"مهما هم تأخروا فإنهم يأتون"

single

الراحلان، القائد ياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين

تتجه أنظار محبي السلام والحرية في العالم هذا الأسبوع نحو بيت لحم، لمواكبة مؤتمر حركة فتح الذي ينعقد بعد انقطاع طويل، ومهما اختلفنا مع حركة فتح ومهما تعالت الانتقادات لهذا الموقف أو ذك، فقلوبنا ترافق هذا المؤتمر بتمنيات النجاح، فهذه الحركة هي رائدة النضال الفلسطيني، وإضعافها يشكل ضربة لأهم مقومات أي شعب، أي القيادة السياسية التي تتولى مسؤولية برنامجه الوطني، وهكذا فهذه العودة المتجددة للحضور الفتحاوي تأتينا " كوردةٍ جميلةٍ........ طالعةٍ من جرح"، كما قال نزار قباني مفعمًا من هذه المعجزة الفلسطينية التي ومضت في ليلنا الدامس، بعد هزيمة حزيران الموجعة.
والتقينا مع فتح، الفرع مع الجذع، أو الجذع مع الفرع، فكلنا فرع وكلنا جذع، على برنامج السلام التاريخي، الذي اختطته قيادة حزبنا الشيوعي، دولتان للشعبين وعودة اللاجئين. ومنذ ذلك اليوم، لا يكن لهم بال، وبما يملكون من دهاء وقوة وشعارات جوفاء، يسعون لتشويه صورة هذه القيادة الفتحاوية، وهنالك، بهذه الحجة أو تلك، من المخلصين من ينضم للمحرضين على فتح، وهو لا يدرك، أنه في نهاية النهاية، في السطر الأخير، إنما يقطع الغصن الذي نقف عليه جميعًا، الغصن الذي نشرف به على العالم بعدالة قضيتنا، غصن برنامجنا السياسي، الحجر الذي أهمله البناؤون والذي أصبح راس الزاوية.
لم تكنّ الرجعية العربية ولم يهدأ لها بال، أمام هذا الموقف الشجاع والعقلاني لقيادة فتح، ببرنامج تاريخي أصبح محط إجماع العالم، وفي المقابل لم تكن الرجعية الإسرائيلية ولم يهدأ لها بال بالتقائنا مع فتح، فحاربت قوى السلام في إسرائيل وأصدرت قانونها المكارثي، بمنع التقاء قادة منظمة التحرير الفلسطينية، ودفع المناضل الراحل إيبي نتان ستة اشهر من عمره، في السجون، لأنه تجرأ والتقى قيادة هذا الشعب.  
فتح، بخطها المركزي، هي تجسيد استقلالية القرار الفلسطيني، في بحر هائج من الإخطبوطات والتماسيح العربية والأجنبية التي أرادت أن تختم القرار الفلسطيني بختمها، وأن تحده بدائرتها الأضيق من دورة الخاتم في الإصبع، ابتداءً من الأنظمة الأكثر ثورجية وقومجية، حتى تلك السائرة علنًا في رحاب أمريكا، ووسط بحر نقاط الماء هذه انطلق عرفات بسفينته ليؤسس نهجًا فلسطينيًا مستقلاً. وهنالك اليوم من يبكي على عالم مضى وانقضى، يريد إرجاع عجلة التاريخ، إلى أيام المظلات السوداء، التي سقفها لا يسمح إلا بالقامة المنحنية.. وعندما يعقد المؤتمر في بيت لحم فهو يعقد على أرض فلسطينية، في مواجهة الاحتلال، وليس تحت مظلته. والمناضلون الذي قدموا من أصقاع الأرض، فقط سماء الحرية تظللهم.
الحقيقة أنه قلما تعرضت حركة وطنية لمثل هذا التشويه في الصورة، وحتى اغتيال الصورة، كما تعرضت فتح وياسر عرفات شخصيًا، ويظهر أن عوامل الحقد والرفض أساسها هو الرفض القاطع لنهج فتح، الذي هو بالخطوط العريضة نهجنا، نهج وطني ديمقراطي تقدمي. لا يريدون لهذا الشعب أن ينطلق للفضاء الذي يناسبه، فضاء تلتقي فيه إرادة الشعوب، المناضلة من أجل حريتها، مع نضال قوى التقدم والسلام في العالم المتطور، إنهم يرفضون هذا لتحالف الذي أثبت جدواه في النضال لتحرر الفيتنام والجزائر وشعوب آسيا وأفريقيا، وشكلت فلسطين، بقيادة عرفات، الدرة في التاج، وبهذا النهج أصبحت فلسطين الصغيرة، مساحة وعددًا وإمكانيات، بحجم دولة عظمى، وضمنت حضورها في أعلى وأوسع منصات العالم، وساهم كل ذلك في تحقيق حقوقها.. وهنالك من لا يريد لفلسطين هذه المكانة؛ يريدون لفلسطين أن تغرق في لجة مواقف ومسالك غريبة عن العصر، مواقف لا تجلب سوى العداء والنفور؛ مواقف لا تقرّبها، بل تبعدها، عن التحرر وتدخلها في غربة حتى مع نفسها.
هنالك اليوم من "يدافع عن عرفات"، وحتى الأمس القريب أدانه حتى الوصم بالخيانة، لأنه أقدم على اتفاق أوسلو. والسؤال المفصلي، مع أنه لا توجد في التاريخ كلمة "لو"، هو ماذا سيكون حال الفلسطينيين، بدون هذا الاتفاق.. ولنراجع التاريخ، فلا بأس من استذكار التاريخ، حين بدأت الانتفاضة، آنذاك، تأكل أبناءها، وتذكرون قرارات الانتفاضة المزدوجة، للقيادة المزدوجة آنذاك، وتذكرون الفرق المسلحة التي انتشرت في كل بلدة، تفعل ما تشاء، بدون أي ضابط، وتذكرون حال الشعب الفلسطيني بعد حرب الخليج وهزيمة العراق، وتأجج حقد القادة العرب على عرفات والشعب الفلسطيني، بسب الموقف المؤيد للعراق في هذه الحرب. بالذات في هذا الاتفاق أثبت عرفات أنه قادر، في ظروف المستحيل، على استثمار المستحيل للخروج من عتمة الليل الدامس.
السؤال ليس لماذا أوسلو؟ السؤال المركزي يطالبنا بفحص الخلل في نهج القيادة الفلسطينية فيما بعد أوسلو، وبضمن ذلك نهج فتح، وبضمن ذلك نهج الفصائل الفلسطينية التي شكل كلٌ منها دولة خاصة به، يحارب إسرائيل متى شاء، وينحو نحو السلم متى شاء، بينما السلطة الفلسطينية، والشعب الفلسطيني، يدفعان ثمنًا باهظًا، نتيجة نضال غير مدروس وغير معتمد من القيادة الشرعية. الهجوم على أوسلو وتعليق كل مآسي الشعب الفلسطيني هو هروب من مواجهة الحقيقة، أنه في المرة الأولى التي يتسلم فيها الشعب الفلسطيني إدارة شؤونه لم يتصرف بموجب المركزية والانضباط الذي يميز دول العالم، ولم يستثمر هذا الانجاز، إقامة سلطة على جزء من أرضه لمواصلة مشروعه الوطني من خلال قيادة موحدة شرعية للشعب الفلسطيني.. هذه هي المعضلة، فأوسلو، بالرغم من مع محدوديتها، وضعت الفلسطينيين على خارطة العالم، والمطلوب كان وما زال، هو تجسيد السيادة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية، وأولا اعتراف الفلسطينيين أنفسهم بهذه السيادة.
يهاجمون أبو مازن، وكل "مشكلة" أبو مازن أنه يقول ما يفكر به، لا توجد لديه لغة مزدوجة، لغة للغرف المغلقة ولغة مخصصة للجماهير "الغفورة".. ونحن ندرك جيدًا كنه هذه الازدواجية، في حياتنا اليومية، عندما يغترب خطابنا الفخم عن واقعنا التعيس. وأسئلة عديدة تطرح في هذا السياق؛ هل إنهاء فوضى السلاح في الضفة هو مصلحة إسرائيلية، أم بالذات مصلحة فلسطينية، في الحفاظ على أمن الناس وممتلكاتهم؟ إن كل ثورة اتسمت بفوضى السلاح كان شعبها هو الخاسر الأول؛ ثم أليس تحسين الاقتصاد الفلسطيني وفتح سوق العمل هو من أهم مقومات الصمود في وجه الاحتلال ومن أجل الدولة المستقلة؟ وأليس الإصرار على فتح كل ملفات التفاوض وبضمنها القدس وحق اللاجئين والحدود، هو موقف وطني يرفض تأجيل الأمور إلى أجل غير مسمى؟
شعبنا الفلسطيني، في جميع أماكن تواجده، بحاجة إلى نهج وطني دمقراطي شجاع، نهج يحمل رؤيا دمقراطية تقدمية، وبالضبط في هذه الظروف، في ظروف التغيرات الدولية الهائلة، ولا يجوز الاستهتار بما تفتحه هذه التغيرات من آفاق هائلة لحل قضيتنا العادلة، فإن نهوض فتح، هذا التيار المركزي في الحركة الوطنية الفلسطينية، يحمل البشائر لبرنامج فلسطيني لمواجهة تحديات المرحلة. وفي هذا المقال الذي بدأناه بنزار قباني، فلا بأس أن ننهيه بنزار قباني، في نفس القصيدة، الذي يشيد بهذا الشعب الذي ينهض أقوى وأصلب عودًا، بعد كل أزمة:

"مهما هم تأخروا فإنهم يأتون
في حبة الحنطة أو في حبة الليمون
من حزننا الجميل يولدون
باقات ورد وأغصان زيتون"..

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الجنون الدّرزي" عند يجآل ألون

featured

نزيف على المنصات

featured

للامبالاه ثمنها

featured

علمانية الأتراك ومأزق "الإخوان" التقليدي

featured

..الحِرْذَوْن..

featured

قليل من المعرفة وقليل من المنطق لمعرفة الحقيقة

featured

أحمد سعد يا "خيّا"

featured

عن الانتخابات البلدية