بهجة البنفسج

single
بالضبط قبل 59 عامًا، يوم السبت 26 كانون الثاني 1952، نشب حريق هائل، اصطُلح على تسميته فيما بعد بـ"حريق القاهرة". وهكذا من الساعة الثانية عشر ظهرًا حتى ساعات مساء ذلك اليوم تم حرق حوالي 700 محل تجاري. أشارت التحقيقات أن النار قد أُضرمت في ثلاثين موقعًا بنفس الطريقة. حتى هذا اليوم مازالت هوية الفاعل مجهولة، ومازال الحريق لغزًا. 
اليوم، يعود التاريخ على نفسه. ولكن، كما قال هيغل، على شكل سخرية. المأساة، في يناير 1952، حينما شكّل الحريق حبل النجاة للملك فاروق لإنقاذه من غضب الجماهير التي خرجت للتظاهر احتجاجًا على قتل الضباط المصريين بيد الانجليز، هذه الجريمة التي نُفذت قبل يوم من الحريق. بعد الحريق ساد الذعر من حلة الحكم، وكان ذلك من أهم الأسباب لفشل التحرك الشعبي، آنذاك.
اليوم في المقابل فقد قررت الجماهير في مصر إقامة لجان شعبية لمواجهة أعمال البلطجيين، الذين تشير التقارير الصحفية أن قسمًا منهم جاء من صفوف زعران السلطة، وفي هذا المقام لا بدّ من السؤال: من أصدر القرار بفتح السجون المصرية وإطلاق سراح المجرمين، سوى من هو مستفيد من ذلك، واتضحت الصورة تمامًا، حينما طُلب من رجال الإطفاء أن يُخمدوا الحرائق، فلم يحركوا ساكنًا وأجابوا بأنهم لم يتلقوا الأوامر. 
هكذا إذًا، في اللحظة الحاسمة حينما فتش الجمهور عن من يحافظ على أملاكه وحياته، اختفت هذه القوات، وتُرك الجمهور فريسة للبلطجيين. في اليوم الثاني للثورة المجيدة، كان النداء الذي هزّ مصر، وشارك فيه كل محبي الحرية في العالم "ربنا يحميكِ يا مصر". 
ومن المعروف أن هنالك هتافا آخر ترددت أصداؤه وسمعناه منذ أن تفتحت أعيننا على الدنيا: "اصحي يا مصر!". فهذا المصري الراضي بنصيبه، الذي يتمتع بمقدرة هائلة على الاحتمال، هذا المصري الذي يتعامل مع الأحداث بإطلاق نكتة ورسم ابتسامة على وجهه لتغطي الهموم، والذي قال له عم بيرم: "ليه با بنفسج بتبهج .. وانت زهر حزين".. هذا المصري طولب بأن يستيقظ، وهكذا كان. 
كان ذلك بعد أن بالغ النظام في اختبار صبره. لقد توجه النظام الحاكم للشعب بخطاب متخِيّل، حسب شاعر الفقراء أحمد فؤاد نجم، قائلا: "احبك محشش مفرفش مطنش ودايخ مدروخ وآخر انسطال"، وفيما بعد، خاطب مبارك الشعب متوعِدًّاا: "حتقبل ححبك حترفض حلبك حتطلع حتنزل حجيبلك جمااااال".
وهذه هي القصة باختصار. لقد قال مبارك للشعب انه قائم للأزل: اليوم مبارك، غدًا جمال، وبعد غد ابن جمال ثم ابن ابنه. وجمال هو من جيل الأثرياء الجدد الذين يعِدُون، منذ الآن، بأن في حال تسلم جمال الحكم سيجعلون الناس تترحم على أيام مبارك. ووصل الأمر بأحد الصحفيين البارزين بأن صرخ في وجه هذا الجمال ، في عنوان على رأس الصفحة الأولى في جريدته: "ما تُسكت بأه"، بلهجة لا يستطيع إجادتها سوى الشعب المصري. 
وعلى شاكلة الدكتاتوريين قاطبة، المنقطعين عن شعبهم، فقد اقترف مبارك خطأ حياته، حيث من فرط حماسه لتكوين برلمان نظيف، جعل من الانتخابات الأخيرة مسخرة. وفي هذه الأثناء، امتلأت الصحف بالتقارير عن الفساد وعن بيع ثروات مصر بالمزاد العلني، يشترون الأرض من القطاع العام، بألف جنيه للدونم، ويبيعونها بعشرات الآلاف. كل الطرق أدت على طاحونة الثورة.
وهكذا فمصر وإن بدت أحيانًا نائمة، فهي دائمًا تحمل لنا المفاجآت. بالنسبة لنا هي أم الدنيا. لقد أحببنا هذا الشعب، أحببنا قادته، شعراءه وأدباءه وفنانيه، أحببنا لهجته. وأحمد فؤاد نجم الذي كالعادة يعبر عما يختلج في صدورنا حينما يقول لمصر: "الزمن شاب وإنت شابة.. هو رايح وانت جايّة". نعم. لقد جاؤوا يوم الجمعة الماضي. ربنا يحميكي يا مصر.
قد يهمّكم أيضا..
featured

جلال مدرسة جليلية

featured

محمد بركة – "يا جبل وطني ما يهزك ريح"

featured

مراجعة نقديّة لبحث "ما زلن خاضعات"

featured

ليرتفع صوتكِ يا "أم الدنيا" حرًّا قويًّا كما عهدناه!

featured

الراحة في التغيير

featured

النّصر على النازية انتصار للشعوب

featured

اتفاقية أوسلو والحق الفلسطيني