أبي لم يترك الحصان وحيدًا | د. فؤاد خطيب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 رحل أبي عنّا إلى أبديته البيضاء منذ أربعة عقود ونيف وكأنها البارحة. أذكره رجلاً قويًا ووسيمًا ومبتسمًا أبدًا باللباس العربي التقليدي أي "القمباز" والحطة الموصليين، أي أنها وصلت إلى فلسطين من مدينة الموصل في شمال العراق الشقيق التي كانت حينها أحد محطات طريق الحرير القديم الذي ربط الصين والهند بشرقنا المتوسط، قبل الزمان بزمان قبل أن وجدت الولايات المتحدة الدولة المارقة التي تستغل الشعوب وتسرق ثرواتهم ونفظهم وغازهم وقمحهم بأربعة آلاف سنة على الأقل. عقاله الذي اعتمره دومًا فوق الحطة البيضاء كان حلبيًا أبنوسيًا أسود ناعمًا بلون ليل فلسطين. ولد أبي هنا في بلدته الصغيرة على أطراف كروم الزيتون وعلى مقربة من وادي الزعتر والزيتون، أبوه كان كربيا، وجدّه وجد جدّه حتّى الجد المائة والخمسين الذي أتى فلسطين والجليل والساحل الفلسطيني من غزة إلى صور من شمال جزيرة العرب قبل لوثان أل سعود وقبل ميلاد السيد المسيح الفلسطيني الثائر الأول على ظلم الطغيان والجبروت وحينها ضد الامبراطورية الرومانية التي تشبه الولايات المتحدة اليوم التي ستسقط كما سقطت روما على أيادي العرب واهل المشرق القريب.

 كما قال الطاهر وطار الكاتب الجزائري الثوري في كتابه " اللاز": "لا يبقى في الوادي إلا حجارته"، والعرب هم حجارة هذا الوادي وهم هنا الخالدون. ولد أبي هنا في الجليل في فلسطين. بنى أجدادنا الكنعانيون مدنهم الجميلة مثل غزة وعسقلان ونابلس والقدس والناصرة وشفاعمرو وغيرها من المدن ومواقع الحضارة العربية في فلسطين، والتي تخضع إلى تدمير ممنهج من قبل من استولوا على فلسطين بقوة السلاح والطاغوت الاستعماري. لقد شاهدت أسماء 200 مدينة كنعانية مزدهرة مكتوبة بالخط الهيروغليفي المصري القديم على أحد أعمدة معبد الكرنك الشهير في مدينة الاقصر المصرية الذي كان كما الكرملين في موسكو الآن مركزًا لحكم الفراعنة حوالي 3000 عام، اذًا ذكرنا هنا وبهذه العجالة أن الإمبراطورية الفرعونية هيمنت حينها قبل الرومان على معظم العالم القديم وأفريقيا ومصر وحتى جبال أرارات في تركيا اليوم. 

في بداية القرن السابق كان أبي جمالا يملك قافلة من الجمال أوصلته قبل النكبة في تجارته المتنوعة إلى القدس ونابلس وبيروت وغزة. اسطبل الجمال الذي سماه أبي حبًّا في حيواناته الأليفة صديقة رحلاته الطويلة "بيت الجمال" مازال قائمًا حتى اليوم شاهدًا على عصر جميل في الساحة الخلفية لبيتنا القديم. ملك أبي الأطيان وكروم الزيتون وفلح الأرض مع عشرات العمال الزراعيين، فراطي الزيتون والحراثين والرعاة الذين رعوا قطعان غنمه وبقره. كان أبي مع اول ثلاثة رجال ممن أدخلوا منتوجات الثورة الصناعية إلى البلدة وربما في كل الجليل. اشتروا الشاحنات الانجليزية والامريكية بعد الحرب الكونية الثانية. ركبتها مرات لا تحصى معه ومع سائقه إلى القدس والبحر الميت وحيفا والناصرة حتى عمقا وصفد في الجليل الأعلى وجلت معه في وديان وجبال وسهول الوطن وحتى القدس عاصمة فلسطين وكأنني ركبت في حلم على بساط الريح. أذكر من الماركات بيت-فورد، ج.م.س، سوبر - وايت ولاحقا فولفو. كان معروفا قادرا وقويا وكريما وبشوشا ورجل أعمال من الدرجة الأول حينها. شغل في مشروعاته المتعددة عشرات العمال وتنوعت أعماله من أعمال البناء إلى التجارة بكل شيء وخاصة بالحبوب والحيوانات الداجنة والفحم النباتي وخشب الزيتون الذي باعه في القدس وبيت لحم لتصنيعه، حيت صنع منه الحرفيون والفنانون تماثيل جميلة للسيد المسيح وأمه مريم ومغارة المهد وكنيسة القيامة والأشياء الجميلة الأخرى التي اشتريها كل مرة حتى الآن عندما أزور القدس وبيت لحم. ثم بيع هذه المنتجات الجميلة التي تفوح منها رائحة الزيتون وأرض وتراب فلسطين إلى السياح الأجانب الذين زاروا وما زالوا كنيسة المهد وكنيسة القيامة والأقصى والصخرة وكنيسة البشارة في الناصرة وقانا الجليل. أحب أبي وطنه وعلّمني حب كروم الزيتون على مد البصر وقد كانت كرومًا جميلة ومعمرة ومنتجة. 

شرد في الوطن لبضعة ايام في النكبة ولكنه عاد رغمًا عن أنف المحتلين إلى أرضه وكرومه ولم يترك حصانه العربي الأصيل وحيدًا أبدًا. كان معطاء كريمًا، أحب الفقراء والمعدومين وأحبوه، وساهم بحصة الاسد في تأسيس وبناء وترميم المرافق العامة القليلة في البلدة حينها مثل المقبرة والجامع. دعم النازحين داخل فلسطين بعد أن هدمت النكبة بيوتهم وقراهم وغدت أثرًا بعد عين فتاهوا في فضاء فلسطين. أواهم في عماراته الواسعة، اسكنهم وشغلهم في أعماله الكثيرة والمتعددة وكانوا عشرات وعشرات العائلات التائهة التي بنت حالها بمساعدته وتأسست في الوطن من جديد، في بلدنا العامر. 

علمني الحب منذ صغري والكرامة الذاتية والوطنية وحب الناس وحب الوطن. نعم منذ أربعة عقود حواه تراب فلسطين تحت أشجار البطم الباسقات التي شذبها وهذب أغصانها واهتم بها عماله الكثر. ما زالت تلك البطمات النادرات في المنطقة كلها تضمه إلى صدرها وتحكي له حكايات الأولين وحكايات الوطن الذي أحبه وعشقه وبادله الوطن حبًّا بحب وطرح بين يديه غلاله وثماره وساعده في نجاحه في معظم أعماله. أخبرتني عمتي، أخته التي تكبره وحضنته في ساعة الفراق وقالت لي إنّه لفظ أنفاسه الأخيرة مبتسمًا، وذلك عندما رجعت أنا من تيهي في العالم البعيد متقفيًا آثار العلم والثقافة. لم أشهد جنازته ولكنه باق في فكري وفي وجداني أزور قبره وأذكره وأذكر بسمته وبشاشة وجهه وسيجارته العربية مشتعلة بين يديه عند عبوري إلى عملي يوميًا جانب المقبرة التي تضم قبره. لتبقى ذكراك يا أبي ومعلمي ونبراس حياتي وحبّي الكبير خالدة في وجداننا ووجودنا إلى الجيل المائة القادم في بلدنا فلسطين.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين