وقع عليّ نبأ رحيل الرفيق العزيز محمد نفاع في صبيحة ذلك اليوم المشؤوم، 15 تموز الماضي، وقوع الصاعقة، أوّلًا لعدم علمي بمرضه، وثانيًا لأنه في آخر مكالمة لي معه أبلغني عن خطة يعتزم القيام بها مع مجموعة من قدامى الحزب الأوفياء، من بينهم توفيق كناعنة وعمر السعدي وعلي حريكي وعلي هيبي وآخرين لجمع ألف اشتراك جديد لصحيفة الاتحاد بهدف دعم الصحيفة وإبقائها يومية والعمل على رفع مستوى التثقيف الحزبي لدى الرفاق كخطوة أولى على طريق النهوض بالتنظيم ودبّ النشاط في الفروع. وثالثًا انه كان يصول ويجول من شمال البلاد إلى جنوبها وفي كثير من المرات سيرًا على الأقدام للالتقاء مع الرفاق والاجتماع بهم أو لإلقاء محاضرة في فرع ما أو في إحدى المدارس أو للمشاركة في مهرجان سياسي أو مظاهرة أو مناسبة حزبية. إضافة إلى أنّه لم يقصّر بواجبهِ كفلاح تجاه ما يملكه من آرض وأشجار أحبّها واعتنى بها. فكان نشيطًا وكثير الحركة ما يؤهله على مواجهة أي مرضٍ، خاصّة وأنّه في بيت جن الجليلية بالقرب من جبل الجرمق الشامخ، ويتنفس الهواء النقي من أجواء الجليل. لكن تأتي الأقدار بما لا تشتهي السفن!!
شرّفني، وأقولها بكل صدق، العمل لسنوات طويلة مع الرفيق محمد نفاع بدايةً في قيادة الشبيبة الشيوعية في منطقة عكا، ومن ثم في قيادة الحزب في المنطقة. كان متواضعًا بسيطًا صادقًا وفيًا لمبادئ الماركسية اللينينية متحزّبًا للمقهورين والمضطهدين في الأرض، أمميًا ناصعًا ومحبًّا لشعبهِ ولتراث شعبه الأصيل وأصالة لغته العربية، وحارب دون هوادة كل محاولات السلطة سلخ أبناء الطائفة المعروفية عن شعبهم الفلسطيني وتصدّى بكلّ عزم لقانون الخدمة الالزامية في جيش الاحتلال على أبناء الطائفة العربية الدرزية، وبادر مع مجموعة من الرفاق والزملاء الوطنيين من أبناء الطائفة الكريمة إلى تأسيس لجنة المبادرة العربية الدرزية لمواجهة مشاريع السلطة الغاشمة.
من خلال عملي اليومي معه تعرّفت على الكثير من الصّفات التي تحلّى بها، فإلى جانب البساطة والطيبة والتواضع، كان حازمًا في اتخاذ الموقف ويحارب بكل جرأة ودون هوادة الاتجاهات الانتهازية والانهزامية والتطرّف والتأتأة في تحديد الموقف الشيوعي الصحيح. كان يكثر من الأسئلة البسيطة والمملّة في بعض الأحيان إلى أن يصل إلى الموضوع الملح وهنا يكرس كل ما لديه من إبداع وطاقة فكرية لتوضيح الأمر بكل حذافيره كي يتم تحديد الموقف الصحيح.
في شخصه توحّدت الأضداد، بساطة وتواضع إلى حد متطرف وحزم وجرأة لا قياس لهما. البساطة والتواضع مردّهما صدق الانتماء لطبقة المقهورين والمضطهدين، أمّا الحزم والجرأة فهما ضروريان لانتزاع الحقوق وصولاً إلى تحقيق الحرية. هذا هو القائد الناجح والرفيق المبدع والمثابر.
ذات مرّة حدّثني أبو هشام بالقول: بتعرِف يا صلاح إنه أوّل بيت نمت فيه في كفرياسيف هو بيتكم؟ كنت في مؤتمر للشبيبة في تل أبيب وتأخّرنا في العودة مع رفاق كفرياسيف حتّى ساعة متأخرة من الليل فألح عليّ أخوك كمال المبيت في بيتكم، وما كان مني أن أرفض الطلب، كنت أنتَ في ذلك الوقت في الاتحاد السوفييتي، لكن الأهمّ من ذلك أنّني تعرفت في صباح اليوم التالي على والدتك، فهي انسانة جريئة وأصيلة تتحدّث بالسياسة بكلّ شجاعة، وتكن لكم ولرفاقنا التقدير والاحترام، ومثل هؤلاء النساء يجب أن ينزلن إلى الشارع للمشاركة في كل معارك شعبنا. شكرته على هذا الثناء وقلت له عرفت من أمي أنّك بتّ عندنا وإن ثناءها عليك فاق ثناءك عليها.
وفي مرّة أخرى التقيتُ أنا وأخي كمال الرفيق محمد نفاع في مناسبة حزبية، تصافحنا وتعانقنا وسرعان ما طرح سؤالاً مستفزًا والضحكة تملأ وجهه: بعده، مشير إلي بإصبعه، قليل خواص (بمعنى كسول) فرد كمال بكلمة لا. ما أراده أبو هشام في هذا السؤال هو التذكير بالمشادة مع كمال على إطفاء النور في غرفة نومنا فعندما أصررتُ على الرّفض اضطر كمال إلى القيام من سريره وأطفأ النور غاضبًا متمتمًا ببعض الكلمات، وهذا ما وصل إلى مسامع أبي هشام من رفاق كفرياسيف وعمد على تعميمها بين الرفاق. وختم أبو هشام هذا اللقاء بالقول لا أصدّق أن أحدًا من أولاد المرحومة حليمة (أمّي) يمكنه أن يبتعد عن العمل الحزبي. هذا هو أبو هشام يمازح ويداعب إلى أن يقول كلمته الأخيرة كالرصاص الحيّ على الهدف.
كان الرفيق محمد نفاع يمضي يومه في التنقل بين الفروع والمناطق الحزبية والمركز، وعلى مدار عشرات السنين من عمله الدؤوب المبدع في الحزب والشبيبة وبعد يوم عمله المضني هذا يعود ليلاً إلى قلمه. وهكذا امتزج معه العمل الحزبي الجماهيري اليومي والإبداع الأدبي والسياسي، فهموم الناس ومشاغلهم ومآسيهم تحوّلت إلى العديد من القصص والروايات. كذلك عمد رفيقنا على ترسيخ الوعي بالفكر الماركسي اللينيني الأممي.
ومن أهمّ إنجازات هذا القيادي الكبير، عندما شغل منصب الأمين العام للحزب، انه حافظ على وحدة الحزب ونقاء خطه السياسي في فترة من أصعب الفترات التي واجهت الحزب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظمة الاشتراكية وانقياد العالم كله وراء أمريكا وانتعاش القوى الرجعية على المستوى العالمي وبشكل خاص في العالم العربي.
خسارتنا كبيرة برحيل رفيقنا العزيز أبي هشام، ولتعويض البعض من هذه الخسارة علينا كشيوعيين شحذ الهمم والتشمير عن السواعد لتنفيذ المهام التي تمليها هذه المرحلة الحرجة علينا، وأن ننجز بعض ما خطط له رفيقنا الراحل.
أمّا للرفاق أم هشام وهشام وعدي ومروان ووليد فأتقدّم بأحرّ التعازي القلبية بوفاة الرفيق والزوج والأب، وأقول لهم المصاب أليم لكن هذه سُنّة الحياة ومثلنا الشعبي يقول من خلّف ما مات. فأبو هشام خلّف وراءه رفيقة ومناضلة وأم رؤوم وأبناء مناضلين أشاوس وطنيين خلوقين يفتخر بهم وعليهم يتكل في تعويض بعض ما حُرمنا منه بعد وفاة الوالد المحب لكم وللإنسان كإنسان. إضافة إلى ذلك خلف رفيقنا المرحوم تراثًا أدبيًا كبيرًا، تراثًا تقدميًا انسانيًا أصيلًا يعلّمنا والأجيال القادمة حبّ الوطن والتضحية في سبيله وحبّ الأرض وما عليها من بشر وحجر وشجر ونبات، وهذا بحد ذاته سلاح فعال لمحاربة الظلم والقهر والاضطهاد.
أبو هشام سيبقى منارة شامخة كالجرمق ما بقي، وله أقول شكرًا على سخائك في ما قدّمت لنا ولشعبنا وللإنسانية من مآثر وتضحيات وأدب أصيل، فنم قرير العين وثق أنّنا على العهد وأن راياتنا الحمراء، رايات المحبّة والسّلام والحريّة، ستظل خفاقة في الأعالي حتى النّصر.
الصورة: من اليسار لليمين: محمد نفاع، احمد سعد، صلاح دباجة وجمال شريف - في مؤتمر جبهة الناصرة 2008



.png)

.png)






.png)
