يبدو أن الهند وباكستان على شفا مواجهة خطيرة مرة أخرى، وذلك في أعقاب هجوم إرهابي في منطقة باهالجام بمنطقة كشمير الحاشدة بالقوات العسكرية، والذي أسفر عن مقتل 26 سائحًا هنديًا. ومن دون انتظار حتى تحقيقات أولية، سارعت الهند لاتهام باكستان خلال دقائق من الحادث.
عقب ذلك، كشفت نيودلهي عن سلسلة إجراءات انتقامية متوقعة ضد إسلام آباد، بينها تعليق "معاهدة مياه السند"، الاتفاقية الأساسية لتقاسم الأنهار العابرة للحدود التي صمدت أمام أزمات متعددة على مدى ستة عقود. وشملت الإجراءات أيضًا إغلاق معبر حدودي، وإلغاء التأشيرات، وتقليص الوجود الدبلوماسي الباكستاني في العاصمة الهندية.
جاءت هذه الإجراءات المسماة "انتقامية" دون مراعاة الإجراءات القانونية — لا تحقيقات في هجوم باهالجام، ولا أدلة موثوقة تربط باكستان بالحادث. بل اكتفى وزير الخارجية الهندي بالإشارة بغموض إلى "روابط عابرة للحدود"، بينما هرع الإعلام الهندي إلى إلقاء اللوم على إسلام آباد.
أعلن رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، ردا على الإجراءات الهندية: "باكستان مستعدة للمشاركة في أي تحقيق محايد وشفاف وموثوق". لكن الهند لم تبدِ أي اهتمام بالتحقيق الدولي المحايد. كيف لمجموعة مسلحة أن تتسلل لمسافة 400 كيلومتر داخل منطقة عسكرية مكتظة بأكثر من 600 ألف جندي هندي وقوات شبه عسكرية، وتنفذ هجومًا كبيرًا ثم تختفي دون أثر؟ إذا لم تستطع الحدود الهندية المُحصنة والمُراقبة بكثافة كشف هذا التسلل، فإن الاستنتاج المنطقي الوحيد هو إما مستوى كبير من الإهمال أو — وهو الأرجح — تقصير متعمد.
بعد اجتماع للجنة الأمن القومي، أعلنت باكستان سلسلة إجراءات ردّ بالمقابل، واصفة الخطوات الهندية بأنها "أحادية التوجه، غير عادلة وغير مسؤولة". رفضت تعليق معاهدة مياه السند بشكل قاطع، محذرةً من أن أي محاولة لتحويل حصتها المائية ستُعتبر "عملاً حربياً" وستواجه "بالقوة الكاملة". كما أعلنت إسلام آباد حقها في تعليق "جميع الاتفاقيات الثنائية"، بما فيها اتفاقية شيملا للسلام عام 1972 — وإن امتنعت عن إلغائها. كذلك، أغلقت باكستان معبر واغاه الحدودي، ومنعت التحليق الجوي الهندي فوق أراضيها، وجمّدت التجارة الثنائية. التماثل في الإجراءات واضح، لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يمكن لتبادل خطوات الردّ احتواء مخاطر التصعيد؟
كان تعليق الهند لمعاهدة مياه السند تتويجًا متوقعًا لاستراتيجية مدروسة وطويلة الأمد. فنيودلهي تقوض منذ سنوات الاتفاقية التي صمدت ستة عقود رغم الحروب والتوترات، كمثال نادر للتعاون. وتركزت الخلافات مؤخرًا على آليات حل النزاعات في المعاهدة. في خطوة ذات دلالة، قاطعت الهند جلسة لمحكمة التحكيم في لاهاي يناير/كانون الثاني 2023، المُنعقدة للبت في اعتراضات باكستان على مشاريع هندية لتوليد الطاقة الكهرومائية على نهر تشيناب وجيلوم — شريان الحياة لباكستان التي تعاني شحًا مائيًا. وطالبت الهند بتعيين خبير محايد، في إشارة لرغبتها بإعادة كتابة القواعد. وفي نهاية الشهر، أبلغت نيودلهي إسلام آباد رسميًا بنيتها تعديل بنود المعاهدة. بينما أكدت باكستان استعدادها للتفاوض عبر لجنة مياه السند، وحثت الهند على الالتزام بتعهداتها التاريخية.
في آب /أغسطس 2024، طالبت الهند رسميًا بمراجعة وإعادة التفاوض حول معاهدة مياه السند، مستندةً إلى ما وصفته بـ"تغيرات جوهرية وغير متوقعة" بالإضافة إلى مخاوف أمنية غامضة. وذكرت نيودلهي "التحولات الديموغرافية، والتحديات البيئية، وأولويات الطاقة النظيفة" كأسباب لإلغاء الترتيب القائم. وفي رسالتها لإسلام آباد بتاريخ 24 نيسان /أبريل، كررت الهند هذه النقاط لكنها أضافت شكوى مألوفة تتهم باكستان بـ"الإرهاب العابر للحدود" كمبرر إضافي لتجميد المعاهدة. الرسالة الضمنية كانت واضحة: المصالح السياسية العاجلة تفوق الالتزامات الدبلوماسية.
تعليق الهند المفاجئ لمعاهدة مياه السند ليس مجرد خرق لبنودها، بل انتهاك صارخ للأعراف الدولية. فالمعاهدة لا تسمح بإجراءات أحادية؛ إذ يتطلب أي تعديل أو إنهاء موافقةً مشتركة. ومع ذلك، أعلنت نيودلهي من جانبها وضع المعاهدة "في حالة تعليق"، رابطةً استئنافها بتخلي باكستان المزعوم عن "العنف العابر للحدود" — وهي تهمة تُستخدم دوما لأغراض سياسية. عمليًا، علقت الهند بشكل رئيسي بروتوكولات تبادل المعلومات، التي كانت أصلا متدهورة. ورغم الخطاب الدراماتيكي، تفتقر الهند حاليًا لقدرة تحويل أو منع تدفقات المياه بشكل كبير. لكن الرمزية قوية، والعواقب قد تكون مزعزعة للاستقرار.
لقد أثارت تصريحات رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المتكررة منذ 24 نيسان /أبريل تحذيرات، بالإشارة إلى إمكانية شن "ضربات جراحية". وأصبح احتمال الجمع بين عمليات عسكرية تقليدية وهجمات إلكترونية وتكتيكات غير متناظرة أكثر ترجيحًا. وتغذي هذه المخاوف تقاريرُ عن نقل أسلحة ثقيلة إلى خط السيطرة. إن أي عدوان عسكري هندي قد يُقابل برد فعل، يهدد بعواقب لا يمكن حتى لحكومته السيطرة عليها. وقد يتصاعد الأمر إلى أزمة أكثر تدميرًا من مواجهة بالاكوت 2019، بينما تعود المنطقة إلى حافة الكارثة.
الصين، الحليف الأقرب لباكستان، سرعان ما أدركت خطورة الموقف. وأجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالًا هاتفيًا مع نائب رئيس الوزراء الباكستاني إسحاق دار، مؤكدًا دعم بكين الكامل لسيادة باكستان ومخاوفها الأمنية المشروعة. وأكد وانغ دعم الصين لتحقيق محايد، وحث الجانبين على ضبط النفس.
في 2019، ساعد تدخل طرف ثالث في تخفيف الأزمة. لكن ماذا لو لم يحدث ذلك هذه المرة؟ دون مساعدة خارجية عاجلة، قد ينزلق النزاع بين هاتين الجارتين النوويتين إلى مناطق مجهولة وأكثر خطورة. ففكرة حرب محدودة تحت السقف النووي محفوفة بمخاطر جسيمة. ورغم تردد الهند الواضح، ثمة حاجة ملحة لاستعادة قنوات اتصال خلفية لتجنب سوء تقدير كارثي ولإدارة الأزمة. نداء باكستان للتحقيق المحايد يستحق دعمًا عالميًا، فهو المسار الوحيد القائم على العقل والمبدأ.
*عمران خالد: محلل جيواستراتيجي وكاتب في الشؤون الدولية. نُشرت أعماله في منصات إخبارية ودوريات مرموقة عالميًا. نشر هذا المقال أولاً على موقع "FPIF" ثم على موقع counterpunch



.jpeg)







.png)

.png)