اللص والبلطجي و.. جدعون ليفي!

single

تعوّد على الحرمنة منذ ولادته، ثم نما وكبر وبقي وفيا لطبعه وطبيعته، يستغل الظروف أفضل استغلال، فما أن تلوح في الأفق غنيمة ما، حتى ينقض عليها فارضا سيطرته عليها وملكيته لها. لم يكن يخاف أحدا، فصاحب الحق ضعيف، ثم إن من ورائه هو، بلطجيا قويا عنيفا يحمي مؤخرته ويدعمه. وعندما كان احد المسروقين يعجز عن الصبر والتحمل، كان يلجأ إلى البلطجي، لعله ينصفه وللإنصاف نقول إن البلطجي كان يفتي بإعادة بعض – لا كل – المسروقات، مقابل مساعدة المسروق للص في سرقة آخرين، أو على الأقل غض الطرف عن عمليات السرقة.
أليس الوضع في الشرق الأوسط يسير على هذه الشاكلة؟؟ من أقاصي الأرض جاءوا، بعد أن "أعطى من لا يملك لمن لا يستحق" – ورحمة الله عليك يا أبا خالد – لكنهم لم يكتفوا، بما قسم لهم بلفور ومجلس الأمن. كانوا يقدرون أن "أشراف" العرب سوف يتيحون لهم فرصة استكمال مشروعهم فتصبح حصتهم أكثر من النصف، وربما تصل إلى الكل. وكادوا ينجحون في ذلك لولا حفنة من شيوعيين ووطنيين، حالوا دون تفريع البلاد، وأقنعوا أهلها بعدم الاستجابة لدعوة المتآمرين عن وعي أو عن جهل. صحيح أن واويهم ابتلع منجل الأرض كاملا، لكن القضية ظلت هي القضية.
لم تنجح نظرية شيخ القبيلة العبري "الكبار يموتون والصغار ينسون". فعلا مات الكبار (ميتة طبيعية أو قتلا)، لكن الصغار "الملاعين"، ظلوا يحتفظون بخارطة البيوت والحوا كير والصبر والتين منقوشة في قلوبهم، ولم تنجح خطة شمير – هل تذكرونه؟ - في مدريد، بإلهائهم عن أهدافهم عشر سنوات عجاف، فها هي عشرون عاما إلا قليلا، قد مضت، فما وهنت لهم عزيمة ولا بدلوا تبديلا.
لم يرحل أهل البلاد كما كانوا يأملون ويخططون، تحملوا العذاب، ورشّ الملح على الجراح ولم يرحلوا، جعلوا عيونهم الجريئة تقتلع المخرز الحاد، ولم يرحلوا.
وعرفوا أيضا أن قفا النمس العربي لا يعطي دبسا، فاعتمدا على أنفسهم، تبنّوا حجارة بيوتهم المهمة، وراحوا يقاومون بها سلاحا حادا، لعلهم بهذه الحجارة يمنعون هدم بيت واحد، كانوا يقاومون بكل ما هو متاح لديهم على قلته وبساطته، وكان اللص يبطش بكل ما لديه من حديد ولؤم وفوسفور. آلوا على أنفسهم أن تستمر الراية الحمراء خفاقة وان "يطلعوا الفجر"، وحاول اللص إلهاءهم بإزالة حاجز هنا وحاجز هناك، لكن مطلب وقف الاستيطان أللصوصي، تمهيدا للحرية والاستقلال، بقي هو الغالب. ("رئيسنا" شمعون بيرس في زيارته لمصر يوم الثلاثاء السابع من تموز، "طمأن" مضيفه الرئيس مبارك، إن "المستوطنات فرضت واقعا جديدا لا يمكن تجاهله"، هز الرئيس المصري رأسه هزة، لم يفلح حتى المصريون في تفسيرها).
لعبة العض استمرت، وصاحب الحق واصل نضاله، مستقطبا تأييدا واسعا، ويبدو أن اللص أيضا، أحس بالضعف، فلا هو قادر على ابتلاع المنجل ولا هو قادر على قذفه. فماذا فعل؟
لم يتوجه إلى أصحاب الشأن والأرض ولا حتى إلى أدعياء مساندتهم، بل إلى البلطجي وراء البحار. فاوض الإسرائيلي الأمريكي على الحق الفلسطيني المسروق وللحقيقة، أبدى الإسرائيلي "أريحية ومرونة" واضحتين.
- مستعدون لوقف الاستيطان، لكن مقابل ماذا؟
حك الأمريكي جبينه وراح يفكر بصوت مسموع:
مقابل ماذا؟ مقابل ماذا؟ مقابل ماذا. آ. وجدتها!
مقابل فتح السماء السعودية (الأردنية مفتوحة من زمان) أمام طائراتكم الحربية التي ستغير على منشآت "محور الشر" الفارسي، وفتح المياه المصرية كي تمخر غواصاتكم مياه قناة السويس، في طريقها لقصف ذلك "المجرم" الإيراني المتمرد!
وبما أن الأدوار موزعة توزيعا ذكيا، فبإمكان بني سعود، أحفاد الشريف حسين، أن ينفوا ذلك، وبإمكان ورثة عبد الناصر تأكيد إصرارهم على منع السفن الحربية الإسرائيلية من عبور القناة!
يسمع صوت ذو شعبتين يسأل: وإذا حدث التحليق والغوص، فماذا نرد على شعوبنا المتربصة بنا؟
- بإمكانكم أن تردوا كيفما شئتم، طمأنهم المتفاوضون.
وبدوري اقسم لكم إن ردهم لن يكون مغايرا لرد قريبي على تاجر ملابس عكّاوي.
ذات يوم دخلت قريبة لي متجر الملابس. بحثت عما يعجبها فلم تجد، ثم خرحت من المتجر غاضبة بسبب كلمات تلفظ بها البائع. سألها قريبي عما جرى وأصر على الردّ، حكت له، وحاولت ثنيه خشية تفاقم الأمور. فأبى عليها. توجه إلى المتجر هادرا، صرخ بالتاجر المتحفز: "ولَك إنت بتعرف إحنا منين؟"
قال التاجر متوقعا وقوع عراك: "لا والله، منين بلا زغرة؟" فصرخ قريبي: "ولك إحنا من سخنين!"
طز، قال التاجر.
بهت قريبي وأسقط في يده، إذ لم يكن يتوقع تحديا كهذا، فضّل "السلامة البحتية"، التفت إلى قريبتي معاتبا بهدوء:
"أي أنت ملقتيش تعلقي غير مع هاذ"!!
لكن ذلك لا ينطبق على عرب ولا عجم، ممن لا "يضعون رؤوسهم بين الروس وينادون يا قطاع الروس". من هؤلاء جدعون ليفي.
هذا الصحافي اليهودي لم يتحمل مسألة أبسط من الاستيطان، وأصغر من الدولة الفلسطينية المستقلة. وعلقته "مع ثلاثة محامين من بني جلدته. مواطنون "صالحون" يحبون الدولة كثيرا. ربما ضاقت بهم تل أبيب وربما ضاقوا بها. وربما أفرزهم "النمو الطبيعي" حيث أقاموا لهم بيوتا على أراض "لا أصحاب لها"، فهل في هذا الكلام شيء؟
إذن لماذا هذه الحمية الزائدة؟ وما الداعي لمهاجمتهم في الصحف؟ أليس من حقهم أن يكونوا قضاة في المحكمة العليا، "درة القضاء الإسرائيلي؟! تخشى أن يظلموا الفلسطينيين؟!
ألا تخشى أن يسكتك "أشراف العرب" لأنك تتدخل في شؤونهم الداخلية.. ألا تخشى من دعوى يرفعها عليك هؤلاء الثلاثة؟
بصراحة، أنا أخشى أن يُزج بليفي خلف القضبان الحديدية الصدئة، فلا يجد، حتى من بيننا، من يزوده بالتبغ إذا كان يدخن، أو بالصحف والكتب، إذا ما بقيت عنده "نفس" للقراءة..
***


* تنقير *
أليس اشتراط "بدون شروط مسبقة" شرطا إسرائيليا بحدّ ذاته!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا يُعوَّل عليهم!

featured

ام الفحم موجودة قبل اسرائيل وقبل مستوطنة مي عامي

featured

حقوق العمال في إيران – ليس بواسطة الحرب

featured

ألمحارب المتسلّل

featured

مصر على أعتاب مرحلة جديدة..!

featured

هجمة أمريكية إمبريالية مجدّدة على أفغانستان

featured

يوم الارض بدونك؟

featured

الصدق في أقوالنا أقوى لنا