*كلمة السر لتكسير العائلية والرجعية وتطوير الثقافة هي تنشيط الاحزاب والالتفاف حول برنامجٍ من الافكار، وبرنامج الفكر هذا برأيي يلتقي في اغلب بنوده بين الجبهة والتجمع والوطنيين غير المحزبين في طريقهم لاختيار رئيس سلطة محلية وفي ممارستهم لرئاسة السلطة
قبله كنّا نردد الصمت امام وحش الخوف وامام اذناب الحكومة وكنا نعبد اوثان المخاتير ونهرب من المأساة الى بكوات العائلات وكنا نرى الوطن مساحة من الحرمان او حرمانا على ما تبقى من مساحة.. قبله كنا افعالا ناقصة في جملة الحوار العربي واداة نصب تستعملها اسرائيل لتفتح اواخر افعالها بخبث امام العالم. الى ان حضر شيء فشيء بيننا - حزب- هو الحزب الشيوعي الذي انجب في بعد كلمة النصر جبهة. ومعه: صار الصمت رعدا والمختار دمية والعائلة اسما والمأساة قضية، وتحولنا إلى مبتدأ في وجه اسرائيل والى خبر سعيد في اذاعات العرب. جاء فصرنا علّم فتعلمنا، ناضل فتجرأنا كتب وانشد فأوصل صوتنا، وعندما حاربوه اضطروا لاستعمال سم العائلية وعقد الطائفية ولم تكن النتيجة (قائد جديد للحركة الوطنية) بل جاء الجواب قاسٍ علينا وفرز مختارا وشرطيا وذنب حكومة. بكلمات اخرى تغييب الجبهة عن السلطات المحلية كان عودة الى ما قبل الجبهة.
جرى ما جرى ولا ارى ان الجبهة تقف في مكان العناد غير معترفة باخطائها بل اراها تنهض وهذا المهم، لكن -لحظة- ليست الجبهة فقط بل كل الحركة الوطنية في خطر! واذا كانت المنطقة تمر بتغيرات سريعة وخطيرة فإن الحركة والوطنية في فلسطين الداخل عاجزة على جميع الاصعدة من الوقوف عند السالب والتقدم نحو الموجب من المتغيرات. لهذا على جميع الحركات الاخرى وعلى رأسها التجمع الوطني الديمقراطي أن تعيد حسابات الامس من اجل التقدم مع الوحدة الوطنية الى غدٍ افضل.
ليس ضروريا برايي ان يكون رئيس السلطة المحلية ناشطا بالسياسة القطرية او صاحب سجل حافل بالمواقف، بل يكفي بان يكون مهنيا وصاحب ضمير وطني وتقدمي لكي يدفع بلده الى الامام، ومرشح كهذا من شأنه ان ينقل المعركة من معركة مركبة بين احزاب وفئات تستعمل الطائفية والعائلية والحاراتية، الى معركة بسيطة تضع التقدميين الوطنيين في جهة والعائليين الطائفيين والرجعين في جهة اخرى، بالضبط كما حدث في الناصرة عام 1975. وهنا اقدم مثالا يحكي نقاشا (بين فسوطة، القرية الجليلية الصغيرة وبين الناصرة المدينة الكبيرة عام 2013)، ففي فسوطة فاز مجمع للتقدميين والوطنيين المنتمين الى كل الحركات والفئات جبهة، تجمع، ابناء بلد. وهذا مثال جميلٌ حارب فيه التقدميين مجتمعين وحش العائلية، ليوصلوا شابا تقدميا وطنيا غير محزّب الى السلطة، لكن في الناصرة أبت العنجهيات ولم تسمح لحنين زعبي وعوني بنّا بأن يدعما الحزبي التقدمي وصاحب الضمير الوطني للحسم ضد المختار. وهناك عشرون ناصرة أخرى أدت فيها الحرب على الجبهة إلى خسارة التقدميين وفوز الرجعيين، حتّى أنّه في بعض الحالات كان يُدعم المختار أو الشرطي العميل في شكل مباشر ودون خجل حتّى.. كأن الجبهة هي العدو وكأن تدمير الجبهة انتصار.
أعود إلى البداية لأقول (وهذا واقع) ان الفئات والقوائم المحلية في القرى والمدن موجودة منذ اكثر من ثلاثين عاما (أي قبل ان تنشأ الحركات الوطنية الجديدة مثل التجمع والعربية للتغيير) ومرتبة بشكل عائلي وطائفي او نتيجة التقاء مصالح او التقاء فكري، وسياستها تتطوّر بدوافع تاريخية محلية ايضا، اضافةً الى الدوافع القطرية والاقليمية. لهذا فإن قوائم الجبهة ولأسباب تاريخية هي القوائم التقدمية المركزية في انتخابات السلطات المحلية العربية قطريا، لهذا فان اي ضرر بهذه الجبهات المحلية يعني ضررا بالحركة الوطنية التقدمية ككل، والعكس صحيح.
أخيرا لا اقلل من اخطاء الجبهة وأؤكد أن كلمة السر لتكسير العائلية والرجعية وتطوير الثقافة هي تنشيط الاحزاب والالتفاف حول برنامجٍ من الافكار، وبرنامج الفكر هذا برأيي يلتقي في اغلب بنوده بين الجبهة والتجمع والوطنيين غير المحزبين في طريقهم لاختيار رئيس سلطة محلية وفي ممارستهم لرئاسة السلطة، هذا ما اثبته لي النقاش مع الرفاق والاصدقاء من الاحزاب الاخرى خلال التجربة في وفسوطة. ولكن يبقى السؤال: هل فسوطة صدفة أم مثال؟ وهل تدمير الجبهة صار بندا في برامج باقي الحركات؟ فحربهم صارت حول قيادة الجماهير العربية ولم تعد من اجل الدفع في قضيتنا الى الامام.
(حيفا)
