليه أن يجفف مصادر تمويله وتسليحه وإمداداته البشرية. وقد اتخذت الأمم المتحدة مطلع الشهر الجاري القرار 2170 لفرض عقوبات على قادة "داعش" و"جبهة النصرة"، والذي اعتبرته سوريا "إيجابيًا" وإن جاء "متأخرًا". وجاء تصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم أمس لتؤكد أنّ أي تحرّك في هذا الإطار يجب أن يحترم السيادة السورية.
ويذهب بعض المحللين إلى أنّ واشنطن قد تكون مضطرة لتغليف اعترافها بشرعية القيادة السورية بيافطات "مكافحة الإرهاب"، لتبرير استدارتها من اعتبار هذه القيادة "جزءًا من المشكلة" إلى اعتبارها "جزءًا من الحل"، في إطار تسوية شاملة تحفظ لأمريكا ماء وجهها..
()
