وتمر أيام العيد المبارك على شعبنا وبها بعض من فرح للأطفال وكثير من الغم والهم للكبار، جراء ما يعيشه أهل فلسطين بين احتلال لا غيره بعد في عالم يبحث عن إرضاء 12 مليون ' يهودي' في العالم أقل من نصفهم في إسرائيل، وقسوة أهل حكم بات الخلاف والاختلاف وكأنه هدف لهم .. كثير من القول يردد في شهر رمضان باعتباره شهر التسامح، ويأتي العيد ليقال ذات الشيء من كلمات ' التسامح ' و'المحبة' وما شاكلها من عبارات باتت جوفاء ومملة وربما مثيرة للأعصاب أحيانا عندما يسمعها الفلسيطني من أولئك الذين يسببون كل أشكال المأساة ..
ولكون ' التسامح ' قول وليس فعل ولم يعد جزءا مما يفكر به أو يقتنع به من يعيش حكما، كان خطاب (أبو العبد هنية) أول أيام العيد يمثل نموذجا لكل ما ليس له صلة بأخلاقيات العيد وفضائله السياسية والدينية، وقبل كل ذلك خطاب يبدو غريبا عن الرجل المتسم بصلاح الكلمة والقول، قبل أن يمن الله عليه ويصبح رئيسا للوزراء بعد فوز حماس في الإنتخابات المفروضة أمريكيا على الشعب الفلسطيني العام 2006، جاء الخطاب ليشكل نموذجا لمدى التوغل بعيدا في الغرق السياسي على حساب القيم الوطنية والإجتماعية أيام العيد أقله ..
تحدث الرجل بكلام بعضه خطير، فهو المهدد للسلطة الوطنية بأنها ستختفي من الضفة الغربية في حال إستمرارها السير في المفاوضات المباشرة، كلام جديد بالشكل والمضمون، يتجاوز حدود الإختلاف السياسي، وربما يشكل رسالة ليس للشعب الفلسطيني بل لمن هم يتربصون به وقضيته، قول (ابو العبد هنية) هذا والذي لم يخبرنا كيف ستسقط السلطة 'هناك'، على حد وصفه، هل سيكون عبر ' إنقلاب' يماثل ما حدث العام 2007 في 14 حزيران، وهل لحماس قوة يمكنها أن تحدث ما حدث، متجاهلين أن فتح ربما تكون تعلمت درسا لن يمحى من ' ذاكرة الوطن'، أم هناك قوى خفية ستهبط لتقاتل نيابة عنهم .. خطيئة كلام ما كان لها أن تكون من إنسان مفترض به أن يكون داعية حوار وتسامح، أو أن يكون بعضا مما كان قبل شباط 2006 ..
ولم يكتف أبو ' العبد ' هنية بتهديد لوجود السلطة الوطنية، بل حمل تفسيرا غريبا لما حدث في العراق حيث رأى ما حدث من إنسحاب غالبية القوات الأمريكية من العراق : إنتصار' للمقاومة هناك، ولأن الكلام يقال دون ثمن أو وفقا لمثل شعبي في بلادنا المقهورة ' حكي ما عليه جمارك'، فتفسير ما حدث بالعراق ' إنتصار' هو غاية في الغرابة والسطحية أيضا، حيث لا زال في العراق أولا 50 ألف جندي بقواعدهم وقدراتهم العسكرية الكلية، ولو تجاهلنا الوجود العسكري والأمني والقواعد الأمركية، فالسؤال ما هي ملامح النصر 'هناك' يا ترى، أيمكن إعتبار ترسيخ ' الطائفية' اساسا في الحكم وتقسيماته الغريبة ملمحا للنصر، وعدم القدرة على تشكيل حكومة منذ أكثر من ستة أشهر، وتضرب العمليات العسكرية الجارية منذ فترة طويلة ' أهل العراق ' أكثر كثيرا مما تضرب في ' القوات الأمريكية'، عمليات غالبها ' طائفي' بإمتياز .. هل تقاسم النفوذ السياسي في بلاد الرافدين بين حكام 'بلاد فارس' و'بلاد اليانكي' ملمح إنتصاري .. ربما، ألم يقال عن تدمير قطاع غزة وتهجير آلاف الإسر وعيشهم في شوارع وخيام، بعضهم لا زال، بعد حرب العدوان والتدمير الإسرائيلية ' إنتصار رباني' .. وهو ما يراه أيضا ' ابو العبد هنية' في الضفة الغربية من ' إنحسار' للإحتلال وإنزوائه ' خلف جدار، أقوال تحتوي كثير من فقدان الحكمة والبصيرة، أي إنحسار تعيشه الضفة الغربية مع ما يحدث من ' تهويد' في القدس يجري بسرعة البرق ونشاط إستيطاني لا يتوقف، رغم كل أكاذيب المحتلين، أي حال تعيش ضفتنا لا يراه سوى من لا يريد أن يرى كوارث ما تعيشه فلسطين ..
خطاب ' الإنتصارات الوهمية' هو خطاب ' خطايا سياسية' بإمتياز يجب مراجعتها ثم الإعتذار عنها دون تردد .. وغيره يكون الكلام ' عنزة ولو طارت' وعنده يصبح كل قول جديد لا قيمة له ويفقد أي جزء من مصداقيته .. وسنردد لعن الله ' لوثة ' الإنقسام أطارت العقول..
