يحتفل الإتحاد العام التونسي للشغل بالذكرى ال- 65 لتأسيسه يوم 20 يناير – كانون ثاني 1946 ، وهو يعيش إحدى أهم الفترات النضالية التي عبرت عليه ، ألا وهي فترة إنتفاضة - ثورة "الخبز والحرية " التي قام بها شعب وعمّال تونس من مختلف الشرائح الإجتماعية ، بعد الحادث المأساوي الذي يُعتبر الشرارة التي أطلقت شُعلة هذه الإنتفاضة الشعبية ، ألا وهو قيام الجامعي الكادح محمد البوعزيزي بإشعال النار بنفسه في مدينة بوزيد أمام مقر الولاية يوم الجمعة 17 من شهر كانون الأول 2010 ومن ثم وفاته يوم الرابع من كانون ثاني 2011.
منذ بداية "الإنتفاضة الشعبية "التونسية الحالية و"الإتحاد العام التونسي للشغل" بكوادره النقابية وقياداته ينخرط في فعاليّات هذه الإنتفاضة الشعبية ،لدرجة أن القوى السياسية قامت بتخصيص ثلاث حقائب وزارية لممثليه في الحكومة الإنتقالية ،مما يؤكد على قوة هذا الإتحاد بين جمهور المُنتفضين ودوره الهام .
يجري نقاش واسع ومنذ فترة طويلة ، في قيادة الإتحاد التونسي للشغل حول التطورات الإقتصادية – الإجتماعية -التشغيلية الجارية في المجتمع التونسي ،وفي محورها ظاهرة البطالة المُتفشية بين الشباب خاصة والعمال عامة، والنتائج الكارثية للسياسة الإقتصادية – الإجتماعية التي تنتهجها الحكومات التونسية في العقود الأخيرة ،والتي تعتمد على الخصخصة ودعم قوى رأس المال على حساب مصالح الطبقة العاملة خاصة والشعب التونسي عامة. هذا بالإضافة للخنق الدكتاتوري والإعتقالات ومنع حرية التعبير وغيرها من أساليب القمع التي قام بها الزعيم المخلوع زين الدين بن علي والموالين له.
كنّا قد إنتبهنا إلى هذا النقاش ، الذي أدّى في بعض مراحله إلى حدوث خلاف مع رئيس الإتحاد النقابي المُخضرم عبد السلام جراد والقوى المتنفذه في قيادة الإتحاد ، حيث قامت بإتخاذ قرارات أدت إلى التضييق (ومنها من تم إقصاؤه لمناصب هامشية أو مناصب خارج تونس)على الأصوات النقابية التي طالبت بتحريك الجماهير العمالية وقيادة نضالها من أجل إيجاد فرص عمل للجميع ورفع الأجور وحماية صناديق الضمان الإجتماعي والنضال ضد سياسة الخصخصة ورفع الأسعار مما يؤدي إلى تعميق ضائقة الفقر والفاقة. لكن القيادة المُتنفذه هذه وبعد فترة ما بدأت تعي عُمق الضائقة وفهمت حقيقة ما طرحه النقابيون ممن تم إتهامهم بتهم مختلفه مثل الإنتماء لليسار المُتطرف وغيرها من التهم. وأذكر حديث لي مع أحد النقابيين ممن تم إبعادهم عن محور إتخاذ القرارات ،عندما قال بأن الطبقة العاملة التونسية والشعب التونسي يعيشون مرحلة غليان كبير سيؤدي إلى إنفجار شعبي يزعزع أركان السلطة ومن يسير في ركبها.
لذلك كان من الحكمة الموقف الذي إتخذته قيادة الإتحاد التونسي للشغل عشية إنفجار الإنتفاضة الشعبية التونسية وقبل ذلك بشهور عدّة يوم بدأت تطرح المطالب الحقيقية للشعب التونسي والطبقة العاملة التونسية ، بما فيها وقف القمع والإعتقالات وإطلاق الحريات وتوفير فرص العمل ووقف سياسة الخصخصة التي تعني بيع ممتلكات الشعب لحفنة من قوى رأس المال والرأسماليين الفاسدين في تونس ومن خارجها.
عندما إنطلقت الإنتفاضة الشعبية ،إنتفاضة الخبز والحرية أصدر الإتحاد العام التونسي للشغل توجيهات لجميع النقابيين في مختلف أنحاء تونس بما فيهم اللجان العمالية في مواقع العمل ولقيادة الإتحاد العامة، القيام بقيادة الحراك الشعبي – الإنتفاضة ورفع المطالب العمالية والشعبية ، وهكذا كان الإتحاد بكوادره القوة الأكبر في قيادة إنتفاضة الخبز والحرية وكنّا قد شاهدنا في بداية إنطلاقها أن "الشعار المركزي" فيها كان رغيف الخبز.
هذا الزخم النضالي الكبير لكوادر وقيادة الإتحاد العام التونسي للشغل ،فرض نفسه كقوة مركزية لها دورها الهام والكبير في الإنتفاضة الشعبية لدرجة إشغال ثلاث حقائب وزارية في الحكومة الإنتقالية (إستقالوا حالياً)،وما زالت القيادات النقابية تحتل مركز الصدارة في الحراك الشعبي الجاري -حتى كتابة هذه السطور - في مختلف أنحاء تونس .
في إجتماع الهيئة الإدارية الوطنية للإتحاد العام التونسي للشغل يوم أمس الجمعة 21 كانون ثاني 2011 ، صدر بيان يؤكد فيه الإتحاد على مطالبه ومواقفه مما يجري على الساحة التونسية يعلن فيه أعضاء الهيئة الإدارية عن سحب الوزراء المنتدبين من قبل الإتحاد من الحكومة الإنتقالية بقولهم في البند الثاني من البيان بأنهم:" يذكّرون بأنّ سحب الإتحاد العام التونسي للشغل لمرشحيه من الحكومة ناتج عن عدم الاستجابة للشروط التي حدّدها المكتب التنفيذي في بيانه الصادر عنه بتاريخ 15 جانفي 2011 وهو الموقف الذي ثبتت صحّته وتأكد استناده إلى قراءة موضوعية لمسار الأحداث من خلال مطالب الجماهير المتظاهرة وبقية مكوّنات المجتمع السياسية والمدنية." و" ....... يدعو أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل إلى حلّ الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني ائتلافية تستجيب لمطالب المتظاهرين وللأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات غير الحكومية وعموم الشعب."
من السابق لأوانه إستخلاص كامل العبر من الإنتفاضة الشعبية التونسية – "إنتفاضة الخبز والحرية" وهناك من يُطلق عليها "إنتفاضة الياسمين" ، الأيام القادمة وربما الشهور القادمة ستحدد توجهات هذه الإنتفاضة ،حيث نلمس أن جزء من الحراك الشعبي الجاري هذه الأيام قد إنتقل إلى بداية مرحلة النضال حول تحديد تلك التوجهات ،وهذا بحد ذاته هو محور الإنتفاضة أي: ما هو مستقبل الدولة التونسية وما هو النمط الذي سيختاره الشعب التونسي في أسلوب الحُكم والحريات ، برأينا أن الحل لن يكون بالغنوشي الآخر ،بل بمزيد من الحرية ودعم مسار الحُكم الذي يعتمد على المزيد من الحرية المدنية العلمانية. وتوسيع قوة الحركة النقابية ودورها الفاعل بزخم كبير في المرحلة الحالية والمُستقبلية.
بيان الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل
إن أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل المجتمعين اليوم الجمعة 21 كانون الثاني 2011 برئاسة الأخ عبد السلام جراد الأمين العام لتقييم حصيلة الانتفاضة الشعبية ولتدارس ما آلت إليه المشاورات السياسية وما ميّز الحراك المتواصل للشارع والمسيرات محليا وجهويا ووطنيا:
1. يؤكدون أن الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة وطنية معنية بالضرورة بالشأن السياسي سواء بتاريخها النضالي في مرحلة الاستعمار المباشر، أو في طور بناء الدولة الحديثة باعتبار التلازم الجدلي بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في مسار التنمية، بل إنّها المهمّة التي أضحت اليوم ملحّة أكثر من أيّ وقت مضى.
2. يذكّرون بأنّ سحب الإتحاد العام التونسي للشغل لمرشحيه من الحكومة ناتج عن عدم الاستجابة للشروط التي حدّدها المكتب التنفيذي في بيانه الصادر عنه بتاريخ 15 جانفي 2011 وهو الموقف الذي ثبتت صحّته وتأكد استناده إلى قراءة موضوعية لمسار الأحداث من خلال مطالب الجماهير المتظاهرة وبقية مكوّنات المجتمع السياسية والمدنية.
3. باعتبار ما يشهده الشارع في كافة مناطق البلاد من مسيرات حاشدة منادية بحلّ الحكومة وبرفض ممثلي التجمع الدستوري الديمقراطي فيها، وباعتبار ما شهدته من استقالات متعددة وبالنظر إلى رفضها من عدد من الأحزاب والتيارات السياسية وبحكم الحاجة الملحّة إلى طمأنة الجميع من أجل التفرّغ للشروع في الإعداد الفعلي للإصلاحات المعلن عنها، يدعو أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل إلى حلّ الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني ائتلافية تستجيب لمطالب المتظاهرين وللأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات غير الحكومية وعموم الشعب.
4. يقرّرون من أجل المشاركة الفعالة في لجنة الإصلاح السياسي تشكيل لجان نقابية تتألف من خبراء ومختصين لإعداد تصوّرات الاتحاد العام التونسي للشغل حول الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتحتّم إجراؤها تأسيسا للديمقراطية ولانتخابات شفافة تضمن حرية الاختيار وتؤسّس لحكومة برلمانية ولإعلام نزيه فضلا عن تأكيد أعضاء الهيئة الإدارية على ضرورة تمثيل المنظمة في لجنة تقصّي الحقائق ومتابعة كل من تورّط في قتل المواطنين الأبرياء بإطلاق الرصاص على المتظاهرين أو بالأمر به وضرورة تمثيلها في لجنة متابعة الفساد المالي والرشوة وكل مظاهر الانحرافات.
نشأت الحركة النقابية التونسيّة على يد محمّد علي الحامّي الذي أسّس في 19 كانون الثاني 1925 جامعة عموم العملة التونسيين. وقد تعرّضت هذه المنظّمة النقابيّة التونسيّة الأولى من نوعها الهجمات وحملات الاستعماريين والقوى المحافظة. وفي سنة 1937 أسّس بلقاسم القناوي بدوره منظّمة نقابيّة سمّاها جامعة عموم العملة التونسيين وفي جانفي 1938 انتخب الهادي نويرة أمينا عامّا لها.ولم تعمّر هذه التجربة بدورها طويلا حيث انقرضت لعد عامين فقط من تأسيسها.
النقابات المستقلّة
في أوائل سنة 1944 قرّر جمع كبير من العمّال التونسيين يقودهم الزعيم فرحات حشّاد الانسلاخ من نقابة "س.ج.ت" الفرنسيّة وبعث حركة نقابيّة تونسيّة. وفي 19 نوفمبر 1944 تمّ بعث إتحاد النقابات المستقلّة بالجنوب وقد تولّى فرحات حشّاد أمانته العامّة وفي 06 ماي 1954 تمّ بعث إتحاد النقابات المستقلّة بالشّمال. وشكّلت هذه النقابات النواة الأولى لتأسيس الإتحاد العام التونسي للشغل.
الإتحاد العام التونسي للشغل
انعقد المؤتمر التأسيسي للإتحاد العام التونسي للشغل بقاعة الخلدونيّة بتونس العاصمة يوم 20 جانفي 1946. وقد أشرف فرحات حشّاد على هذا المؤتمر الذي أعلن فيه عن ميلاد الإتحاد العام التونسي للشغل وقد انتخب أمينا عامّا له. وقد لعب الإتحاد العام التونسي للشغل منذ نشأته دورا رياديّا في الكفاحين الاجتماعي والوطني وكانت له عدّة مواجهات دامية مع السلطات الاستعماريّة من أبرزها أحداث أوت 1947 بصفاقس وأحداث النفيضة في 21 نوفمبر 1950. في سنة 1951 انخرط الإتحاد العام التونسي للشغل بالإتحاد الدولي للنقابات الحرّة وأصبح صوتا مدافعا عن استقلال تونس في المحافل الدوليّة.
