العنف آفة تفتك بن جميعًا
قسم من الأطباء من أبناء قريتي يعملون في مستشفى الجليل الغربي في نهريا.. احد هؤلاء الأطباء قال لي مرة: "إذا أردت ان تخجل من كونك عربيًا.. تفضل ورافقني إلى العمل في إحدى أمسيّات عملي في غرفة تصنيف المرضى (حيدر ميون) أو كما نسميها في لغتنا العربية غرفة الطوارئ.. هناك ترى ما هو مألوف لعينك وما هو من غير المألوف!
لاحظت أن صديقي الطبيب يقول قوله هذا والمرارة والحرج باديان على وجهه ويتابع: "طبعًا يبدأ عملنا في غرفة الطوارئ بعد الغروب.. نغوص في الليل ونقترب من منتصفه.. وما هي إلا ثوان.. حيث نستنفر جميعًا لمعالجة حالة جريح خطرة وصلت.. لحظات ونحيط كلنا بالسرير الذي ينام عليه الجريح.. نتفحص المرافقين له فنعرفهم من لباسهم ولغتهم وفي حالات معينة نتعرف عليهم من خلال علاقات شخصية مضت!! فهم بغالبيتهم عرب.. وعرب يتصرفون بعصبية بالغة يصرخون ويبكون.. وبعضهم يتوجهون إلينا مطالبين بإلحاح ان يعمل الطبيب ما في وسعه لإنقاذ الجريح.. نسمع طلباتهم ولو ان في بعضها تمتمة ومسبّة!! أما نحن فلا يشغلنا إلا محاولة قصوى لإنقاذ الجريح وتقديم كل ما نعرف له من اجل الحفاظ على حياته.. يشاء القدر ويتمكن الطاقم الطبي من إنقاذ الجريح من الموت.. ونفرح ويفرحون للمعجزة.. أما إذا لا سمح الله وكان عكس ذلك.. فالأمر هنا يختلف.. فالطاقم الطبي وجميع من في غرفة الطوارئ ينال جزاءه. واسال هنا هل كنا نحن المتسببين بموت هذا الجريح؟!! أو ذاك؟!! أما كان الاجدر بهم ان يسألوا.. كيف وصلنا هذا الجريح إلى هنا.. ومن هو المتسبب في ذلك!!.. من هو المتسبب في ان يصلنا هذا الجريح وقد أصيب بطعنة سكين بقرب قلبه؟!! أو ذلك الجريح الذي استقر في أحشائه عيار ناري لئيم!! أو الجريح من ضربة عصا أو ضربة بآلة حديدية صلبة وطبعًا فمجتمعنا ينظر إلى العصا باستخفاف أمام السلاح الناري ولكن في كل الحالات فقد يصل الجريح إلى المستشفى وقد فقد الكمية الكبرى من دمه فيصلنا غالبًا فاقد الوعي أو حتى ميتًا!!
"تعرفون أن وظيفة الطبيب تنحصر في معالجة المصاب وليس في تحري الأسباب والأشخاص.. ولكننا نتعرف عليهم فيما بعد لكوننا جزءًا من هذا المجتمع.. ونعرف أيضا ان جميع هذه الحالات نتجت عن طيش صارخ.. وعدم تفهم أمر هام وهو ان حياة الناس مقدسة"! يقول الطبيب ويتابع: "هل فعلا فكر القاتل بفعلته النكراء. وهل أقدم على الجريمة بعد ان استنفد كل الوسائل المشروعة من قتيله.. أقولها بملء فمي لا وألف لا.. فقتل الناس للناس جريمة نكراء لا يمكن تفهمها مهما كانت الأسباب".
عجيب أمر مجتمعنا وغريب، اسمحوا لي فانا لا افهم العنف الذي يطغى على مجتمعنا في هذه الأيام.. إلى هنا وانتهى كلام الطبيب صاحبي..
أما أنا فسأذكر لكم بعض ما قاله لي المرحوم والدي حول هذا الأمر، حيث قال: "كنا نسمع في أيامنا عن شجار بين بلد وبلد.. ونادرًا ما كنا نسمع من ان ذلك الشجار قد سبب موتًا للمشاركين فيه، فأكثر ما يمكن توقعه هو جرحى هنا وهناك.. نجري مراسيم الصلح وتنتهي المسألة"..
أما اليوم فالأمور اخطر.. فما ان تسمع عن ان شخصين تقاتلا حتى تسمع عن نتيجة القتال بينهما ثلاثة قتلى!!
أية حياة نعيش جميعًا في هذه الظروف المهينة الموجودة بيننا.. أصلحنا الله لما فيه خيرنا جميعًا..
(دير الأسد)
