يعقد حزبنا الشيوعي في إسرائيل مؤتمره الـ29 في شفاعمرو من 12 حتى 14 فبراير 2026، في ظل ظروف سياسية معقدة جدًا، محليًا وعالميًا، وبعد حرب الإبادة المستمرة على شعبنا الفلسطيني في غزة، وحرب الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، وحرب العصابات والخاوة والعنف على مجتمعنا الفلسطيني في البلاد، في ظل حكومة اليمين الفاشية.
عاد ترامب ليقود عالمًا تحكمه غطرسة رأس المال والقوة، يهدد ويتوعد مثل الأزعر البلطجي في الحارة، يقف على رأس أكبر ترسانة أسلحة وصناعتها الرهيبة الباحثة عن أسواق جديدة دومًا، "الحروب هي مصدر رزقها"، يطبع الدولارات دون رصيد، يشغل العالم بحروبه، أشغل روسيا بحرب أوكرانيا وشل قدراتها، يحاول بشتى الوسائل ضرب قوة الصين الاقتصادية، ويتسلط على ثروات الشعوب ومقدراتها بالقوة. سقطت الأقنعة عن العالم الرأسمالي البشع، سقط قناع الديمقراطية وحقوق الإنسان المزعومة، وما فضائح "جيفري إبستين" وجزيرة الأخلاق الغربية إلا تعبيرًا واضحًا وفاضحًا لهذا النظام المتعفن من الداخل والذي يعاني من أزمة اقتصادية عميقة. ليس صدفة خروج أوروبا الغربية من دائرة التأثير السياسي، بعد أن أغرقتها أمريكا بالعداء لروسيا ودعم أوكرانيا، فاستنزفت اقتصادها ومقدراتها وأصبحت تابعًا بالكامل للإمبريالية الأمريكية.
مهم جدًا ألا نتغرر ونحسب أن كل هذا بسبب جنون العظمة عند ترامب، بالعكس تمامًا، ترامب هو أفضل من يمثل الوجه الحقيقي والقبيح للسياسة الأمريكية، هو نتاج هذه السياسة وممثلها في هذه المرحلة.
وبالدعم الكامل من أمريكا، يقف الابن المدلل نتنياهو على رأس حكومة فاشية جاءت لتحسم الصراع مع الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، ليكون الذراع الضارب للإمبريالية الأمريكية ومخابراتها في المنطقة، فيصطاد كالقناص كل من يتجرأ على التصدي للأخطبوط الأمريكي-الإسرائيلي ويفرض هيمنته الكاملة في المنطقة، لكن مع كل انتصاراته وحرب الإبادة الرهيبة وأسلحة الدمار الشامل، تتكسر أمام صمود الشعب البسيط، شعب الخيام في غزة، الشعب الذي حوصر في وطنه وقتل وذبح وهدموا بيته وخيمته، وبقي حيًا يقوم كالمارد من تحت الدمار. نعم، نحن لسنا أفضل شعب في العالم، لكن لا يوجد شعب أفضل منا.
أمام هذه التحديات يعقد مؤتمر الحزب الشيوعي، بعد أن أبن هذا الحزب الكثيرون واعتقدوا أنه سيندثر مع انهيار الاشتراكية، لكننا صمدنا بسواعد كوادره القوية والمتجذرة في كل بلد وحي، التي ارتبط نضالها بهموم الناس، دافعت عنهم وكانت السند والدرع الواقي أمام كل هجوم عليهم. منذ نكبة الشعب الفلسطيني حتى حرب الإبادة الأخيرة، كان الحزب الشيوعي هو البوصلة ومرساة الأمان لشعبي هذه البلاد. مسيرة طويلة ومشرفة، مسيرة تحدٍ وصمود، مسيرة أممية استطاعت رؤية المصلحة الحقيقية للشعبين، وهو أمر صعب جدًا في ظل الصراع القومي الذي تفرضه السياسة الصهيونية على المنطقة، منذ الزعيم الصهيوني هرتسل الذي ربط وجود اليهود كشعب بـ"لديهم عدو مشترك".
ليس صدفة أن هذا الحزب، بكوادره القليلة، كان في الصف الأول في مواجهة حرب الإبادة القذرة على مدار أكثر من سنتين، كنا وحيدين في الشوارع وقلة في أغلب الأحيان، من اجتماع سخنين إلى مظاهرة يافا إلى مظاهرة حيفا ومن بعدها إلى مظاهرة سخنين بألوفها ضد الحرب. استطاع هذا الحزب الموازنة بين مقاومة هذه الحرب وبين حماية الناس من براثن الفاشية التي أطلقت أسلحتها بالتخويف والترهيب والاعتقالات وتبادل المعتقلات وكأنهم "أسرى حرب"، حرب على شعبنا الفلسطيني في البلاد مهددة بلقمة العيش حتى سحب المواطنة وكأنها منّة من أحد. نعم، هي معادلة صعبة بين الجرأة وعدم التهور، بين التحدي والمساومة، لم تخل من الجدالات الصعبة داخلنا، من جلد الذات أحيانًا ومن الخوف أن تتقدم بسرعة وتصبح بعيدًا عن قدرات جمهورك النضالية، وكانت فترة سيطر عليها المد والجزر طيلة الوقت.
من أهم دروس هذه المرحلة كانت بناء الشراكة اليهودية-العربية، شراكة نضالية حقيقية بتأسيس مجموعة "شراكة السلام" بمشاركة واسعة للعديد من الحركات والأجسام اليهودية التي عارضت الحرب، بالرغم من قلة أعدادها ومن الأجواء العنصرية التي سادت وما زالت تسود البلاد، لكن هذه الشراكة لم تتنازل عن الموقف الواضح والمبدئي والجريء والمتحدي للفكر الصهيوني العدواني.
للأسف، هناك من يريد الشراكة من خلال إيجاد اللغة والمصطلحات المقبولة على "فوقية الشعب اليهودي" والابتعاد عن جوهر الصراع وأدواته، في التصدي للاحتلال والمحتلين والمستوطنين، بالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير، بالاعتراف بحقنا في المساواة كأقلية فلسطينية أصلانية في وطنها. نحن سعداء أن مختلف الأحزاب اليوم تتحدث عن الشراكة اليهودية-العربية، لكننا الحزب الوحيد الذي يطرح الشراكة الحقيقية المتساوية والتي ترى الغبن التاريخي الذي ألحقته الدولة الاستيطانية اليهودية بالشعب الفلسطيني في وطنه، واستعداد هذا الشعب للمصالحة التاريخية.
مسيرة هذا الحزب لم تخل من العثرات والأخطاء، لم تخل من عداوات محلية كان بالإمكان الابتعاد عنها، لم تخل من تأثيرات الأفكار الصهيونية التي حلمت ببناء الاشتراكية في إسرائيل في سنوات الدولة الأولى والتي طهر الحزب نفسه منها في الانقسام عام 1965، وما زال الصراع القومي يؤثر أحيانًا على هذه المسيرة. نعم، هو تحدٍ كبير الحفاظ على خط أممي في هذه البلاد. والتحدي أمام مؤتمر الحزب وقيادته المقبلة أن يستطيع مراجعة وكتابة تاريخ الحزب بشكل حقيقي، بجرأة نقدية وطرح القضايا الخلافية التي رافقت هذا التاريخ، لأننا نعرف جيدًا أن هذا التاريخ سيكتب بحروف من ذهب سطره آلاف الشيوعيين المخلصين والشرفاء، بصدورهم العارية، فلن تعيبهم شوائب كانت عالقة على هذا التاريخ العريق.
أمام هذا الحزب تقف تحديات كبيرة جدًا، وعلينا أن نكون على قدر هذه التحديات:
بعدم التقليل من الإنجازات الحقيقية، وأن نستطيع بجرأة فحص التجربة ورؤية النواقص الكبيرة الموجودة لدينا، وعدم الوقوع في مطب عدم الموازنة بين الشقين.
فحص البيت الداخلي، الواقف على أسس فكرية متينة لكنه يعاني من ترهل تنظيمي كبير والابتعاد عن التفكير والعمل الجماعي، ضعف وخلل في عمل الهيئات المركزية، الابتعاد عن الكوادر والصعوبة في تجنيدها في المعارك، العودة إلى الركن الأهم في حزبنا وهو النضال الطبقي والارتباط بالعمال والفقراء. نبتعد كثيرًا عن كوننا حزبًا ثوريًا قادرًا على إحداث التغيير، وأن نؤمن فعلاً أن التغيير قادم لا محالة.
توسيع دوائر الحوار والنقاشات مع العديد من الأوساط القريبة منا، الإصغاء أكثر للانتقادات الخارجية التي تأتي بهدف المصلحة وعدم مهاجمة كل منتقد، أن نناقش الفكرة وليس صاحب الفكرة وأهدافه، وعدم الانغلاق. علينا دومًا البحث عن الحقيقة وليس ادعاء الملكية عليها.
دراسة معمقة عن تراجع دور الأحزاب السياسية القيادي وتصاعد دور الجمعيات والأفراد الذين يحاولون احتلال دور الأحزاب السياسية، علينا إعادة ترتيب الأوراق والأدوار. لماذا يتراجع انخراط الشباب في الأحزاب والسياسة، أين الفتيات والجيل الشاب في حزبنا؟ للشبيبة الشيوعية نشاط رائع علينا توسيعه لجميع الفروع، لكن جيل العشرينات والثلاثينات يقل وجوده بشكل كبير.
المبادرات المجتمعية مهمة جدًا وتسبق القيادة أحيانًا، وهذا ما حدث في أهم مواجهة لنا في قضية العنف وعصابات الإجرام، لكن ممنوع التخلف عن قيادة هذا الحراك والحفاظ على شعلة النضال متوهجة، ومعرفة كيفية تصعيد هذا النضال بشكل منهجي ومدروس لأمد طويل. وتوعية الجمهور على ارتباطه العميق بالسياسة العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني مواطني الدولة، ولا يمكن فصل البعد المدني عن السياسي في هذا النضال، في الوقت الذي أصبح الجميع يعي ويتحدث بما قلناه من البداية أن العنف والجريمة في مجتمعنا هو نتاج سياسة منظمة وموجهة منذ عام 2000 لضرب مجتمعنا من الداخل وزعزعة استقراره، كي تصبح خياراته الهجرة من ناحية، أو خفض سقفه النضالي حيث يصبح ينشد فقط الأمن والأمان ويبتعد عن السياسة. تقع علينا المسؤولية في مجابهة العنف الداخلي والدخيل على مجتمعنا، العنف المتصاعد في كل مكان، في الشارع والعمل والمدرسة، ليس لأن مجتمعنا عنيف، بل بفضل السياسات العنصرية والضغط الذي يعيش فيه الناس بشكل يومي.
الوحدة يجب أن تستند على برنامج نضالي مشترك، هي وحدة نضالية، هذا دورنا في تجنيد الجمهور معنا على هذا الموقف، في مواجهة الفاشية مطلوب أيضًا "وحدة الكراسي" في مواجهة الفاشية، أن تستطيع الوصول إلى أكبر عدد من ممثليك في البرلمان، لكن هذا ليس بديلًا عن خلق وحدة مع القوى التي تتفق معها سياسيًا في غالبية القضايا. أن يصبح الجمهور الواسع يريد أية وحدة وأي تأثير ممكن على سياسات الحكومة هو دليل على ضعف الحزب الثوري والقيادي.
الجبهة الديمقراطية تقوم بنشاط ريادي قوي جدًا، لكنها عادت لتكون ما كنا عليه في بداية السبعينات من القرن الماضي: "الحزب الشيوعي وأصدقاؤه غير الحزبيين"، انحسرت تحالفاتها وعدنا لنكون ناديًا مغلقًا، غالبيته شيوعيون، لهذا ارتفعت فيه درجات التنظيم، وفيه تؤخذ القرارات المصيرية وفيه يتم انتخاب ممثلينا في أي انتخابات. هذا الأمر يضعف أيضًا الحزب ويجعل الازدواجية متعبة، مما أضعف الحزب لحساب الجبهة. علينا إعادة ترتيب أوراقنا بالشكل الصحيح، بحيث يضمن الدور الريادي للحزب الأيديولوجي ويبقي الأبواب مفتوحة للتحالفات الواسعة.
القائمة المشتركة هي وسيلة وليست هدفًا، بدأت فكرتها لمقاومة رفع نسبة الحسم للتمثيل البرلماني إلى 3.25%، كيف يمكن أننا لم نطرح أي اقتراح قانون لخفض نسبة الحسم هذه منذ أن أُقرت قبل أكثر من 11 سنة! هذا موقف مبدئي ديمقراطي لدينا ممنوع التنازل عنه. ومع هذا، موقفنا صحيح جدًا بإقامة المشتركة، لكن علينا المحافظة على زمام المبادرة وقيادة كيفية إقامتها والأسس التي تقوم عليها كحد أدنى، إلى جانب الحفاظ على نقاش سياسي مع المواقف الانتهازية لشركائنا فيها وتوضيح الاختلافات للجمهور، دون القيام بالمناكفات المنفرة للجمهور.
العمل اليهودي-العربي لم نستطع تطويره ورفع مستواه بالقدر المطلوب، لم نستطع الوصول إلى شركاء سياسيين يمكننا التحالف معهم للمدى البعيد، علينا الاستثمار أكثر في القوى الفاعلة في "شراكة السلام" وحسم علاقة بعض رفاقنا في حزب "عومديم بياحد" الذي يحسن لباس الأقنعة المختلفة وتوضيح هويته الحقيقية للناس والمضي قدمًا.
ما زالت منطقة الشرق الأوسط مستهدفة من الإمبريالية التي تتفق مع الحركة الصهيونية في تأجيج الصراع الديني، الأمر الذي يزيد من التعصب الديني لدى الجميع، وفي هذا الخضم نرى سيطرة التيارات الرجعية على المجتمع وتراجع مكانة المرأة، ليس فقط في مجتمعنا، بل في داخلنا، وهذا خط أحمر ممنوع القبول به أبدًا.
الحزب الثوري هو من يقرأ الخارطة بشكل صحيح ويكون جريئًا في طرح الحلول وتنفيذها، هذا الأمر تراجعنا فيه مما يشكل عائقًا في السير قدمًا، علينا تشخيص الداء وإعطاء الدواء، علينا حسم الأمور في العديد من القضايا التي تأخرنا في حسمها، حتى لو سنضطر أن نقطع باللحم الحي، لكن بهذا الشكل سنحافظ على الجسم سليمًا ومعافى، وغير ذلك ستنهشنا الأورام الخبيثة.
حزبنا هو أعرق حزب في البلاد وله مكانة عالمية أيضًا، علينا الحفاظ عليها كبؤبؤ العين، تغيرت أسماؤه وعلينا تحديث اسمه الحقيقي الذي جاء بعد النكبة: الحزب الشيوعي في إسرائيل، مع تجديد جدي في قيادات الحزب وضخ روح الشباب فيه بشكل قوي، مع خبرة التجربة ورفع جاهزية كوادره إلى المبادرة السريعة أمام التحديات الجسام التي تقف أمامنا.
ليكن المؤتمر رافعة للنشاط الثوري.
الرامة
5/2/2026

.png)


.png)






.png)



