من اتكل على زاد امريكا طالت عبوديته

single

لكل منطقة من مناطق بلادنا، الآهلة بالمواطنين العرب قبل النكبة وبعدها، أمثالها الشعبية الدارجة وَحِكَمها، منها ما هو مشترك ومنها ما هو مغاير ومختلف.
أحد هذه الأمثال ولا أعرف أين تتوقف حدود استعماله الجغرافية يقول "بكره بتُظّبك الباطيه"، يقال هذا المثل للصبي المشاكس ولا يطيع والديه، وفي حالات كثيرة يفر من بين أيديهم فتلاحقه والدته أو والده بوابل من التهديد والوعيد الأبيض، من بين ذخيرة هذا التهديد "الباطيه رايحه اتظبك"، والباطية المقصودة تعني "لجن العجين" وأرغفة الخبز التي توضع فيه بعد خبزها، والحقيقة أنه كان يلخص مكان الطعام في البيت في يوم من الأيام.
المعنى الحقيقي لهذا المثل أنه أينما ستذهب فإنك ستعود للبيت بسبب الجوع، هذا هو واقع الريف الفلسطيني الذي يرفض أن يقطع الحبل السري بين أفراد الأسرة خاصة الصبية منهم.
في رأيي انه من الممكن تجيير هذا المثل الشعبي البسيط وتطبيقه اليوم على تحركات رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي لم يتوقف من الوصول إلى عواصم العديد من دول العالم لإثبات حق الفلسطيني بنيل حريته، لكن من يهدده بالباطية وما فيها من مال وطعام عند عودته إلى رام الله هم أعداء الشعب الفلسطيني، في مقدمتهم أمريكا وإسرائيل وأتباعها من بقايا الرباعية والثماني وكل الذين لا يتوقفون عن محاولات خنق الشعب الفلسطيني بأياد مغطاة بقفازات مخملية وحريرية.
الباطية، التي تهدد بها الولايات المتحدة الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، تجمع ما بين السياسة والمال والخبز وكل منهما يكمّل الأخر، بالنسبة للخبز الذي يُقدم للفلسطينيين ومغموس بالسياسة فإن حكومة اوباما لا تتوقف عن التلويح بالمساعدات التي يقدمونها للسلطة الفلسطينية مستغلين هذه المساعدات لسلب ارادة الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية. والضغط متواصل خاصة منذ أن قررت القيادة الفلسطينية استخدام آخر ورقة بين أيديها وهي اللجوء إلى الأمم المتحدة، إن رُسل اوباما بموافقته أو بدون موافقته لا يتوقفون عن محاولاتهم وضع العثرات أمام الفلسطينيين، يلاحقون قادتهم في جميع المحافل الدولية، كل عاصمة من عواصم العالم يدق الفلسطينيون أبوابها، يتبعهم مباشرة أو يسبقهم إليها وكلاء من مدارس السياسة الأمريكية التي ترفض حتى الموافقة على الحد الأدنى من مطالبهم.
الشعار الذي تتمسك به الإدارة الأمريكية ترجمة حرفية لمطالب إسرائيل، وهو العودة إلى المفاوضات دون قيد أو شرط، المهم أن تكون مفاوضات يتخللها طقوس اللقاءات عبر وسائل الإعلام حتى لو كانت كاذبة، بدون قيد أو شرط يعني أن يبقى كل شيء قام به الاحتلال على حاله، التوسع الاستيطاني، نهب الأرض، وضع العراقيل أمام مسيرة السلام العادل، الجدار العنصري وغيرها.
الدول والعواصم التي تتأخر الولايات المتحدة عن الاتصال بها من أجل إحباط المشروع الفلسطيني، يسارع العجوز شمعون بيرس الذي تستخدمه حكومة نتنياهو، اليوم، اطفائية لإخماد الحرائق التي تشعلها كل يوم على الصعد السياسية حتى لا يزداد طوق العزلة ضيقا حول عنقها.هذا جزء مما تحتويه الباطية السياسية الأمريكية الإسرائيلية، أما الباطية المالية فهي تشمل الدعم السنوي المالي الذي تتصدق به أمريكا وهو عبارة عن فتات من المساعدات المالية لا أحد يعرف ما هو المبلغ الحقيقي الذي يشمله هذا الفتات، ما يعرفه الناس جميعا بأن اللقمة أو الدولار الأمريكيين مغمسان بغبار الذل والمهانة والشروط التي لم يعد باستطاعة الفلسطينيين احتمالها.
 يجزم الكثير من المراقبين أن هذه المساعدة هي التي حالت دون اكتمال المصالحة التاريخية بين شقي الشعب الفلسطيني المنقسمين، نعترف بأن هذه المحاولة لسلب إرادة القيادات الفلسطينية في رام الله ما هي إلا نوع من الحصار لا يقل في أهميته عن الحصار المفروض على قطاع غزة . لكن الفرق بأن أحدا لا يجرؤ على اعتبار هذا حصارا أو الإعلان عنه، والضغوط ضد السلطة الفلسطينية لم تتوقف خاصة قبل خطاب محمود عباس الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أما الحصار على غزة فهو مميت وقاتل لكنه مكشوف وملموس.
 المسؤول الأول عن إذلال الفلسطينيين واضطرارهم لمد أياديهم لما يسمى بالدول الداعمة هي الجامعة العربية،خاصة دول النفط فيها،المساعدات التي تقدمها هذه الدول للفلسطينيين عشوائية ومزاجية وبإذن من الولايات المتحدة.
لا يعني دول النفط أي شيء سوى سلامة عروش حكامها واشغال شعوبها الأصليين منهم والمستوردين والمتغربين بأسواق البورصة والعقارات واستيراد التكنولوجيا من الغرب لتسهيل حياة أصحاب الاستثمارات الأجانب، كان باستطاعة الجامعة العربية بمساعدة هذه الدول أن تسارع إلى دعم الفلسطينيين عندما قرر أعضاء الكونغرس الأمريكي وقف الدعم المالي للسلطة الوطنية لأنها أصرت على الطلب بقبول فلسطين عضوًا كاملا في مؤسسات الأمم المتحدة.
القصور الفارهة وسيارات الشبح وجيوش الخصيان والجواري لم تغيّر شيئا من ثقافة الانتماء لدى ملوك وشيوخ هذه الدول، حضارتهم الحقيقية هي حضارة الصحراء التي لا تعرف أية تواصل بين الشعوب العربية، عندما قال العلامة إبن خلدون الأعراب أشد كفرا ليس في الدين فقط بل في كل شيء، وكان ما يقصده مقال إبن خلدون أيضا هناك قوتان توحدان الاعراب الأجلاف هما الاستبداد والدين، وهؤلاء الأجلاف اختاروا الطاعة للاستبداد وليس الدين ، الدين الذي اختاروه هو عبادة الناس لهم ولعروشهم كما ورد في دستور الحركة الوهابية .
كان من المفروض أن يكون رد دول الجامعة العربية على قرار الكونغرس كما رد الرئيس الخالد جمال عبد الناصر سنة 1956، عندما قرر الملك حسين تعريب الجيش الأردني بطرد قائده الإنجليزي الجنرال (غلوب)، قامت بريطانيا بقطع المعونة المالية السنوية التي كانت تقدمها للأردن وقيمتها 12 مليون جنيه إسترليني، في الحال قامت مصر ومعها سوريا بتعويض الأردن عن هذا المبلغ حتى يتحرر هذا البلد من التبعية لبريطانيا، نعم طرد غلوب وأقيمت في الاردن حكومة وطنية برئاسة سليمان النابلسي، رفضت هذه الحكومة دخول الأردن في حلف بغداد ووقفت إلى جانب مصر أثناء العدوان الثلاثي عليها سنة 1956.
قيل إن أكثر أوقات التاريخ ظلمة لهو الوقت الذي يسبق فجر اليقظة بقليل، وهل سيخرج من رحم الربيع العربي قادة مثل عبد الناصر قادرون على إعادة العروبة إلى مسارات التاريخ المشرقة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

" قد السدرة على القدرة"

featured

من أجل لجنة تحقيق مستقلة مهنية

featured

التناقض المجنون في اللجنة القانونية للأمم المتحدة

featured

وتبقى دائما امينة لمنهجها الثوري المكافح !

featured

الحكومة أعلنت حرب الهدم!

featured

حكومة حراميّة مع رخصة..

featured

لتخرس طبول الحرب

featured

جرائم قتل النساء وتواطؤ العنصرية والرجعية!