لأنكم لا تتعلمون، ضد سياستكم

single

استفزتني كثيرا تلك الكلمات / التصريحات التي ادلى بها وزير الخارجية الامريكي جون كيري، والتي جاءت عشية مغادرته ورئيسه اوباما، عتبات البيت الابيض، في الايام القليلة القادمة، من ان نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس سيفجر الوضع في المنطقة برمتها ، والاعتراف الآخر دور روسيا في مكافحة الارهاب في سوريا ومنع تنظيم "داعش" الارهابي من الاستيلاء على السلطة ، طالما ان الروس حققوا نجاحا كبيرا في مكافحة الارهابيين، وتغيير مجمل الوضع في سوريا والمنطقة.
هل نزل الوحي على كيري فجأة والآن مرة واحدة، واصبح يتحلى بالجرأة الكافية للجلوس على كرسي الاعتراف؟ ام جاء الاعتراف كنقطة تنبيه لأسلافه من الجمهوريين بان عليهم وضع سياسات جديدة وعلى ادارة رونالد ترامب اعتمادها في حل قضايا منطقة الشرق الاوسط. ثم لماذا كل المسؤولين سواء كانوا امريكيين او اسرائيليين وحتى اوروبيين، عندما يكونون في رأس الهرم الحكومي وبيدهم السلطة والتحكم بالقرارات والاعترافات تراهم لا يتكلمون ولا يعترفون بالحقائق، الذين هم سبب مباشر في استمرار لهيبها وسفك الدم الى ما لا نهاية. وما اعتراف جون كيري الا ناتج الا عن فشل وقصر نظر وسوء تقدير للسياسة الامريكية في الشرق الاوسط ومتطلباتها واستحقاقاتها المتعددة. ام جاء الاعتراف بحقيقة الاقرار بقدرات الشعوب على مبارزة ومجابهة السياسة الامريكية التي تكيل بمكيالين، والتي تزرع الحقد والخراب والدمار وسفك الدم في بلدان الشرق الاوسط والعالم العربي بالذات.
إن ما يفجر الوضع في الشرق الاوسط هو ليس فقط نقل السفارة الى القدس. فالأوضاع هي دائما متفجرة والامريكيون هم المعنيون ان تبقى متفجرة على طول الخط. فالدعم الامريكي المستمر في كافة الاتجاهات لاسرائيل هو ما يجعل حكومة نتنياهو في وضع اقوى في التمادي على الحقوق الفلسطينية والعربية والضرب قرارات مجلس الأمن والامم المتحدة عرض الحائط، ثم اطلاق العنان لحكومة اليمين والاستيطان مع بداية العام الجديد ونهاية القديم. ان تعلن عن خطة استيطانية في ضواحي القدس وغيرها وترك الباب لغول الاستيطان وقوى اليمين بارتكاب المجازر من اجل تحقيق الاهداف الاستيطانية. ان نقل السفارة الامريكية الى القدس اذا حدث بالفعل ما هو الا علامة سوداء تضاف الى السجل الامريكي المخزي والمَعيب وغير العادل في المساندة العملية والعدوانية لحكام اسرائيل على حساب الحقوق العادلة والانسانية والشرعية للشعب الفلسطيني.
ثم اعتراف جون كيري، بان تدخل روسيا في سوريا قد منع داعش من الاستيلاء على السلطة، اليس هذا الاعتراف العلني والصريح بدور روسيا في مكافحة الارهاب عامة والداعشي خاصة التي رعته وسلحته وموّلته الولايات المتحدة واوروبا الغربية وحلفاؤها من العثمانيين الجدد في تركيا وبعض انظمة الفساد والقهر في كل من السعودية وقطر حلفاء امريكا في الخليج، وبمشاركة علنية واخرى سرية من حكام اسرائيل وعلى رأسهم نتنياهو دليلا على ذلك، ثم يا مستر كيري لماذا لا تعمل الولايات المتحدة وتقوم بتنظيف ايديها الملطخة بالكثير من الدماء في سوريا والعراق وفلسطين واليمن وليبيا وغيرها، تشبك ايديها مع الاخوة في روسيا ومع الرئيس بوتين وفي سوريا مع الرئيس الشرعي والمنتخب بشار الاسد وفي العراق مع رئيس الوزراء حيدر العبادي لاجتثاث بذور الارهاب من كافة مناطق الشرق الاوسط، وتخليص البشرية من هذا الوباء الذي اخذ يزحف في الفترة الاخيرة على صانعيه ومؤسسيه في الولايات المتحدة واوروبا الغربية وغيرها. اذ ساهمت الامبريالية الامريكية وحلفاؤها الاطلسيون وخاصة الفرنسيين والبريطانيين وبعض القوى الاقليمية الحليفة للسياسة الامريكية، من ان دعمها المباشر والمتنوع في رعاية ونشر الارهاب بكل اشكاله، وعن طريق استغلال الدين لخدمة الاهداف والمشاريع الاستعمارية الاستراتيجية للإمبريالية العالمية والامريكية على وجه الخصوص، قد جلب الكثير من المآسي والويلات لشعوب المنطقة والعالم.
ووضعها على شفا الهاوية وعرّضها هي نفسها او وضعت نفسها من غير رضاها في دائرة الاهداف والاستهداف الارهابي المنشودين سواء كانوا في سوريا او العراق. او في مرحلة عودة هؤلاء الى بلدانهم الاوروبية وغيرها في ان يمارسوا افكارهم التي تربّوا عليها من قبل مشغليهم من وكالات المخابرات الامريكية والاوروبية وغيرها.
الا يعرف المستر كيري وهو ادرى بالحقيقة ان عدم حل مشاكل المنطقة وبالأساس قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، وان قرنا كاملا من الدعم الامريكي المتعدد الجوانب والاهداف، والدفاع المستميت عن سياسة حكام اسرائيل، وان تجاهل حقوق العرب والمضي قدما في قمع واضطهاد دون تحقيق الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني، واستمرار الاحتلال الاسرائيلي الاخير في العالم، وتدنيس المقدسات واستباحة الدم العربي والفلسطيني بالذات. وتشديد التبعية الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية والحاقها بعملية الاقتصاد الغربي الامريكي في محاولة للهيمنة على خيرات العرب والشعوب عامة. الا يدرك الساسة الامريكيون وغيرهم ان هذه هي السياسة المتبعة منذ عشرات السنين تجاه الحقوق الفلسطينية والشعوب العربية، قد عمقت بدورها التقاطب الاجتماعي في بلدان الشرق العربي والاسلامي. واوجدت مثل هذه السياسة الارضية الخصبة لنشوء ردات فعل لنمو وتطور النضال الشعبي في مكافحة آفات الفقر والبطالة والازمات الاجتماعية والاقتصادية والذي ساهم في انتاجها اغلبية الحكام العرب، نتيجة لتشديد القبضة الحديدية وتزايد وتيرة القمع والظلم ومصادرة الحريات الفردية والعامة وانعدام اسس الدمقراطية وغيرها، بهدف حماية هذه الانظمة من غضب شعوبهم.
إن مثل هذه الاوضاع الصعبة والمأساوية فقد استغلتها في غير محلها السياسة الامريكية الاوروبية، لتصفية بعض حساباتها مع الانظمة والدول الوطنية التي لا تدور في فلك السياسة الامريكية، منذ فترة صدام حسين في العراق التي دمرته السياسة والآلة العسكرية الامريكية وتركته ينزف لعشرات السنين القادمة. وكذلك سوريا وليبيا واليمن وايران وحزب الله.
إن هذه القوى والدول ولأنها تقف حجر عثرة في وجه السياسة الامريكية الاوروبية والصهيونية ومشاريعها التصفوية في المنطقة، انتجت مثل هذه السياسة في سبيل اجهاض المشروع التحرري والتنموي والوطني لبعض الانظمة الوطنية التي لا تسير في التلم الامريكي، قوى ارهابية على شاكلة داعش وجبهة النصرة واحرار الشام وقبلها تنظيم القاعدة وعشرات التنظيمات المتشددة والتكفيرية المنشرة في المنطقة العربية. كلها تتسلح في كنف السياسة الامريكية وتتغذى مالا وفكرا وهابيا من اكثر الانظمة التي تحميها السياسة الامريكية. هذه الانظمة المعادية للدين والدمقراطية وحرية الانسان ولكل اشكال التطور والازدهار. هذه الدول التي ادخلت الى عقول الشباب والمجتمعات العربية مفهوم السنة والشيعة. والعلوي والعدو الفارسي من الشرق والخطر الايراني النووي. مما لم يخطر على بالها العدو الحقيقي الا وهو حكام اسرائيل واحتلالهم المدعوم امريكيا واوروبيا. وان الشعب الفلسطيني يتعرض منذ فترة طويلة ويوميا الى خطر الابادة الجماعية والالتفاف على حقوقه القومية والتاريخية.
إن دولا تصدر وتنتج وتمول وتسلح وتوجه الارهاب كالسعودية وقطر وتركيا كما تمارس اسرائيل سياسة ارهاب على مستوى الدولة والمجتمع ضد الشعب الفلسطيني. لم يفطن المستر كيري الى ان بلاده تقف على رأس قوى الارهاب في العالم. وان سياساتها واستراتيجياتها تصب في مصلحة السيطرة على الكون وان نشر الارهاب هو بعبع لإخافة الشعوب وضرب مصالحها ومحاولة تفتيتها للحيلولة دون الانتباه للخطر الحقيقي.
إن الاعتراف يا مستر كيري ولو انه جاء متأخرا وخارج دائرة السلطة والمسؤولية وبقايا الدبلوماسية، يعني هذا الاعتراف الكثير في نظر الساسة والشعوب التي تناضل وتجاهد من اجل الحرية والاستقلال.
حبذا يا سيد كيري لو يتعلم حكام اسرائيل من اعترافاتكم وفشلكم


(كويكات/ أبو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"جبهة النصرة» من «سي آي إي» إلى «فتح الاسلام»

featured

حرية الرأي والتعبير

featured

نحن "القوَّة الثالثة" في الكنيست "والقوَّة القومية الثانية" في الدولة!!

featured

الوضع الراهن يبرز اهمية الصوت الاممي

featured

صدى تصريحات عباس وهولاند في الصحافة الفرنسية

featured

منظمة التحرير كوطن الفلسطيني