الشيخ الشجاع

single
مع تصاعد هجمات الثوار الفلسطينيين، على المعسكرات البريطانية، خلال ثورة 1936، ساد الاعتقاد لدى قادة الجيش البريطاني في الجليل، أن عرابة البطوف قاعدة أمامية للثورة.
كثيرًا ما يتجمع فيها الثوار، وتتوالى زيارات القادة الميدانيين لها، مثل عبد الله الاصبع وأبو إبراهيم الصغير وغيرهم كثيرون، ومنها يتم الانطلاق نحو الأهداف والمعسكرات.
في صباح احد الأيام، طوق الانجليز القرية وانتشرت وحدات راجلة من القوة، كل وحدة من 3 إلى 4 جنود، تعمل على تفتيش البيوت، بحثًا عن السلاح والثوار. وعندما لم تجد شيئًا من ذلك، كانت تعيث فيها خرابًا ودمارًا.
كانت الوحدة تقوم بخلط الدقيق بالزيت وتصب عليه كمية من البترول، وتفعل نفس الشيء بالقمح والبرغل، بالسمسم والتين المجفف، وهي المواد التموينية الرئيسية للأهل والهدف تجويع الفلاحين.
خلال إحدى عمليات الدهم، نادى ناطور القرية بطلب من المختار، وبأمر من قائد القوة، كل الرجال والشيوخ للتجمع في الساحة العامة، أمام بيت المختار القريب من المسجد.
مع القوة البريطانية، كان احد العملاء، هذا ما أفادني به احد الشيوخ، وقد كان شابًا آنذاك، ضمن الرجال الذين تجمعوا أمام ديوان المختار، وقف العميل، وقد غطوا رأسه بكيس من الخيش، فيه فتحات ضيقة قريبة من عينيه.
أمر الضابط كل رجال القرية وشيوخها، ان يصطفوا واحدًا بعد الآخر ليمروا أمام العميل، صاحب كيس الخيش، وقد حمل عصًا وراح يضرب بها كل من مر أمامه. إنها أبشع وأحط صور الإذلال والقهر. مر الشباب والشيوخ  وانهال العميل عليهم بالضرب الشديد. حتى وصل الشيخ سعيد المصطفى مختار القرية واحد ابرز المثقفين فيها، القاضي العشائري الأول في البلاد.
فما كان من العميل إلا ان هوى عليه يضربه رغم ضعف جسمه، إذ تخطى يومها الثمانين من العمر، ما ان رأى ذلك الشيخ صالح الأحمد، حتى وثب كالأسد من الصف، وتقدم  من العميل، نزع الغطاء عن رأسه وأشبعه ضربًا شديدًا، وهو يصرخ فيه بصوت كأنه الرعد : "يا خاين يا ابن الكلب، تضرب شيخ عرابة وشيخ البلاد كلها، يلعن أبوك وأبو الانجليز، اللي جابوك على بلدنا، يا نذل، يا خاين، ما تعرف من هذا الشيخ الذي ضربته، بدي أقتلك لا محال" ولم يتركه إلا بعد ان سقط أرضًا من شدة ما تلقى من الضرب.
ذهل قائد الحملة وأسرع نحو الشيخ صالح يعتذر، ويهدئ من غضبه، ثم حاول ان يسترضيه، لكن الشيخ ظل يصرخ وكأن كلماته طلقات مدفع رشاش. عندها أمر القائد جنوده سحب العميل إلى إحدى المجنزرات، وما هي إلا دقائق، حتى غادرت قوة الدهم القرية، وسط إكبار الناس وإعجابهم بشجاعة الشيخ صالح.
مثل هذا العمل لا يجرؤ عليه إلا الرجال الشجعان، كما انه موقف مشرف وصفحة جميلة من صفحات قرانا وتاريخ أهلنا وشعبنا.
وموقف آخر للشيخ صالح الأحمد جدير بالتقدير والاحترام، كان قبل الأول بعشر سنوات أو أكثر.
حدث ان تشاجر ابنه البكر يوسف مع احد شباب عائلة أخرى، وكان ذلك أواسط عشرينيات القرن الماضي. تعرض ذلك الشاب لضربات شديدة من ابن الشيخ الأمر الذي دعاه لتقديم شكوى ضده في الشرطة، وكان مقرها قرية الرامة القريبة.
وصلت عرابة دورية صواري، ومعها أمر باعتقال ابن الشيخ ساقوه أمامهم إلى المركز في الرامة، ومن هناك نقلوه إلى عكا حيث جرى تمديد اعتقاله من قبل المحكمة. خلال وجوده في السجن تعرض لنوبة قلبية حادة وخلال دقائق معدودة وضعت حدًا لمشوار حياته إذ وافته المنية هناك بعيدًا عن أهله.
بعد ساعتين أو أكثر دخل السجان غرفته، فوجده قد فارق الحياة، استدعى الطبيب فأكد وفاته. اعلموا الأهل بالأمر وتم نقل الجثمان إلى عرابة حيث دفن في مقبرة العائلة.
حاول البعض إقناع والده، ان الاعتقال كان سبب الوفاة، والمتسبب في ذلك، عليه ان يتحمل مسؤولية عمله، وتحركت الفتنة تطل برأسها لتعكر الأجواء الصافية في عرابة المتآخية فتصاعد الغضب وأوشك الاشتباك ان يقع مع أهل المشتكي، بعد ان بلغوا ان الرجل عندهم فالحق واضح دبروا حالكم وارحلوا عن البلد.
وجاء الرد سريعًا، وذلك بتكليف العديد من شيوخ عرابة، إحنا وإياهم على الحق ونطلب ان يفصل الشرع العشائري في الأمر.
أمام هذا الرد الواقعي والمنطقي رضي الشيخ صالح بالحكم الذي سيصدر عن القاضي العشائري الشيخ منصور القاضي، وقد حل وإخوانه في البطوف مع قطعانهم الكبيرة في عام الجفاف الذي ضرب شرق الأردن عام 1925.
قبل منتصف الليل بقليل، ركب الشيخ صالح فرسه ونزل إلى البطوف، حيث كان ينزل الشيخ منصور القاضي، عندما اقترب من البيت نادى بصوته الجهوري: يا راعي البيت، وجاء الرد: تفضل تفضل.
انتظر الشيخ حتى أضاءوا الشق، وعندما دخل رحب به الشيخ منصور بحرارة وإذ سبق وزاره في ديوانه الزاوية، بدعوة منه قبل أسابيع. عرض الأمر أمام القاضي بدقة وأمانة، ثم رد على أسئلته الشيخ منصور وقد شملت ظروف الحادث، العلاقة مع تلك العائلة قبل ذلك.
كان قرار القاضي ان لا حاجة لسماع وجهة نظر الطرف الآخر واكتفى بأقوال الشيخ صالح، اطرق برهة امتدت لدقائق ثم التفت إليه وقال: أنت رجل مؤمن يا شيخ صالح، مفروض فيك ان ترضى بالقضاء. وفاة ابنك كانت قضاء وقدر الباري عز وجل هناك في السجن، ولو كان في بيتك لحضرته الوفاة لان اجله كان مقدرًا في ذلك اليوم. اطلب العوض من الله وهو الكريم القادر على كل شيء.
غادر الشيخ صالح بيت القاضي في نفس الليلة، وفي الصباح لم يخبر احدًا ولا حتى اخوته بما قام به، وبانتظار التحكيم تجمع في الزاوية وفي الساحة المقابلة جمع غفير من أبناء عائلته.
في تلك اللحظات وصل وفد من مشايخ العائلات الأخرى ليجدوا ان الجماعة جاهزون وانتدبوا من يمثلهم أمام القاضي. رد عليهم الشيخ صالح، بلغوهم اني اطلب العوض من الله وليس لي عندهم حق، وقعت آثار الدهشة والاستغراب لدى أبناء عائلته، وما ان سمعوه حتى تفرقوا راضين ومعجبين بشيخهم الجليل.
قد يهمّكم أيضا..
featured

(المختار) أبو عليّ

featured

ما بين القشّة والخشبة

featured

على كرسيّ الاعتراف

featured

شذوذ جزئي جماعي

featured

"مش لازم نخسر بعض": حتى لا نخسر حالنا

featured

طز في هيك تعايش