في مطلع نيسان 1948، غادر أستاذ شاب، ابن الثامنة عشر، قرية دالية الكرمل قاصداً بنك باركليز في حيفا ليصرف شيكًا بقيمة راتبه، "كان راتبًا غير عادي. مرة ونصف عن الراتب العادي.. وفهمت لاحقًا أن الزيادة في هذا الراتب هي مقابل النصف الأول من شهر أيار، الذي ينتهي في الخامس عشر منه حكم الانجليز".. فيما بعد، وفقط، بعد أن غادر دالية الكرمل، التي تبعد عدة كيلومترات عن حيفا، اتضح له إن الدنيا أصبحت دنيا ثانية، فقد قرر الاستعمار الرحيل تاركًا شعباً بأكمله فريسة أطماع ووحشية الصهيونية.
"وفي عدة أحداث واجهتها في قادم السنين، بعد أن كبرت تذكرت تلك العصفورة الأم وكان نموذجها يفرفر في فكري وضميري، فلم أخن واجبًا ولا هربت لأسلم بريشي عندما كان الخطر يحدق بمن ورائي" |
وهكذا فهذا الاستعمار الذي ساهم إلى أقصى الحدود في هدر حقوق الشعب الفلسطيني، والاستيلاء على أرضه وتشريد شعبه، لم يتنازل عن دقته المعهودة، في احتساب أجرة نصف شهر لمستخدميه في سلك التعليم، فإذا اتصف هذا الاستعمار بهذه الدقة فأكثر ما هو مستبعد عنه أن لا يكون قد قدر ما سيجري وراءه، وحين جرى ما جرى، كانت جنوده في عرض البحر، بينما الشعب الفلسطيني يواجه أقسى تجربة يمر بها شعب على وجه الأرض، تجربة التطهير العرقي.
كان هذا الشاب، نمر مرقس، شأنه شأن مئات الآلاف من الشبان الذين تفتحت عيونهم بينما أحلامهم الشخصية والوطنية تتحطم في خضم الواقع الرهيب.. هذا ما نقرأه في كتاب نمر مرقس النفيس "أقوى من النسيان" الذي صدر قبل حوالي عقد من الزمن (صدر عام 2000)، ولكن كل كلمة فيه، برغم بعد الزمن هي آنية جدًا، وهي عبرة ووصية لشعب ما زال حتى يومنا يواجه بشجاعة آثار تلك المؤامرة المستمرة حتى يومنا هذا.
.. بعد ذلك، بعد أربعة أشهر على النكبة، كانت تلك والدة نمر مرقس التي قالت، "ألله يلعن الانجليز ما أنجسهم لوين وصلونا".. "وراحت تحكي كيف وهي بنت في أول صباها، اشتركت مع رفيقات من عمرها برحلة إلى حيفا رتبتها لهن الستات الإنجليزيات..(البعثة التبشيرية التي سكنت قرية كفرياسيف ونشطت فيها وبجوارها) وأخذنهن إلى الميناء حيث كانت في انتظارهن الست الانجليزية الكبرى، التي كانت تسكن حيفا واسمها مس نيوتن. وفي الميناء كانت ترسو سفينة إنجليزية، عليها عساكر بحرية. وشرحت لهن مس نيوتن أن هؤلاء من جيشنا –جيش بريطانيا العظمى- وأننا –الانجليز- سنحتل هذه البلاد ونعطيها لليهود حتى نعجّل مجيء المسيح." (ص 103)
كان ذلك "ضابط البوليس في قضاء عكا المدعو شويلي أبو خضر المشهور بتنكيله بالمواطنين العرب" الذي "صار يحمل مسجلا- ترانزستور- مع أشرطة سَجّل عليها مختارات من خطابات جمال عبد الناصر، ويقطع الشارع وساحات عكا القديمة متبخترًا، ورافع مسجله إلى أعلى حد، يُذيع منه تسجيلات لخطابات عبد الناصر التي تهاجم الشيوعية والشيوعيين و"الاستعمار السوفياتي"!! وصار هو أيضًا قوميًا عربيًا محروقًا" ص(189).. واليوم الدور على "المتقومجين الجدد" لبث نفس الأكاذيب. |
هذه هي قصة الشعب الفلسطيني، شعب بسيط، ببساطة وطيبة جيل والدة نمر مرقس، يواجه قوى شريرة، بالغة الخبث والقوة، لتنفذ فيه مؤامرتها الرهيبة، وكتاب نمر مرقس هذا "أقوى من النسيان"، بتفاصيله الصغيرة، قبل الكبيرة، هو وثيقة إنسانية حية، بل ضاجة بالحياة وبرفض الظلم وبالقدرة المذهلة على تحسس النور في غياهب المستحيل، من قبل مجموعة بشرية تُركت وحيدة تدافع عن وجودها وكرامتها وحياتها.
كتاب نمر مرقس، بالإضافة إلى كونه عرضًا شاقًا ومؤلمًا لما واجهه هذا الشعب، فالكتاب هو أنشودة حياة لشعب بطل، يخرج من أتون النار واقفاً على رجليه.. وكان الخيار واضحًا، منذ اليوم الأول، أن يقف على رجليه، مواجهًا.
تفتح الفجر
فلسطين الجميلة تُبعث بقامتها الجميلة في كتاب نمر مرقس، فلسطين المفعمة بأريج يتفتح فيه الفجر، فجر فتى قادم للحياة، والكتاب ممتلئ، حتى الثمالة، بفسيفساء الحياة الفلسطينية في القرية؛ بساطة الحياة، المبيت ما بين السماء والطارق في مقثاة البطيخ، حيث يجذبه "منظر حبات الندى المزرزر على ورق البطيخ أو البندورة أو الشمام، فأُقَرمِز أراقبها كيف تتلألأ بشعاعات الشمس الأولى. أهز ورقات النبات برفق لأشهد تدحرج حبات الندى وتمازجها في سقوطها، وأتطلع إلى قرص الشمس المطل من وراء جبل "العريض" و"قرن الحناوي"، وأجول بنظري نحو شماريخ جبال الجليل الغربي التي تحتضن سهل عكا.. وأتملى بحر الزيتون الذي يطوق قريتنا وجاراتها بخضرته الداكنة العميقة.. بهذه اللوحة من الجمال الجليلي كان يرتوي البصر ولا يمل" (ص 18) وفي قادم السنين عندما كان يزور موسكو، الاشتراكية آنذاك في العام 1962، غنى زميله في الوفد ، عطا الله شوفاني، أغنية وديع الصافي المشهورة "جنات عامد البصر"

الرفاق (من اليمين): طيب الذكر سليم القاسم، طيب الذكر رمزي خوري، نايف سليم، نمر مرقس وحنا ابراهيم. خلال دراستهم الحزبية في موسكو- 1967.
في الكتاب هنالك تفاصيل هي بمثابة حجارة الطريق، كما يُقال بالعبرية، بدونها لا يمكن تلمس حياة الفلسطينيين في فجر هذا القرن، وهذه الأصالة في الوصف لا يتمكن منها سوى من عاش روح الأشياء وليس ظاهرها الخارجي فقط،؛ في بناء البيت الذي كان مكونًا "من ثلاث معازب بقناطرها وإسطبل للدواب ومن فوقه سدة".(ص 12) "وفي طرفه الشرقي تصطف خوابي الزيت الراشوية والطليانية.. وعلى السدة فوق الإسطبل تنام الأختان.. ومن مياه الشتاء في البئر الملاصق لحائط بيتنا الغربي كانت العائلة تأخذ حاجتها للطبخ والغسيل والاغتسال". (ص 13)، "أما مؤونة السنة من الحطب فكانت الأم ترتبها رزمة فوق رزمة كسياج على جوانب حكورتنا القريبة من ساحة الكنيسة" (ص 14).
وفي بداية القرن الماضي، انفتح باب الرزق، في كفر ياسيف، بوصول بعثة تبشيرية انجليزية قامت ببناء مسكن "للستات والخواجات" وفيما بعد أسميت "دار الستات" فهذا البناء فتح أبواب العمل أمام الأهالي، بما في ذلك جد نمر مرقس الذي كان يعمل على تزويد الحجارة لهذا المشروع الكبير في مقاييس تلك الأيام.
خالتي مياسة
أشياء كثيرة أثرت على حياة هذا الفتى المتفتح في ساحات كفر ياسيف، ولكنه يعيش حالة متفردة، حتى بين أقرانه، فيتساءل في طفولته، بمرارة: "لماذا ليس لي مثل ما لهم (الأطفال الآخرون ع.ب) أعمام وأخوال" (ص7)، والإشارة الهامة التي يوردها بشأن أعمامه وأخواله جديرة بالدراسة: "ويتذكر (أي والد نمر مرقس ع.ب) إنه عندما كان طفلا سافر أخوان له – جاد وذيب- إلى الأرجنتين والمكسيك" (ص 7). وفي مكان آخر يقول: "فأخواها (أي أخوا والدة نمر مرقس ع.ب)، اللذين لم أعرفهما هاجرا مثل أخوي والدي إلى أمريكا، إلى البرازيل أيام حكم الأتراك.. وكان الجد قد دفعهما إلى المهاجرة خوفًا عليهما من عسكرية الأتراك" (ص 7).
ويظهر إن الهجرة في بواكير القرن الماضي انتشرت بشكل كبير كما كان الأمر في سوريا ولبنان وفلسطين، ومن المثير إنه لدى مطالعة روايات لأدباء من أمريكيا الجنوبية يمكن تلمس هذا الوجود الشرق أوسطي، وخاصة اللبناني السوري، في حياة هذه الشعوب، وتأثير هذه الهجرة على الحياة هناك.
ولعل هذا الشعور بالأقلية، بأنه فرد مقطوع من شجرة، ساهم في بلورة شخصيته العصامية وفي تماثله مع الطبقات الضعيفة في المجتمع، ويخبرنا نمر مرقس إن والده كان يردد: "إنما أصل الفتى ما قد حصل"، ويظهر إن عدم وجود شجرة عائلة للعائلة، مثل تلك التي يتباهى فيها آخرون من أصحاب الحسب والنسب، قد دفع والده، رب العائلة، إلى العمل العصامي من اجل إثبات نفسه في التراتبية الاجتماعية شديدة الصرامة في عصر كان طابعه الأساسي هو الطابع الإقطاعي. ولأمه تأثير كبير عليه، فهي التي ترافقه ، وتكون إلى جانبه دائمًا.
وفيما بعد يتولاه هذا الشعور الممض بالحزن جرّاء الفقدان، فأخوه الذي يكبره قد توفي بعد عدة شهور من ولادته (ص6)، ويظهر أن وفاة الأطفال في سن مبكرة، كانت ظاهرة منتشرة، وقد سمعتُ عن الكثير من هذه الحالات في العائلات الفلسطينية، ويمكن التقدير بالطبع أن السبب الرئيسي لذلك هو تخلف الرعاية الصحية في فلسطين، في ظل الحكم التركي وفيما بعد الانجليزي.
"كان يني يني أشبه بفرع مقطوع من شجرة. لم يكن ابنًا لحامولة أو عائلة.. اسمه يدل على أصله اليوناني، والده جاء إلى فلسطين في القرن التاسع عشر وسكن في بلدنا وتزوج منها ورزق به وبأخ وأختين.. لم يسأل أهل بلدنا عن أصله وفصله عندما ولّوه رئاسة مجلسهم المحلي.. وجدوه قدّ المسؤولية فسلمّوه القيادة.. لم يقل طاهر الفاهوم، وحنا نقارة وشكري الخازن وعبد الغني السعيد وحسن البكري ومحمد طاهر يونس ومحمد الشريدي وإميل توما وعثمان ابو راس ومحمد مشلب عندما اختاروه ومعهم آخرون من ممثلي المواطنين العرب، رئيسًا للجبهة الشعبية في العام 1958، هذا من أصل يوناني، وهو فوق ذلك مسيحي، ولذا لا يصح أن يكون رئيسًا للجبهة، كانت أخوة الكفاح هي السائدة وليست التجارة بالسياسة". |
ونمر مرقس، بالالتفات إلى مؤشرات صغيرة، يشير إلى النزعة الوطنية المغروسة عميقاً في وجدان هذا الشعب، ففي وصفه لحياة الطفولة يقول: "كانت لنا خالة ثانية، أخت لأمي، لا من أقاربها ولا من دينها. كانت عزيزة عليها بشكل خاص، نشأتا في نفس الحارة.. صديقتان الروح بالروح، تلك كانت خالتي مياسة التي تلبس نقابا ابيض كالثلج وليس منديلا كالذي على رأس أمي.." (ص 9).
ومن الماضي البعيد، في منتصف القرن التاسع عشر، يعود إلى ومضات مشرقة في تاريخ هذا الشعب، فقد عرفنا من الكتاب إن والدي جد نمر مرقس، قد جاؤوا من إحدى القرى في لبنان الواقعة عند أقدام جبل الشيخ، وإن رحيلهم جاء في أعقاب ثورة "الستين"، ستينات القرن التاسع عشر، هذه الثورة التي حولها مبعوثو الانجليز والفرنسيين إلى اقتتال طائفي، ولكن، يقول الكاتب "المدهش في تصرف هؤلاء الأجداد إنهم في هروبهم إلى الجليل حطوا رحالهم في قرية جولس- جارة بلدنا- التي كل أهلها من الطائفة التي كانت تقاتل طائفتهم في لبنان- كما كان شائعاً- طائفة الدروز الموحدين" (ص 8).
"لومك على من خان"
في هذه البيئة تبلورت شخصية نمر مرقس، وهنالك حدثان راسخان في وجدانه، ويظهر إنهما مؤشر لشخصيته التي تبلورت فيما بعد؛ فعندما كان فتى يصطاد العصافير.. "فوجئنا بعصفور حميري يرفض الطيران هربًا منا، طار وابتعد قليلا وعاد إلى مكانه القريب منا وفي ابتعاده وعودته كان يزعق زعيق المرعوب.. يرفرف ويشوبق بالقرب من الزيتونة التي نقف عندها.. مددت نقيفتي وأطلقت بحصة منها نحو العصفور فسقط بلا حراك، فجرت البحصة رأسه.. بعد لحظات اكتشفنا على الزيتونة التي وقفنا بقربها عشًا لهذا العصفور، فيه ما زالت فراخه غير القادرة على الطيران بعد. ففهمنا عندها سر استقتال هذا العصفور. كانت أم تذوذ عن بيتها وصغارها، بكل ما وهبتها الطبيعة من وسائل فقُتلت وهي تدافع.. هل كان بإمكانها أن تترك أولادها وتهرب سالمة بريشها؟ هل يمكن لقلب الأم أن يسمح بتصرف نذل كهذا؟" (ص 23-24)
فإذا كان نمر نرقس بعد هذا العمر يذكر هذه الحادثة بتفاصيلها، فهذا يعني أنها حُفرت عميقًا في وجدانه، وأصبحت مرشده في الحياة: "وعدت للبيت حزينًا مكمودًا، وكانت تلك آخر طلعة لي لصيد العصافير... وفي عدة أحداث عشتها وواجهتها في قادم السنين، بعد أن كبرت تذكرت تلك العصفورة الأم وكان نموذجها يفرفر في فكري وضميري، فلم أخن واجبًا ولا هربت لأسلم بريشي عندما كان الخطر يحدق بمن ورائي" (ص 24)
والأمر الآخر هو تلك الأغنيات التي سمعها (قبل أكثر من سبعين عامًا)، من فونوغراف، زوج خالته، العم أبو الفضل، الذي اشتراه من الشام، حيث استمع فيه لأغاني مطربي تلك الأيام.. ولعل الموال الذي كان له الأثر الأكبر هو موال أسمهان: "يا ديرتي مالك علينا لوم.. لومك على من خان".. وسألت في ذلك العمر عن معناه وفسروه لي فعرفت أن الخيانة عار، وانخرط في قلبي الكره الذي لا هوادة فيه للخيانة والخائن" (ص 29).
والخيانة تواجه نمر مرقس، خلال اعتقاله، عندما بان أحد العملاء، من ابناء قريته من خلال الشباك، يرشد الشرطة إلى بيته، وفي مواقع أخرى، يوقعون بأبناء شعبهم، وهذه الخيانات المحلية، بالإضافة لخيبات الأمل المتواصلة، وخاصة بعد الركون إلى وعود، اتضح بسرعة مدى كذبها، قد نحتت في نفوس الفلسطينيين هذا النفور من الخيانة وكل ما يمت لها بصلة.

على عين الماء في كفرياسيف، في الخمسينيات
بين "التغريبة" و"باب الحارة"
ومن الوضع في القرية الفلسطينية ينتقل للحديث عن الوضع في المدينة الفلسطينية، في عكا، ولا بد لنا هنا من ملاحظة الفرق بين الواقع الاجتماعي بين القرية والمدينة، وهذا ما لاحظته في مسلسل "باب الحارة" حيث نشهد هناك وضعًا خانقًا للمرأة، مقابل ما شاهدنا من الدور المتقدم للمرأة في مسلسل "التغريبة الفلسطينية". يقول نمر مرقس: "في قريتنا أيام الدراسة الابتدائية، لم تكن النساء والصبايا يتحجبن. والاختلاط بين الجنسين لم يكن محظورًا وخاصة في مناسبات الفرح وأيام الأعياد. وعلى الدروب المؤدية إلى عين الماء كان الشباب يتلطون ليلتقوا بالصبايا في ذهابهن إليها ورجوعهن منها لنقل الماء إلى بيوت أهاليهن. ولم يكن أحد يعتبر ذلك خروجًا عن المألوف والممنوع" (ص 67).. بينما، عندما كان يتعلم في عكا الثانوية الحكومية "كنا نشتهي أن نرى وجه صبية أو امرأة. الحبرات السوداء كانت تغطي وجوه النساء" (ص 67). ويتساءل: "هل التمدن يخترع طبيعة جديدة للأشياء؟ فلماذا هذا التعقيد المنافي لطبيعة الإنسان؟" ( ص 67) و"لذا"، يقول، " لم يكن صدفة أن يتجمد عشرات التلاميذ.. عندما كانت تمر.. شابة جميلة بجانب ضابط انجليزي.. كانت تلبس ثياب التنس.. فتخلب ألبابنا بمفاتنها.." (ص 67)
باركوا للمشايخ جاءهم قطروز جديد
ونمر مرقس يتحدث عن الإقطاع، ليس بالجمل الكبيرة الجاهزة، بل من خلال مؤشرات أصيلة وبسيطة بالغة الدلالة، فهو يتحدث مثلاً عن قرية مجاورة لكفر ياسيف، "كان ثلاثة من أهلها يملكون نصف أراضيها، من سهل ووعر وكروم زيتون، وهم مشايخها، ويعمل معظم أهلها في خدمة المشايخ.."، وهنا نصل إلى هذا الوصف في تقسيم العمل بشكل مكثف ومعبر عن جوهر التقسيم الطبقي: "حراثون،، قطاريز، مساعدون للحراثين، رعاة، حصادون وحصادات، شيالون، دراسون، فراطو زيتون وجوالات، نكاشون ونكاشات، كناسون وكناسات".. وأكثر من هذا فـ"الصغار منهم يلتحقون بالكبار حالما يبلغ الواحد منهم أو الواحدة منهن، العمر الذي يمكن فيه تأدية عمل مفيد في ورشة العمل الزراعي المتنوع هذا".. ولذلك وبتعبير بالغ الإشارة، يورد ما قاله أبو يوسف حينما باركوا له بولادة الصبي، فرد عليهم: "روحوا باركوا للمشايخ جاءهم قطروز جديد" (ص 34)، لا أبلغ من هذه الجملة في وصف الجمود الاجتماعي وانغلاق الطبقات الاجتماعية بشكل مطبق، في ذلك العصر.. ولعل المهن الواردة في الأسطر أعلاه بحاجة إلى دراسة أشمل لمعرفة طبيعة الحياة في فلسطين في ظل هذا النظام الاجتماعي الذي خنق الحياة والتطور فيها.
نصب تذكاري لشهداء معركة الليات
هنالك عدة أوجه في إضراب ال36، فمن جهة هذا الإضراب وما رافقه من نضال مسلح بطولي أربك الاستعمار، ويتحدث نمر مرقس عن الحياة في ظل الثورة، وفي قدرتها على فرض نفوذها بين الأهالي، وفي هذا الجانب يتساءل الكاتب وهو يشاهد مواقع للذكرى في بلدان أوروبا الشرقية، تخليدًا لأبطال شعوبهم، لماذا لا يتم إقامة نصب تذكاري لشهداء معركة "الليات" الواقعة على شارع عكا صفد غربي مجد الكروم؟
من جهة ثانية يتحدث الكتاب عن تدهور الوضع النضالي بعد تحول الثورة إلى الصراعات الشخصية والمنافع الشخصية، وهنالك في أوساط الجيل الذي عاصر أحداث هذا الجانب من الثورة ألم حقيقي وجروح غائرة، لم يمحها الزمن، بسبب التجاوزات الخطيرة في زمن الثورة، وفي الكتاب أمثلة مؤلمة عن ذلك، ومن بينها محاولة اغتيال الشخصية الوطنية يني يني.
والأمر الثالث طبعاً هو صمود الأهالي، في ظل هذا الإضراب الذي مس بأرزاقهم، ويتحدث الكاتب بشكل مباشر عن عائلته.
"هل نتاج نمر مرقس يعد من أدب المقاومة؟ لدى الشهيد غسان كنفاني الجواب، يقول نمر مرقس إنه فوجئ بعد سنين وهو يقرأ كتاب غسان كنفاني "أدب المقاومة" إنه اقتبس كامل النبذة عما نشره في جريدة عن "حكاية المجدلاوي، واعتبرها من أدب المقاومة" "قرر أبو توفيق (فهد توفيق شحادة) توزيع الاتحاد في الشارع الرئيسي بصورة تظاهرية.."نادى أبو توفيق أولاده الثلاثة الكبار العاملين معه في زراعة التبغ بالأرض المتاخمة لساحة العين أيامها.. وحمّل كلا منهم- وكانوا فتيان بين الرابعة عشر والسابعة عشر- طورية أو منكوشا ورزمة من أعداد الاتحاد وقال لهم سيروا معي. عليكم أن تمروا في الشارع أمام هذا الحيوان بالضبط. وإذا اعترضكم وأسمعكم كلامه الوسخ استعملوا ما بأيديكم دون انتظار مني، وأنا سأكون في ظهركم.. وتمت العملية وفقًا للتخطيط تمامًا، وعندما وصلوا أمام بن يتسحاق ووالدهم من ورائهم، أدار ذاك وجهه الممتقع وكأنه لا يراهم.. وكانت تلك ضربة المعلم، وسرى خبرها بين الناس، فانتعشوا.. الشيوعيون باقون على العهد كما عرفناهم". |
والأمر الهام في هذا السياق هو بطش الانجليز والثمن الهائل الذي دفعه الثوار والأهالي، ونمر مرقس يرجع هنا إلى نموذج "العقاب الجماعي" بأنه ليس اختراعًا حديثًا، وفي الكتاب قصص مفجعة عن حرق البيوت في قريته كفرياسيف على ما فيها من مؤن، وعن الوجه البطولي المتكافل للناس من أجل تعويض المتضررين وعن الوقوف في وجه محاولات التفرقة الطائفية.. "حاول عسكر الانجليز وهم يرتكبون جرائمهم أن يوهموا بأنهم يستهدفوا حرق بيوت المسلمين" (ص 45)

على عين الماء في كفرياسيف، في الخمسينيات
لا تؤاخذونا.. مع السلامة
مشاهد نكبة 48 هي مشاهد الفاجعة، وهي فاجعة حلت على الجميع، على من تشرد وعلى من بقي، وفي زحمة تلك الأيام، يتحدث الكاتب، عما رآه أخوه في سوق البلد الأسبوعي، عن أبو حسين (اللاجئ من قريته المهجرة الى كفرياسيف) الذي اضطر أن يبيع ثوريه لدفع غائلة الجوع عن عائلته، هذان الثوران اللذان يعزهما فهما سند العائلة.. و"عندما جاء الشاري وتفاصل مع أبو حسين على ثمن الثورين، واتفقا وبارك له بهما، تدخلت أم حسين قبل أن يسوق الشاري الثورين ورجته أن ينتظر لحظة، وهرعت إلى الثورين، تحتضن رأس هذا ورأس ذاك، ودموعها تسيل وتقول لهما، لا تؤاخذونا.. مع السلامة" (ص 89).. مشهد رهيب! وفقط كاتب بهذا العمق وبهذه الشاعرية، من الممكن أن ينتبه، من بين آلاف الأحداث، لهذه الفاجعة، وأن يعرضها بهذه الدراماتيكية.
مشاهد الخيبة مؤلمة في 48، حين كان العرب ينتظرون بفارغ الصبر حلول الخامس عشر من أيار، موعد انسحاب الإنجليز، لينقضوا، "انقضاض النسر على الأرنب"، كما عبر الأمير عبد الله بن الحسين، أمير شرقي الأردن (ص 85) والقصة معروفة.. ونمر مرقس حين قصد حيفا ليستلم معاشه من بنك باركليز في تلك الأيام الموحشة، لم يكن يدري إن مرحلة كاملة من حياة شعب تنتهي لتبدأ مرحلة جديدة مرارتها أشد من العلقم، فبعد الوصول إلى كفر ياسيف كان عليه أن يفتش عن أخته وزوجها وطفلهما، وابنة عمه، الذين لجأوا إلى لبنان ريثما تروق الأحوال، وتوجه مشيا على الاقدام ، هذا الشاب ابن الثامنة عشرة، في أعقابهما ليحثهما على العودة الى الوطن، وفي هذه الرحلة الشاقة، والغنية في آن، هنالك الكثير مما يمكن للقارئ أن يتعلمه.
ومن المهازل..إنه بعد احتلال كفر ياسيف، تمركزت مجموعة عسكرية في مركز البلد وقامت، وبالاسم، باستدعاء كل من يملك سلاحًا، وأمرته بإحضاره، وكان أفراد القوة يقارنون نوع كل قطعة ورقمها بما كان مسجل في قائمة بين أيديهم. "وقيل يومها إن متطوعًا أجنبيًا كان ضمن فرقة جيش الإنقاذ التي سجلت في حينه أسماء مالكي الأسلحة ورقم كل قطعة" (ص91)
"ويل لنعجة لا تعرف جزارها من راعيها"
قصة نمر مرقس، طالبًا في الابتدائي وطالبًا في الثانوي في عكا وفيما بعد في دار المعلمين بعد النكبة، هي توثيق بالغ الأهمية بالإضافة إلى قيمتها الأدبية الكبيرة، حول وضع التعليم في القرية وفي المدينة ومن ثم في دار المعلمين العرب، وهي قصة بداية النهوض الثوري لطبقة المثقفين التي كانت جلها من المعلمين، ففي حينه كان المثقفون أصحاب المهن الأخرى يعدون على أصابع اليد الواحدة.
وفي وقت مبكر ظهر التحدي لدى نمر مرقس، في دار المعلمين العرب في يافا، عندما سأل بجرأة عن سبب فصل "زميلنا صبحي أمين ناصر" فكان جواب المسؤول، أفنر كوهين: "هذا شغل الإدارة ولا شغل لكم فيه".. وفي الفسحة كان هنالك من نحت على اللوح: "ويل لنعجة لا تعرف جزارها من راعيها"، ولعل ذلك كان العمل الثوري الأول الذي قام به نمر مرقس في عرين الأسد (أو بالأحرى وكر الذئاب).
ويستعرض الكتاب النضال البطولي الذي خاضه المعلمون العرب سرًا وعلانية، ضد موبقات الحكم العسكري والثمن الباهظ الذي دفعوه، مقابل الدفاع عن كرامتهم، وكرامة شعب بأكمله، في محيط أراد له "الشين بيت"، أن يشي الكل عن الكل، أرادوا خلق مجتمع من الوشاة، ففشلوا ودفع المناضلون الثمن.
هل ستصمد؟
الحس الثوري قاده للعمل الثوري، وهذا بدوره قاده إلى عضوية الحزب الشيوعي، من خلال التنظيم السري الذي أقامه نمر مرقس للمعلمين الديمقراطيين، والذي شارك فيه، من الجليل الغربي: إبراهيم بولس، إلياس دلة، فريد جهجاه، ونمر مرقس.. ثم "ذهبت إلى صديقي عيسى لوباني واتفقت معه على تنظيم حلقة مماثلة في الناصرة، وبدأناها في أوائل تموز 1952، وقد اشترك في الاجتماع بالإضافة إلى عيسى لوباني، أنيسة جبران، عدنان أبو السعود، ومن المثلث كانت الصلة مع حسني عراقي" (ص 124). على هذا التنظيم أطلقوا اسم "زملاء مخلصون". وكانت البيانات تصدر بمساعدة رمزي خوري، العضو القيادي في الحزب الشيوعي.. ومن هذه الحلقات نِشأت لاحقا كتلة المعلمين الديمقراطيين والتي ضمت رفاقًا وأصدقاءً من العرب واليهود وقد خاضت الانتخابات النقابية في أذار 1955 وقد دفع العديد من المعلمين الذين زكوا القائمة ثمنا باهظا حيث تم فصلهم من عملهم وقطع ارزاقهم.
وعندما قرر الانضمام للحزب، وبعد أن بقي لوحده مع رمزي خوري، حيث تطلبت إجراءات الحيطة أن يخرج المجتمعون كلٌ على حدة، وبفارق زمني معين بينهم، طلب من رمزي خوري أن ينضم للحزب، وافق الأخير ولكنه حذره، بأنه "حتى لسكرتير الفرع عندكم يجب أن تخفي أمر انتسابك للحزب" (ص 129-130).
هذا القرار في تلك الظروف لم يكن سهلا، وسأل نمر مرقس نفسه: " هل ستصمد؟ أن تكون شيوعيًا في تلك الأيام فإنك على أقل تقدير لن تعيش حياة هانئة مطمئنة فليس السلطة ضدك فحسب، وليس أنها سترميك من وظيفتك وحسب، وأن أجهزتها ستتفنن بإيذائك وتنغيص حياتك. وقد تواجه الاعتقال والتعذيب بل من المؤكد أن تواجههما وقد يكون التعذيب حتى الموت. (ص 130).
"أخوة الكفاح"
.. وصمد نمر مرقس وصمد رفاقه، ومع أنه متواضع جدًا في سرد سيرته الشخصية في الكتاب، وهكذا الأمر في الحياة، فدوره بارز ولامع، في إنشاء نقابة مكافحة للمعلمين في ظروف التهديد بقطع الأرزاق، والتهديد بالسجن وحتى الاعتداء الجسدي. .."وفي عصر اليوم الثالث قبل الانتخابات، وأنا جالس في خشتي( حيث كان مبعدا انتقاما) في برطعة، إذ بصوت ينادي عن بعد "يا رفيق نمر.. نجحنا .. نجحنا.. أُقرت القائمة".. كان المنادي شخص "باسم المحيّا"، كما يصفه نمر مرقس، هجم عليه واحتضنه، ومن، غير الرفيق محمد يوسف الشريدي، هو بهذه الأوصاف الرائعة؟ وهو هو نفسه الذين قالوا له أهالي برطعة عنه عندما قدم للتعليم هناك: "واحد شيوعي آدمي وابن ناس.. حبوب.. الله يسعد مساك ومساه.. اسمه محمد الشريدي من أم الفحم نفاه الحاكم العسكري إلى بلدنا قبل سنتين. فقلت في سري جمل محل جمل برك" (ص 142)
وتتواصل المسيرة، في تنظيم الشباب الشيوعي في قرى المنطقة.. وفي قرية جديدة المجاورة، عندما حصلت قائمة الحزب الشيوعي على الصدارة في الانتخابات العامة للكنيست قالت الناس هناك، بإعجاب وبتحبب، "حزب الأولاد نجح".. وهذا الذي واجه التضييق في السلك الوظيفي وفي الإرهاب البوليسي، الذي اعتقل بين طلابه في دير الأسد واعتديَ عليه في المعتقل، ولم ينثن، وواجه التهديد، بمسدس ترك على برطاش شباك بيت المختار، في إحدى القرى التي علّم فيها.. هذا الإنسان، ابن العائلة الصغيرة، منحته الناس ثقتها، بعد ربع قرن من الزمن، بإيصاله لرئاسة مجلس كفر ياسيف المحلي. وإلى جانبه كانت، وما زالت، رفيقة دربه، نبيهة مرقس، التي ردت البوليس على أعقابه، عندما حاول دخول البيت مهدّدَة بأنها ستملأ الدنيا صراخًا، وكانت إلى جانبه في الأيام الصعبة، خلال مسيرته الطويلة الشاقة.
ولعل يني يني، هذا المناضل العصامي، وكذلك الموقف الواعي لشعبنا منه، قد ترك أثره الكبير على نمر مرقس، وعلى تبنيه للمثل السامية.. "كان يني أشبه بفرع مقطوع من شجرة. لم يكن ابنًا لحامولة أو عائلة. أقاربه لا يتجاوزن أصابع اليد، اسمه يدل على أصله اليوناني، والده جاء إلى فلسطين في القرن التاسع عشر وسكن في بلدنا وتزوج منها ورزق به وبأخ وأختين.. لم يسأل أهل بلدنا عن أصله وفصله عندما ولّوه رئاسة مجلسهم المحلي. لا عن حجم حمولته ولا عن دينه ولا عن قوميته. وجدوه قدّ المسؤولية فسلمّوه القيادة.. لم يقل طاهر الفاهوم، وحنا نقارة وشكري الخازن وعبد الغني السعيد وحسن البكري ومحمد طاهر يونس ومحمد الشريدي وإميل توما وعثمان ابو راس ومحمد مشلب عندما اختاروه ومعهم آخرون من ممثلي المواطنين العرب، رئيسًا للجبهة الشعبية في العام 1958، هذا من اصل يوناني، وهو فوق ذلك مسيحي، ولذا لا يصح أن يكون رئيسًا للجبهة، كانت أخوة الكفاح هي السائدة وليست التجارة بالسياسة" (ص216).
وهذا الحب الجارف لشعبه اكتمل بنظرة أممية مشرقة، في توجهه الحار إلى الكفاح العربي اليهودي المشرك وفي تقديره لرفاق الدرب اليهود الذين جمعتهم وإياه المبادئ السامية.
رحلة جبلية
قصة مسيرة نمر مرقس في حقل التعليم هي رحلة جبلية، إن شئنا استعارة عنوان كتاب الشاعرة فدوى طوقان؛ من عرابة إلى البعنة ودير الاسد فكفرياسيف فبرطعة ومنها إلى عرب الحجيرات- بئر المكسور ومرة أخرى لدير الاسد، ومن ثم الاعتقال والفصل من العمل.
ويكفي أن تقرأ عن ظروف السفر وحدها في ذلك الزمن لتدرك الشقاء الذي واجه الناس: "وفي العودة من برطعة إلى بلدي كنت أقطع الدرب من برطعة إلى موقف الباصات عند عارة مشيًا، ومن هناك استقل أحد الباصات الآتية من العفولة في شارع وادي عارة إلى الخضيرة ومن الأخيرة أستقل باصًا إلى حيفا ومنها إلى عكا فكفرياسيف"..
ولعله، ومن حيث لا يدري أو ربما يدري، منحته وظيفته هذه اتساعاً لم يتَح لآخرين، قبعوا محبوسين قي قراهم، في ظل حكم عسكري خانق. هذه الرحلة الجبلية أتاحت له معرفة الوطن، أرضًا وناسًا، وأفعمت قلب شاب، في العشرينات، بمشاعر الفاجعة وبمشاعر الحب لهذا الوطن، وكلام كثير ينطق بذلك.. وعندما كان يأتي من طريق العفولة وكان ينزل على مفرق مجيدو فيجد الوقت الكافي ليتأمل ما تبقى من قرية أبو زريق، التي كانت خالته أم الفضل قبل عشرين عاماً، من ذلك الوقت، تسمي هذه المنطقة مرابع الخير، مرابع الخير التي تحولت إلى بقايا بيوت..
وما يميز هذه الرحلة الجبلية هي علاقة هذا المعلم الشاب بتلاميذه، فهو متعاطف معهم ومع أهاليهم، حتى الثمالة، وما كان ليأل جهدًا لتوفير الأدوات الكتابية لهم.. ومن خلال هذه الرحلة يتعرف ويكتب عن موبقات حكام بلادنا وعن ذبحهم للقيم إنسانية؛
في عرابة، حيث استأجر غرفة متواضعة، كان ابن صاحب الغرفة التي استأجرها "لاجئ في سوريا أو لبنان وهو ممنوع أن يعيش بين أهله"، وفي أحدى الليالي حين استضافه صاحب البيت للمبيت لديه.. وفي الهزيع الخير من الليل، وعند سماع صوت قوي "فتحت عيني ورفعت رأسي وصبّحت عليه فرد التحية وقال ما زال الوقت مبكرًا يا أستاذ بإمكانك أن تنام بعد، ومن أين يأتيني النوم، فقد حزرت من هو".. يأتي هذا المتسلل ليشق على والديه، ومن ثم يعود أدراجه إلى ديار الغربة.
ليلة القبض على نور الدين ابن التاسعة
وفي دير الأسد، تكرر غياب تلميذه النبيه نور الدين، ابن التاسعة عن الدراسة، وعندما زاره في بيته.. "فوجئت أن أجد هناك رجلاً وامرأة مسنين.. اكتشفت أن نور الدين حفيدهما وما أعز من الولد إلا ولد الولد". أما ابنهم، والد نور الدين، فلاجئ في لبنان ومعه زوجته، أم نور الدين، وأطفالهما الآخرون، بينما يعيش نور الدين في كنف الجدين "متسللا! ويتعارض وجوده مع قوانين الدولة "وأمنها". ويكاد لا يمر أسبوع، إلا وتقوم الشرطة بكبسية على بيت الجد للقبض على نور الدين".. ولكن يقظة الأهالي منع الشرطة من الوصول إليه.. "ولكنهم في الأسبوع الأخير تسللوا بالعتمة إلى بيت الجد أطفأوا الضوء الأزرق الذي يميز سيارات الشرطة ليلا. وقبضوا على هذا المهدد لأمن الدولة، الخارق لقوانينها وكبوه على حدود لبنان (ص 127). ويظهر أن الشاعر محمود درويش، الذي كان من تلامذة نمر مرقس في دير الأسد، قصد هذا ال"نور"، زميله في الدراسة حين هنأ حكام بلادنا: "مرحى لفاتح قرية.. مرحى لسفاح الطفولة".
نعيم الخوري بدو يقرط الليرة
وهنالك قصص من نوع آخر.. ففي البعنة، شرع نعيم الخوري، مدير المدرسة "يحكي له عن ورطة تعرض لها في الطريق العام للقرية، عندما أوقفته فاطمة البكري، - أم بكري- تطالبه بتبرع لصندوق الحزب.. وبينما كانت تفاصله على مبلغ التبرع المطلوب منه، أطل من زاوية الطريق أحد أذناب الحكم العسكري سائراً باتجاههما، وإذ بفاطمة البكري ترفع صوتها وتناديه مستنجدة، تعال يا عمي افصل بيني وبين المدير، بعته دجاجتين بأربع ليرات ومش قابل يدفع الثمن الذي اتفقت معه عليه.. بدو يقرط علي ليرة ويدفع ثلاثة.. ووصل الذنب إليهما.. وانجد أم بكري.. "لأ.. هذا مش حق يا أستاذ.. ادفع لها مثل ما اتفقتم".. "فخضع" نعيم الخوري وطال من جيبه أربع ليرات ودفعها، وقبل أن تفارق المكان وبعد أن شكرت الذنب على نجدته لها، قال لها نعيم الخوري: "أحضري لي كمان دجاجتين وسأحاسبك بالثمن بعد القبضة في الشهر القادم" (ص 126).
كيف أصبح الأذناب "ناصريين"
لا جديد تحت الشمس، وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا.. والكاتب يخبرنا عن تلك الأيام البائسة والعبثية في العام 1958، فترة خلاف عبد الناصر، القائد الوطني العظيم، مع الاتحاد السوفياتي، كيف استغل الحكم العسكري البغيض هذا لخلاف العابر، لكي يحارب الشيوعيين: "لم يتركوا شتيمة واتهامًا إلا ووجهوه لنا.. "خونة"!.. "عملاء موسكو"، "جلبتم السلاح التشيكي في 1948 ليذبحوا شعبكم به"! وافقتم على تقسيم فلسطين!.. وأسقطوا مؤقتًا عنا تهمة "عملاء عبد الناصر".. (ص 190). والكتاب يحمل كمًا هائلاً من الحب لعبد الناصر، الذي رأى فيه نمر مرقس وطنيًا صادقًا، أحب شعبه بكل جوارحه.
اليوم تبدّلت الأدوار، أما الأكاذيب فهي هي، خمسون عامًا وهم يطلقون الفرية على الشيوعية، ومش زابطة معهم، قبل خمسين عامًا كان ذلك "ضابط البوليس في قضاء عكا المدعو شويلي أبو خضر المشهور بتنكيله بالمواطنين العرب" الذي "صار يحمل مسجلا- ترانزستور- مع أشرطة سَجّل عليها مختارات من خطابات جمال عبد الناصر، ويقطع الشارع وساحات عكا القديمة متبخترًا، ورافع مسجله إلى أعلى حد، يُذيع منه تسجيلات لخطابات عبد الناصر التي تهاجم الشيوعية والشيوعيين و"الاستعمار السوفياتي"!! وصار هو أيضًا قوميًا عربيًا محروقًا" ص(189).. واليوم الدور على "المتقومجين الجدد" لبث نفس الأكاذيب.
ويحدثنا عن "صوت إسرائيل" بالعربية، الذي توقف عن استعمال النعت الذي أرفقوه باسم عبد الناصر، وهو "الباكباشي عبد الناصر"، وقامت هذه الإذاعة بإذاعة خطابات عبد الناصر. ويضيف نمر مرقس (ص 190) "وتقومج أيامها كل أتباع وعملاء الأحزاب الصهيونية وحمل حزب العمال الموحد- مبام الذي كان ما زال عائشًا في تلك الأيام لواء القومية العربي". ويقول نمر مرقس "آه يا ثوب القومية كم أنت فضفاض! وكم يتستر بك خونة شعوبهم وأعداؤها والمستبدون بخيرات كدحها وأوطانها".
إنه أدب المقاومة
هل نتاج نمر مرقس يعد من أدب المقاومة؟ لدى الشهيد غسان كنفاني الجواب، يقول نمر مرقس إنه فوجئ بعد سنين وهو يقرأ كتاب غسان كنفاني "أدب المقاومة" إنه اقتبس كامل النبذة عما نشره (أي نمر مرقس) في جريدة عن "حكاية المجدلاوي، واعتبرها من أدب المقاومة" (ص 206) ويروي لنا نمر مرقس ما كتب عن: "حكاية مجدلاوي (من مجد الكروم) في خريف عمره (حيث) صادرت الحكومة حقلته التي أفنى سني عمره في استصلاحها وغرسها. وعندما توجه للمحكمة لحماية حقه فيها، فجاء حكم القاضي مناصرا لظلم الحكومة. وإذ سمع حكم القاضي هذا توجه إليه قائلا: والله يا حضرة الحاكم حكمكم مثل قرن الخروب.. اسود واعوج..".
"يا عمي اللي بقول عن أخوي وأبوي عرصات شو لازم أجاوبو".. فأجابها العم: "على رأسه بصرمايتك..هيك جوابك لازم يكون". فأبلغته أم بكري عندها عما حدث مع بن يتسحاق: "يسلم يمينك يا فاطمة"، قال العم وعيناه تشعان بالرضا" |
وفي الكتاب هنالك نماذج مشعة، هي بمثابة أنشودة الحياة لشعب لا يريد أن يموت، في معارك قادها الشيوعيون بعيد النكبة، وما تلاها من سنين عجاف، فبعد انتخابات 1955 وبسبب دعم الشيوعيين ليني يني، لانتخابه لرئاسة المجلس، قررت السلطة الانتقام من الشيوعيين، فمنعت التصاريح عنهم، وكان ذلك بمثابة الحكم عليهم بالجوع، ورد الشيوعيون آنذاك بالإضراب وعندما اعتقلتهم الشرطة، "أعلنت نساؤهم وأطفالهم الإضراب في نفس المكان وبال الأطفال وأخرجوا على مدخل حضرة الحاكم. وذوو الحاجات يروحون ويجيئون" (ص 137).. واضطر الحاكم العسكري للتراجع ومن ثم منحهم التصاريح.
معركة الكرامة الجليلية
يظهر أن حرب حزيران، بإسقاطاتها الثقيلة والخانقة قد حمّست رجالات الحكم العسكري والأذناب لتوجيه ضربة مميتة للشيوعيين في منطقة عكا، وكان رد الشيوعيين العنيد والشجاع بمثابة رد اعتبار لكرامة شعب بأكمله. وإذا كان الفلسطينيون، في تلك الأيام الحالكة، في معركة الكرامة في الأردن في ربيع علم 1968، قد أعادوا بعض الاعتبار لشرف الأمة العربية، فقد كانت هناك "معركة كرامة" أخرى، وفي نفس الوقت، سطرها الشيوعيون في هذه المنطقة، وصفحات الكتاب (257-262) هي نشيد المقاومة الشعبي الذي أعاد الأمور إلى توازنها.
يخبرنا نمر مرقس إن العدد الأول من الاتحاد الذي صدر بعد نشوب الحرب تم توزيعه بشكل شبه سري، وربما هذا يتفق مع ما قاله لي القائد الشيوعي العريق، أسعد يوسف، إن الحزب قد بدأ يستعد للعمل السري، في ظل العديد من المؤشرات التي كانت باتجاه حظر الحزب الشيوعي.
وهنالك الكثير من نماذج البطولة في تلك الأيام في مواجهة الجهاز السلطوي الإرهابي، وممثله الأبرز آنذاك، ضابط متعجرف وسادي اسمه بن يتسحاق الذي قرر مرمغة كرامة الجماهير في التراب، فكان الرد:
في كفرياسبف، كان أبو باسيلا، حبيب أبو عقل، "قد نجا من الاعتقال واخترق ثلة من الشرطة التي طوقت البيت الذي تواجد فيه دون أن يعرفوه، متخفيا بثوب امرأة"..
وأيضًا.. فقد "كان بن يتسحاق يتمركز ليلا في بيت أحد العملاء (في كفر ياسيف) ويبعث بشرطته لإحضار فلان أوعلان من أعضاء وأصدقاء الحزب" (ص 258)، ومن أجل معرفة ما يجري في ذلك البيت "تسلل أبو باسيلا إلى الحاكورة (الموجودة بجانب بيت العميل ع.ب) "كوّم إطارات السيارات فوق بعضها واستتر في الفراغ الناشئ.. وسمع كل ما دار بين الضابط ومن اعتقله.."
وأيضًا.. "عندما جاءه بوليس بن يتسحاق واعتقلوه ( أبو توفيق- فهد توفيق شحادة) في بيته، قال لزوجته وأولاده هيا معي. وعندما بلغ سيارة الشرطة كان ذاك الضابط (بن يتسحاق) هناك. أنا يا بن يتسحاق مش خايف منك ولا من سجنك، ولكني لن أطلع السيارة بدون عائلتي، هذه التي أنا معيلها الوحيد، لن أقبل بتركهم يموتون جوعاً، قال ذلك وأمر أفراد عائلته بالصعود إلى السيارة أمامهم، وهو يصر عليهم أن يفعلوا ويدفعهم أمامه وقامت ضجة وبدأ الناس يتجمعون، فأسقط بيد بن يتسحاق. ويظهر انه تحسب لفخ نصبه الشيوعيون فقال لبوليسه: اتركوه.." ودعس بانزين وغادر ساحة المراح" (ص 258)
طورية ومنكوش و"اتحاد"
وأيضاً.. قرر أبو توفيق توزيع الاتحاد في الشارع الرئيسي بصورة تظاهرية.."نادى أبو توفيق أولاده الثلاثة الكبار العاملين معه في زراعة التبغ بالأرض المتاخمة لساحة العين أيامها.. وحمّل كلا منهم- وكانوا فتيان بين الرابعة عشر والسابعة عشر- طورية أو منكوشا ورزمة من أعداد الاتحاد وقال لهم سيروا معي. عليكم أن تمروا في الشارع أمام هذا الحيوان بالضبط. وإذا اعترضكم وأسمعكم كلامه الوسخ استعملوا ما بأيديكم دون انتظار مني، وأنا سأكون في ظهركم.. وتمت العملية وفقًا للتخطيط تمامًا، وعندما وصلوا أمام بن يتسحاق ووالدهم من ورائهم، أدار ذاك وجهه الممتقع وكأنه لا يراهم.. وكانت تلك ضربة المعلم، وسرى خبرها بين الناس، فانتعشوا.. الشيوعيون باقون على العهد كما عرفناهم". (ص259)
وأيضًا.. وفي قرية المكر الجارة، كانت هنالك بطولة أخرى، فعندما اعتُقل سكرتير فرع المكر محمد قاسم النابلسي حتى بادره البوليس "دعسنا على رقبة عبد الناصر وعلى رقبة الاتحاد السوفييتي تبعك يا عرص"، فما استطاع أبو قاسم صبرا فرد عليه "إنت عرص وحكومتك عرصات يا خدام الاستعمار" "وكان جوابه إشارة لثلة الشرطة وضابطها السادي أن ينزلوا به باللكم والضرب حتى أعيوه وحملوه في سيارتهم الى المعتقل، وهو يتف في وجوههم بعد أن كبلوه.
وأيضًا.. كمال غطاس الذي حاولوا إهانته، قال لهم: "ما حطيناها واطي ونحن في معتقلاتكم في 48.. وهيك احنا اليوم" ويقول نمر مرقس، إن كمال غطاس لم يقل ذلك "بعنترية فارغة بل حقيقة واقعة ... فهو الذي "اضطر إلى حمل السلاح في عكا عندما أرادوا منع توزيع الاتحاد فيها" في عام 1947 بعد قرار التقسيم. (ص 260)
شحويطة فاطمة البكري على راس بن يتسحاق
وأيضًا.. كانت المناضلة الشيوعية الصلبة، فاطمة البكري، في بيت أخيها المناضل حسن البكري مع زوجته وأولاده، عندما جاء بن يتسحاق صارخاً "أينه هذا حسن العرص ابن العرص". فنهضت فاطمة "نحو بن يتسحاق رادة له نفس الشتيمة ثم مسكت بفردة حذائها وأنزلت برأسه عدة خبطات..وعلى الصياح بدأ الناس يجتمعون.. فانسلت أم بكري من بينهم مسرعة إلى بيت عمها مصطفى غير البعيد، كانت خائفة- كما روت لاحقاً- من زعل عمها عليها، بأن يقول لها غاضباً معاتبًا إذا اعتقلوها "شو دخلك إنت المرة بهيك مواضيع؟!" فما أن رأته عند دخولها البيت مبغوتة حتى بادرته: يا عمي اللي بقول عن أخوي وأبوي عرصات شو لازم أجاوبو".. فأجابها العم: "على رأسه بصرمايتك..هيك جوابك لازم يكون". فأبلغته عندها عما حدث مع بن يتسحاق: "يسلم يمينك يا فاطمة"، قال العم وعيناه تشعان بالرضا" (ص261)
وأخيرًا عصام ابن حنا الخوري يُجهز على أسطورة بن يتسحاق
وأيضًا.. وأخيرًا وليس آخرًا، ولنترك الحديث لنمر مرقس: "وفي أحد أيام ربيع 1968 وصل (بن يتسحاق) إلى مقهى أبو حميد في ساحة فرحي، في عكا، التي حمّلوها اسم فرحي، وزير مالية أحمد باشا الجزار، وجلس يرتشف فنجان قهوة ويدير دردشة مع صاحبها المغلوب على أمره في مجالسته لهذا السادي.. كانت الساعة ما بعد العاشرة بقليل عندما دخل عصام ابن حنا بشارة الخوري، الشيوعي العكي، البعناوي الأصل، إلى القهوة يعرض جريدة الاتحاد على بعض الزبائن، فلمحه بن يتسحاق وانتهره "إنت يا عرص بعدك بتوزع جريدة العرصات!".
"ويلخص نمر مرقس إستراتيجية المناضلين "الظالم كما الكلب في قرانا، إذا حثثت خطاك خوفًا من هريره يستشرس ويهاجمك.. أما إذا التقطت حجرا عن الأرض لترجمه به فإنه يرتد منعوصا حتى لو لم تصبه بحجرك". |
"وشاع خبر هذا الحادث بين الناس كانتشار النار في الهشيم. وذهب عصام إلى مركز الشرطة يقدم شكوى ضد هذا الضابط.. ولم تمض أشهر حتى جرى نقل هذا الضابط إلى منطقة جديدة، ليس بسبب شكوى عصام عليه، وإنما بسبب رده على استفزازه الرد اللائق الأمر الذي كسر هيبته، فما عاد بقاؤه مجديًا لأسياده في منطقتنا". (بعد أن استفسرت عن هذا الذي اسمه، عصام ابن حنا بشارة الخوري، فتبين إنه الكاتب عصام خوري).
ويلخص نمر مرقس إستراتيجية المناضلين "الظالم كما الكلب في قرانا، إذا حثثت خطاك خوفًا من هريره يستشرس ويهاجمك.. أما إذا التقطت حجرا عن الأرض لترجمه به فإنه يرتد منعوصا حتى لو لم تصبه بحجرك" (ص 214).

على عين الماء في كفرياسيف، في الخمسينيات
درر منثورة على الطريق
في حينه، لدى صدور هذا الكتاب سألت عنه لقراءته، ومن المعروف أنه لا توجد دكاكين عندنا لعرض الكتب وبيعها، (بينما عندنا دكاكين لكل شيء آخر عدا الكتب)، فلم أحصل على الكتاب، وقبل بضع سنوات أهداني صديق هذا الكتاب، ولا أعرف لماذا غاب عن ناظري في أحد رفوف المكتبة، وفقط قبل فترة قصيرة اكتشفت وجوده، وعندما بدأت بقراءته، لم أتركه حنى أنهيته.
ويتعزز لدي الشعور بأن النداء الصميمي الذي وجهه إميل حبيبي فيما مضى من الزمن، "من أجل أن لا تضيع هذه التجربة هباءً"، سيواجه الخيبة، لأننا، وللأسف لا نقرأ، لا نقرأ عن تجربتنا ولا عن تجارب الشعوب أخرى.. ولعل ما يحصل لشعبنا الآن في الوطن، وفي الغربة، جزء كبير منه نابع أن تجربة هذا الشعب باهظة الثمن تذهب هباءً، فكيف يمكن الاستفادة من التجارب دون الإطلاع على هذه التجارب.
ولعل الاحتفال بالذكرى التسعين للحزب الشيوعي وتاريخه المجيد يحفز شباننا والكوادر الوطنية للنهل من ينابيع هذه التجربة الغنية، وهذا الكتاب، أقوى من النسيان، الذي كُتب بصيغة رسالة إلى ابنته، تمثيلاً عن كل بناته الطيبات المناضلات السائرات على دربه، هو برأيي في مقدمة الكتب التي يجب قراءتها، إنه وثيقة بالغة الأهمية، إنه لائحة اتهام ونشيد حياة لشعب قرر الحياة. هذه الدرر تنتظر من يلتقطها، فإشعاعها يضيء عتمة الطريق.
