ثورات وأوهام: هكذا ابتلعت أميركا الديموقراطية

single
  • ينظر العديد من المثقفين العرب الحقيقيين، غير المُزَوَّرين وغير النيوليبراليين، برعب كبير، لكن إلى الأمام هذه المرة، إلى المستقبل، وليس إلى الخلف كملاك التاريخ، فيما العاصفة تقذف المنطقة العربية كلها بعنف نحو المستقبل. ينظرون برعب إلى المستقبل متوجسين بشدة من كارثة امكانية انتصار قوى الثورة المضادة النامية باطراد وبأشكال مختلفة وبدعم غير محدود من الغرب



"الخبز أولاً، ثم الأخلاق"، قال برتولد بريخت، في  "أوبرا البنسات الثلاث".


الكلمات «شهود تتحدث أحياناً بصوت أعلى وقعاً من الوثائق»، يقول المؤرخ إريك هوبزباوم في «عصر الثورة: 1789 - 1884». ولهذا فإن الكلمات الإنكليزية التي اخْتُرِعَتْ أو اكتَسَبَتْ معنى حديثاً في عصر الثورة الأوروبية (1789 - 1884)  مَثَّلَتْ «ليس انتصار «الصناعة» بحد ذاتها ولكن الصناعة الرأسمالية؛ ولا للحرية والمساواة عموماً، بل للطبقة الوسطى وللمجتمع «البرجوازي» الليبرالي؛ ولا «للاقتصاد الحديث» أو «الدولة الحديثة»، بل للاقتصادات والدول في منطقة جغرافية معينة من العالم».
الكلمات بهذا المعنى، ليست محايدة ولا يمكن أن تكون، بل هي، كمجالات للصراع السياسي، الاقتصادي، والأيديولوجي، أيضاً أدوات هيمنة اجتماعية وسياسية بامتياز. وفي عصر الثورات العربية (2010 -)، أصبحت الكلمات، بالذات، أكثر أسلحة الثورة المضادة الفتاكة فعالية وتأثيراً. وليس هناك، طبعاً، كلمة سائدة هذه الأيام يمكنها أن تعكس وتؤكد حكمة المؤرخ الفذ هوبزباوم، وتتمتع بفعالية وتأثير كسلاح فتاك جداً للثورة المضادة أكثر من مصطلح «الديموقراطية الليبرالية» كما يُبَشِّرْ بها الليبراليون الجدد من المثقفين العرب، فيما شعوبهم صارعت أصلاً لاستئصال نموذج الاستعمار الجديد والتبعية والاضطهاد الذي يؤسس له تحالف النخب العربية الاقتصادية والسياسية الحاكمة مع نخب ومؤسسات رأس المال العالمي المتوحشة.
هذه المحاولة تناقش مفهوم «الديموقراطية الليبرالية» كما يرددها ببغاوات النيوليبرالية وبائعو الأوهام العرب (الكَلَمَنْجِيَّة، كما كان يصفهم الراحل أحمد فؤاد نجم) أملاً بالإضاءة قليلاً على إحدى آليات الصراع التاريخي في الوطن العربي، وأيضاً لتأكيد فشل هذا المفهوم الغربي النشأة والتاريخ للتعامل مع، أو حتى طرح، الأسئلة المهمة المتعلقة بالجذور الاجتماعية والاقتصادية للانتفاضات العربية من جهة وطرح سؤالي التجزئة ودمقرطة جهاز الدولة وعلاقته بالاقتصاد. فلم تكن مشكلة العرب - عشرات الملايين من الفقراء منهم على الأقل - يوماً غياب الانتقال السلمي للسلطة بين شرائح النخبة، بل الترتيبات الاقتصادية والاجتماعية التي يعمل جهاز الدولة على حمايتها وإعادة إنتاجها بالقوة والعنف إن تطلب الأمر. في الحقيقة، وكما سأحاول أن أبيّن هنا، إن كل الجدل الدائر الآن في صالونات النخب وارتفاع وتيرة الرطانة الليبرالية عند شريحة من المثقفين العرب، تؤكد أنّ هذا النوع من الديموقراطية التي يبشرون بها ليست أكثر من أداة ثورة مضادة لإعادة إنتاج الاستبداد الاقتصادي والاجتماعي وإعادة إنتاج التبعية للغرب الرأسمالي عبر صيغة حكم جديدة لا تمس أسس النظام السياسي الاقتصادي مطلقاً ولا تطرح سؤال التقسيم الاستعماري لبلادنا الذي هو في أساس أغلب مشاكل مجتمعاتنا منذ 1811 والهجوم الاستعماري على مشروع محمد علي التوحيدي.


*تشاؤم العقل*

هكذا وصف والتر بنجامين لوحة بول كِلي «انجلوس نوفيس» (الملاك الجديد) في «أطروحات حول مفهوم التاريخ»:
«عيناه مفتوحتان على وسعهما، فمه مفتوح إلى آخره أيضاً، وجناحاه ممدودان إلى نهايتهما. هكذا بالضبط يجب أن يبدو ملاك التاريخ: وجهه يتجه نحو الماضي. وحيث نرى نحن سلسلة من الأحداث، يرى هو كارثة واحدة فقط، حيث تتراكم بلا توقف أكوام من الأنقاض بعضها فوق بعض وتقذفها العاصفة باستمرار أمام قدميه. يود لو يتوقف للحظة، يتريث، ليوقظ الموتى وليجمع ما قد تحطم. لكن عاصفة تهبّ من السماء بقوة هائلة يعجز بسببها عن إغلاق جناحيه (أو عينيه ويرى كل شيء). العاصفة تدفعه بقوة هائلة لا يمكنه مقاومتها نحو المستقبل (فيما وجهه متجه إلى الماضي وظهره الى المستقبل)، بينما كومة الأنقاض أمامه تتراكم وترتفع بعلو السماء. ما نسميه تقدماً، هو بالضبط هذه العاصفة» (الأطروحة التاسعة).
بعد ثلاث سنوات على انطلاقة الثورات العربية، لا يستطيع المرء إلا أن يحسد ملاك التاريخ، رغم كل المشاهد المرعبة التي تنتجها حركة التاريخ وتضعها أمام عينيه، ورغم رؤيته للماضي والدمار فقط، حيث وجهه للخلف وظهره للمستقبل ولا يرى إلى أين تقوده العاصفة. فبعكس ملاك التاريخ، وحتى بعكس العبقري والتر بنجامين، رغم كل تشاؤمه، ينظر العديد من المثقفين العرب الحقيقيين، غير المُزَوَّرين وغير النيوليبراليين، برعب كبير، لكن إلى الأمام هذه المرة، إلى المستقبل، وليس إلى الخلف كملاك التاريخ، فيما العاصفة تقذف المنطقة العربية كلها بعنف نحو المستقبل. ينظرون برعب إلى المستقبل متوجسين بشدة من كارثة امكانية انتصار قوى الثورة المضادة النامية باطراد وبأشكال مختلفة وبدعم غير محدود من الغرب.
وفيما هم ينظرون إلى الأمام، إلى المستقبل، لا يرون فقط تراكم ركام الدمار الهائل الذي قد تخلفه عملية التاريخ (كملاك والتر بنجامين) بين أقدامهم، بل، ولا يشكل كل هذا الدمار حتى مصدر الفزع والقلق الوحيد، أو حتى الأهم لهم، رغم كارثيته ورغم الألم الكبير الذين يدمي قلوبهم كل يوم على الضحايا من الأطفال والنساء والفقراء، وقود المعركة الأساسي. فما يرعبهم أكثر هو احتمال انتصار قوى الاستعمار الجديد (النيوليبرالية) التي لم تكتف بهجمات مضادة فتاكة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بل واستخدمت السلاح الأكثر فتكاً على الإطلاق، أوهام الأيديولوجيا التي يرددها بائعو الأوهام ليل نهار على شاشات الفضائيات – هؤلاء يشبهون بائعي ومزيني البضائع المستخدمة والفاقدة الصلاحية وليسوا مثقفين. دورهم هو الغش والخداع والتسويق لأكثر الأفكار الهدامة على الإطلاق. ما يقلق، وحتى يخيف حد الرعب، هو انتصار هذه القوة الشريرة التي سترهن مستقبل أبنائنا وأحفادنا كما رهنت حياتنا وحياة أجدادنا وآبائنا لأكثر ظواهر التاريخ المعاصر وحشية.


*استعمار جديد*


العاصفة الراهنة بدأت في أواخر عام 2010 كثورات اجتماعية - سياسية واعدة، وبجذور وأسباب اقتصادية - اجتماعية، ميزها انتشار الفقر وازدياد اللامساواة بفعل تبني النموذج النيوليبرالي المتوحش، وأيضاً بجذور جغرافية - سياسية، أسّس لها تقسيم استعماري لوطننا العربي منتجاً ليس فقط «الكيان الصهيوني الاستيطاني» الذي مزّق جغرافيا الوطن العربي، بل أسّس هذا التقسيم للتبعية للخارج الاستعماري وأسّس أصلاً لبنية اقتصاد نيوليبرالي متوحش ما كان ممكناً من دون هذا التقسيم. هذه الجذور للثورات، التي لا يمكن أن تغفلها العين أو تشكك فيها، أطلقت العنان في ذات الوقت لأكثر قوى التاريخ المعاصر وحشية على الإطلاق، للاستعمارالجديد بالطبعة النيوليبرالية. وكما يبدو، حتى الآن على الأقل، لم يكن التاريخ العربي المعاصر ولا الطبقات الشعبية الثائرة في الوطن العربي جاهزَين أو قادرَين على مواجهتها. طبعاً، ليس هناك شيء عربي خاص يفسّر عدم الجاهزية هذا، وبالتأكيد عدم الجاهزية هذا ليس ثقافياً أو تقنياً على الإطلاق. بل لم يكن بإمكان أي من شعوب دول الجنوب منفردة مواجهة هذه القوة الشريرة المتوحشة. السبب بسيط: تغيير المنطقة العربية، بسبب الزمان والمكان، يحوي في طياته تغيير العالم.
السبب الآخر والمهم جداً أيضاً أنّ التقسيم الاستعماري سبّب تشوهاً جدياً في عملية تشكيل الجماعة العربية، أو الوعي القومي العربي. فالتقسيم أسس لكل الوطنيات المحلية بشكل يبدو نقيضاً لفكرة الجماعة العربية، وليس كنقيض للاستعمار أو الكيان الصهيوني، ويؤسس اليوم لأقبح أنواع الوعي المتخلف من الطائفية والمذهبية. ربما كانت المأساة الأكبر هنا، وبين كل شعارات القطر أولاً السخيفة، هي فكرة القرار الوطني الفلسطيني المستقل والشخصية الفلسطينية المستقلة التي لا تعبّر عن أكثر من أزمة المشروع الوطني الفلسطيني. فبرغم أهمية تصدّر الفلسطينيين الصفوف لمقاومة الكيان الصهيوني الاستعماري، كان تشكيل فكرة الشخصية الفلسطينية بعد هزيمة 1967 كنقيض للعروبة أساساً أو في مواجهة العروبة «المهزومة» برأيهم، وليس كنقيض للصهيونية. لكن ليست العروبة مجرد شعار، ولا وهماً ايديولوجياً. هي البديل الحقيقي والعملي، جغرافياً، تاريخياً، سياسياً واقتصادياً، لمواجهة المشاريع التي أنتجها التقسيم الاستعماري من قطريات سخيفة ومذهبية وطائفية قاتلة. كل صيغة أخرى مهما جَمَّلها أصحابها من مشرقيين ومغربيين ليست أكثر من تعاطٍ مع واقع أنتجه الاستعمار، فيما المطلوب العمل على تغييره.
يبقى أنه لو كان الأمر مجرد صراع بين الشعوب العربية الثائرة وبين نخبها الحاكمة المستبدة فقط لحسم الأمر، ربما، منذ العام الأول. لكن الصراع الذي فُرِضَ على الشعوب العربية (بسبب المكان والزمان مرة أخرى) هو صراع عالمي يحمل في طياته مستقبل المنظومة العالمية والعلاقات الدولية كلها – التسوية في سوريا هي موضوع مفاوضات وشد حبال بين القوتين الأعظم، روسيا وأميركا، كما يدلّ على ذلك تفاهم «جنيف 1» وتفاصيل احتمال انعقاد مؤتمر «جنيف 2»، والقوى العالمية والإقليمية ذاتها، تتصارع أيضاً في مصر وليبيا واليمن وفلسطين ولبنان وتونس والبحرين وغيرها. لم يكن بمقدور أي شعب يبحث عن حريته أن يكون جاهزاً لمثل هذه الظروف والتحديات على الإطلاق.
لكن، قد يكون من الصحيح القول، رغم كل ذلك، إنّ المعركة لم تنته بعد، وإنها ليست حتى قريبة من خط النهاية. وقد يكون صحيحاً أيضاً القول إنّ الثورة، بالمعنى الكلاسيكي، فقط (وفقط وفقط وفقط، حتى ينقطع النفس) هي الوحيدة القادرة على اجتثاث جذور أنظمة التبعية والتقسيم والاستبداد واللامساواة وإسقاط النظام (كما كان يردد الناس منذ البداية). لكن كما يبدو على أعتاب السنة الرابعة للانتفاضات، فإن قوى الثورة المضادة المتوحشة نجحت، حتى الآن على الأقل، في إعادة توجيه الثورات بعيداً عن أهدافها الاقتصادية - الاجتماعية الأساسية والطموحات الإقليمية للشعوب العربية.


(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

القبض على زمام المبادرة

featured

حكاية من بلدي: رحلة الى الجنة

featured

أجهزة الطرد المركزي لدى إسرائيل

featured

بين الدين والتدين

featured

الاعاقة السياسية!!

featured

من طرائف الانتخابات

featured

"مجنون" عاقل؟!!