منح قانون التنظيم والبناء لعام 1965 وزير الداخلية الإسرائيلي دورًا بارزًا ومهمّا قي قضايا التنظيم والبناء. يتمثل هذا الدور في الأساس بقدرة وزير الداخلية اتخاذ قرارات جوهرية شتى تمس مصالح الفرد، البلدة، الإقليم أو حتى البلاد قاطبة. في مقالتي الموجزة هذه أود أن أفصل جزءا من أبرز الصلاحيات التي يتمتع بها وزير الداخلية حسب قانون التنظيم والبناء، ولأبيّن أن القرارات التي اتخذها وزير الداخلية لم تكن موضوعية وعادلة في أحيان كثيرة.
بداية، وزير الداخلية هو الوزير المكلف بتنفيذ قانون التنظيم والبناء، وقد خوله القانون لهذا الغرض بسن الأحكام والأنظمة التي تتعدى موضوعاتها الثلاثين موضوعًا. من بين هذه الموضوعات ترتيب إجراءات إصدار رخص البناء، تخطيط المباني والشوارع، تنفيذ المخططات وتنفيذ أوامر الهدم الصادرة حسب القانون. وفي هذا الشأن، يستطيع وزير الداخلية إصدار التعليمات أو الأنظمة التي من شأنها أن تحسّن الحال التنظيمية السيئة في البلدات العربية في داخل الخط الأخضر وتخفف بذلك من ظاهرة البناء غير المرخص. ولكن وزير الداخلية لم يقم بذلك الى اليوم لأسباب غير مقنعة. بالمقابل، نجد أن أحد القرارات التي اتخذها الوزير مؤخرًا في هذا المجال كان تجميد إيداع المخطط الهيكلي الجديد لمدينة القدس بادعاء أنه يخصص حسب رأيه كمية كبيرة من وحدات السكن للأحياء الفلسطينية في شرقي القدس! وزير الداخلية نفسه كان اقترح أيضًا قبل نحو أسبوع قرارًا يشرّع المبنى الاستيطاني في حي سلوان في القدس المحتلة (المدعو "بيت يهونتان") ويبطل قرارات الإغلاق الصادرة بحقه من المحاكم الإسرائيلية!
ثانيا، يستطيع وزير الداخلية أن يعلن عن منطقة ما "منطقة تخطيط محلية" تكون لها لجنة محلية للتنظيم والبناء. وكذلك يستطيع أن يعلن عن منطقة ما "منطقة تخطيط خاصة" تكون لها لجنة "خاصة" للتنظيم والبناء، وهي لجنة يقيمها وزير الداخلية، عادة، لإقامة بلدة جديدة أو لتوسيع بلدة قائمة. وفي هذا المضمار أنوّه أن اغلب البلدات العربية تتبع الى لجان تنظيم محلية-منطقية وأن عدد البلدات العربية التي تعمل سلطتها المحلية بصفتها لجنة محلية للتنظيم والبناء (كالناصرة مثلا) يكاد لا يذكر. ذلك أن وزير الداخلية أراد ويريد لأكثر البلدات العربية أن تتبع مع بلدات يهودية أخرى الى لجان تنظيم محلية منطقية، فلا تقدر السلطة المحلية العربية أن تدير أمور بلدتها التخطيطية بنفسها. يذكر أيضًا أن الوزير لم يُقم منذ قيام دولة إسرائيل إلى اليوم، حسب ما أعلم، أية لجنة تنظيم خاصة لإقامة بلدة عربية جديدة واحدة، بل قام بذلك مئات المرات لإقامة بلدات يهودية جديدة وسط المناطق العربية، كان آخرها إقامة "لجنة التخطيط الخاصة كتسير-حريش" من أجل توسيع مستوطنتي كتسير وحريش الواقعتين في منطقة وادي عارة بغية توطين مئات العائلات اليهودية المتزمتة.
ثالثا، إن أكثر أعضاء لجان التنظيم والبناء المحلية واللوائية والمجلس القطري للتنظيم والبناء يُعيَّنون حسب قانون التنظيم والبناء من قبل وزير الداخلية. وفي هذا الشأن أنوّه إلى غياب تمثيل حقيقي لعرب البلاد في هذا المؤسسات عبر سنين طويلة، بل إن التمثيل الحالي للعرب في هذه المؤسسات لا يصل أدنى درجات التمثيل المقبولة في الدول الديموقراطية.
رابعا، يستطيع وزير الداخلية أن يعلن أن تصديق مخطط ما منوط بموافقته. عندئذ لا يمكن لمؤسسة التنظيم التي بحثت المخطط ان تُصدّقه إلا بعد أن يُصدِّق الوزير المخطط أو بعد أن تنقضي مدة ثلاثين يومًا دون أن يعطي الوزير خلالها قراره بشأن المخطط. وفي هذا الشأن أنوّه أن سياسة الوزير غير ثابتة ومحددة، إذ نجد أن الوزير كان اعلن عن مخططات هيكلية بسيطة جدا أنها مخططات توجب موافقته, بيد انه لم يقم بذلك إزاء مخططات هيكلية تحمل تأثيرًا جمهوريًّا واسعًا كالمخططات الاستيطانية في القدس الشرقية المحتلة.
خامسا، يستطيع وزير الداخلية أن يمنح جسمًا جمهوريًّا أو مهنيًّا حقا دائمًا في الاعتراض على المخططات الهيكلية التي تودع لاعتراضات الجمهور. وفيما يتعلق بعرب البلاد فإن الوزير لم يمنح هذا الحق، حسب ما أعلم، سوى "للمركز العربي للتخطيط البديل". لا شك أن المركز العربي يستحق هذا الحق لأنه متخصص في قضايا التنظيم والبناء بل هو من أعمدة نضال شعبنا لنيل حقوقه في الأرض والمسكن والعيش الرغيد. مع ذلك، توجد أجسام عربية أخرى في البلاد يستطيع الوزير أن يمنحها أيضًا هذا الحق، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من تأثير شعبنا في اتخاذ وفي بلورة القرار التخطيطي الذي يؤثر في مصالح المواطنين العرب.
سادسا، يستطيع الوزير أن يمدّد الفترة المحددة في القانون، وهي ثلاث سنوات فقط، لتقديم دعوى تعويضات للجنة المحلية للتنظيم والبناء من قبل صاحب أرض يدعي أن قيمة أرضه انخفضت جراء تصديق مخطط هيكلي يشملها أو يشمل أرضا تجاورها. وحسب القانون، على الوزير ألا يمدد هذه المدة إلا لأسباب خاصة عليه ذكرها في قراره. وفي هذا المضمار لا يخلو الفقه من قرارات اتخذها وزير الداخلية في هذا المجال تشكك في سلامة وعدالة المعايير التي راعاها الوزير حتى يقبل أو يرفض طلبًا لتمديد فترة الدعوى.
في الحقيقة، يوجد غير سبب سياسي وقضائي يتيح لوزير الداخلية أن يمارس صلاحياته بشكل واسع على النحو المذكور. على المستوى القضائي، أجد أن إصدار تعليمات عادلة ومحددة من قبل المستشار القضائي للحكومة لتوجّه الوزير كيف ومتى يستعمل صلاحياته في مجال التنظيم والبناء، هي إحدى الطرق التي من شأنها أن تضيّق الحرية التي يتمتع بها الوزير في اتخاذ قراراته، وهي في أية حال ستكون مصدرًا يمكن الاستناد إليه أمام المحكمة لمهاجمة كل قرار سيتخذه الوزير بخلاف هذه التعليمات.
*يعمل الكاتب أيضا محاضرا لموضوع التنظيم والبناء في كلية الحقوق في الجامعة
العبرية بالقدس.
