عنوان هذا المقال يلخص ما كان يعاني منه اليهود المغاربة الذين هاجروا و/أو هُجِّروا من المغرب العربي وتحولوا الى لاجئين في الوطن الجديد إسرائيل، ولكن ظل حنينهم يشدهم الى الوطن الذي أحبوه على الرغم من الظروف التي احاطت وتحيط بهم، خاصة عندما اختلطوا في المجتمع الإسرائيلي مع القادمين الجدد من دول الغرب ومن أوروبا بشكل خاص (اشكناز) فظهرت الفوارق الإنسانية وطرق المعيشة وظروف الحياة الجديدة، حتى أصبح المهاجر المغربي متهما بانه عنيف ويلجأ الى السلاح البدائي -السكين- من أجل ان يفرض ارادته على الاخرين. هكذا نما المثل العبري الشهير "מרוקו סכין" أي المهاجر المغربي مرتبط بالسلاح الحاد البدائي دفاعا عن نفسه في مجتمع يشعر بالاستعلاء فوق هؤلاء اليهود المغاربة.
ولما كان الشعر وسيلة ممتازة للتعبير عما يشعر به الانسان وعما يضايقه فقد برزت روح النقمة في قلوب هؤلاء القادمين الجدد الذين تركوا الوطن المغربي المحبوب لديهم وباتوا لاجئين في الوطن الجديد إسرائيل.
ولما كان بعض هؤلاء يجيدون كتابة الشعر العربي فقد تحول قسم منهم الى كتابة الشعر باللغة العبرية فجاءت قصائدهم واشعارهم مليئة بعدم الرضى وبالنقمة على المجتمع الذي يميز ضدهم ولا يحترمهم. من أشهر هؤلاء الشعراء برز الشاعر اليهودي إيرز بيطون والبروفيسور الشاعر شموئيل موريه وسامي شلون شطريت وغيرهم حيث جاءت اشعارهم معبرة عما يضايقهم الى ان يصحو المجتمع الجديد فيتعامل معهم باحترام رغم جذورهم التي جاؤوا منها كما سنرى.
في هذا المقال يدور الحديث عن كتاب عنوانه "أثر الهجرة في شعرية المغاربة اليهود" للدكتورة شادية حامد. صدر هذا الكتاب باللغة العربية بقلم الأخت شاديةة التي قامت بالعديد من الزيارات الى المغرب العربي وتعرفت على العديد من الشخصيات البارزة والشعراء العرب والشعراء اليهود أيضا، ودرست مميزات هذا الشعر الجديد والمختلف. فالشاعر اليهودي القادم الى إسرائيل انتقل من كتابة الشعر باللغة العربية الى الكتابة باللغة العبرية وفي كتاباته كان يشكو مما يضايقه كيهودي عربي ومضطهد في المهجر الجديد في إسرائيل.
هكذا ومنذ الصفحة الأولى نلمس نقمة الشاعر إيرز بيطون على حياته الجديدة في المجتمع الجديد حيث يقول:
آلامنا تحضرنا في الليل
حين ينام القوم نحن في غفوة وليست بغفوة
بين يقظة ونوم
نحن الحراس الخالدون
تغمرنا الذاكرة كصديق سوء
فقط مرة واحدة
لننام كأطفال حتى الصباح!
مما ذكر نلمس حاجة هذا الشاعر الذي يعتبر من كبار شعراء المهجر اليهود، نلمس حاجته الى النوم العميق كالأطفال حتى الصباح لان هناك من قد يحتقره ولا يتعامل معه كانسان محترم حتى ولو كان يهوديا!
تقسم الدكتورة شادية حامد بحثها في أثر الهجرة على اليهود المغاربة شعرا الى قسمين:
القسم الأول يبحث في تاريخ هجرة اليهود من وطنهم العربي على عجل وظروف معيشتهم في المهجر أولا اما القسم الثاني فيبحث في شعر هؤلاء اليهود بعد المهجر أي بعد وصولهم الى إسرائيل. هنا وبعد الهجرة لم يجد هؤلاء مكانة محترمة لهم في الكيان الصهيوني الجديد فبات قسم منهم يندب على ما خسره في الوطن السابق في المغرب حتى ولو ان قسما منهم حاول التماثل والعيش بكرامة في المجتمع الجديد على الرغم من صعوبات المعيشة، حيث حصل لهم تفاوت كبير في أساليب العيش وفي الحياة الاجتماعية الجديدة وفي التفاهم مع اليهود الأشكناز الغربيين الذين لم يرضوا عن هذه الهجرة فكانت حياة القادمين المغاربة غريبة عن حياة اليهود المحليين والقادمين من حضارة الغرب.
وهنا وعلى الرغم مما ذكر فان الباحثة الدكتورة شادية حامد حاولت الاطلاع على الشعر العبري\عربي لهؤلاء القادمين قبل الهجرة وبعدها وركزت على الفوارق وعدم الرضى او النقمة التي شعر ويشعر بها شعراء المغرب ولو كتبوا باللغة العبرية فقد اخذت الباحثة على نفسها مهمة ترجمة كافة القصائد التي اطلعت عليها وترجمتها للغة العربية لتسهل على القارئ العربي وبعض القراء اليهود عملية قراءة ومراجعة هذا البحث الذي يدور حول أثر الهجرة في شعرية المغاربة اليهود وهذا هو عنوان البحث.
تقول الأخت شادية حامد ان المجتمع الإسرائيلي منقسم على ذاته بين مصطلحين وهما يهود الشرق ويهود الغرب ويكني اليهود عن الفريقين بالمصطلحين اليهود السفاراديم أي الشرقيين واليهود الأشكناز أي الغربيين، ويبرز التمييز بين القسمين لان لدى الأشكناز شعور بالاستعلاء على اليهود الشرقيين السفاراديم. ولما كانت الكاتبة تعتمد على بعض ما أصدره شعراء اليهود من شعر خاص بهم فقد وجدت خلال بحثها ان الشاعر ايرز بيطون قد اصدر ديوانين الأول قربان مغربي صدر عام 1976 والثاني سفر النعناع وصدر عام 1979, وتضيف يعتبر هذان الديوانان اول صرخة يصعدها هذا الشاعر المغربي اليهودي المهاجر الى إسرائيل والذي ترك اثرا جليا وواضحا في الشعر العبري الشرقي.
هكذا عملت الباحثة على دراسة تطور الصوت المغربي حتى منتصف سبعينات القرن العشرين وتحدثت عن تصادم المفاهيم الشرقية مع المواطنين المحليين اليهود والعرب.
اما الفصل الثاني فيتحدث عن أثر الأيديولوجيا والسياسة في الشعر ويعود الفصل الثالث الى تعريف الصوت الشرقي والهوية الشرقية وتشكلها ومفاهيمها ومحاولة طمس معالمها محليا واتباع سياسة التذويب القهري.
اما الفصل الرابع فيستعرض نقطة التحول السياسية والاجتماعية وانتصار الصوت الشرقي بعد انقسامه الى أربعة فروع.
أخيرا يأتي الفصل الخامس ليبحث في التنوع الأيديولوجي والسياسي وخصائص هذا التنوع لدى اليهود المغاربة بشكل خاص.
كانت الهجرة من المغرب أكبر هجره عرفتها إسرائيل وكانت قد بدأت منذ ما قبل ظهور الإسلام ولكن لأسباب دينيه. اما في العصر الحاضر فكان أكبر تيار هجره يهودية من المغرب الى إسرائيل بين سنتي 1961-64 فقد بلغ عدد اليهود المهاجرين الى إسرائيل 240 الف مهاجر ومعظمهم لأسباب دينيه. فقد كانت هذه الهجره ناتجة عن فتوى أصدرها الحاخام يعكوف بن تسور، يهودا العطر والحاخام شالوم درعي. هكذا نمت الهجرة من البلدان الأخرى وأقيمت منظمة "أهفات تسيون" عام 1903 ومع ذلك كانت هجرة يهود المغرب محدودة بالنسبة لهجرة اليهود من أماكن أخرى في العالم.
في عام 1904 توفي هرتسل زعيم المؤتمر الصهيوني فهمدت حركات الهجرة الى إسرائيل بما فيها هجرة اليهود المغاربة. لم ينشط يهود المغرب في الحياة السياسية في إسرائيل حتى عام 1921 عندما دخلوا عضوية المؤتمر الصهيوني كمغاربة. ولكن هؤلاء المغاربة لم يلعبوا دورا كبيرا في قيادة الحركة الصهيونية لان اليهود من أصول غربية كانوا اكثرية مسيطرة على المؤتمر الصهيوني وكان هذا المؤتمر ينظر الى المغاربة كفئة دينية محافظه كما ان عدم معرفة اليهود المغاربة للغة العبرية ابعدتهم عن القيادة.
ظل الوضع كذلك حتى صدر وعد بلفور عام 1917 فتغير وضع المغاربة وتحولوا الى الهجرة لكن ظلت علاقة هؤلاء المغاربة بالمؤتمر الصهيوني منقطعة خاصة بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945. ومع ذلك فقد ظهرت حركه سميت باسم "التفرنس" ولم تكن هناك أسباب كافيه تحث على هجرة المغاربة كما ان نشاط المؤتمر الصهيوني في المغرب كان ضعيفا جدا ولم تتوفر لليهود المغاربة قيادة حكيمة او نشيطة تشجع على الهجرة الى إسرائيل. في هذا الوقت بعث الرئيس المصري جمال عبد الناصر برسالة الى ملك المغرب محمد الخامس طالبه فيها بعدم السماح للمغاربة اليهود بالهجرة كذلك توجهت جامعة الدول العربية الى المغرب بنفس الطلب وذلك بعد تأسيسها عام 1945.
وفي الداخل الإسرائيلي اتضح ان سياسة التمييز العنصري ضد اليهود المغاربة أظهرت ان القيادة الإسرائيلية كانت تحفزها سياسات عنصرية ضد اليهود المغاربة الذين كتب عليهم ان يعيشوا حياة الفقر في هذا المهجر الجديد.
بعد سنوات الستين تدخل الملك محمد الخامس لتحديد هجرة اليهود المغاربة وبعد غرق السفينة pieces بالمهاجرين اليهود من المغرب عام 1961 وبسبب نشاط اليهود في الهجرة فقد كثرت المعارضة بحيث تحول قسم الى الهجرة سرا الامر الذي سبب توترا شديدا في العلاقات مع الملك المغربي بحيث فقد اليهود مكانتهم في النسيج الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المغربي خاصة بعد استقلال المغرب عام 1956.
المغاربة في إسرائيل
هنا تبدأ مرحلة جديدة هي الصراع بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين - المغاربة: فالجالية اليهوديه كانت محافظة وقد قدمت من مجتمع عربي إسلامي تقليدي لتلتقي بواقع مختلف: فالعائله الشرقيه كثيرة الأولاد والمجتمع ديني او متدين في الغالب التقى هذا المجتمع بمجتمع علماني لا يؤمن بجذور العائلة وتحول الى الأسماء العبرية. هذا عدا عن اللباس التقليدي والكشف عن الرأس وإظهار سيقان المرأة والانتقال الى مجتمع ذكوري أي مجتمع مساواة متحضر تشترك فيه المرأة مع الرجل في الخروج من البيت والعمل معه في نفس أماكن العمل وبلغة عبرية كانت غريبة عن المغاربة الشرقيين.
هذه الفروق وهذا التمييز برز واضحا في شعر المغاربة على يد بعض الشعراء المغاربة الذين كان أبرزهم ايرز بيطون الذي كانت اشعاره اشعار تحد فكونت نقطة تحول من الماضي الى الحاضر الجديد وفيه صدى احتجاج على شكل المجتمع الإسرائيلي الأوروبي الاشكنازي الغربي والظالم الذي حول الهوية الشرقية الى هوية عديمة الشرعية غير جديرة بالاعتراف.
درس المثقفون هذه الاشعار وقسموها الى مدارس شعرية عديده مليئة بالمصطلحات الغربية والايديولوجيا الجديدة – السياسية بحيث باتت السيطرة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الثقافية حكرا علو اليهود الاشكناز الغربيين.
هكذا بدأ بيطون يكتب مدافعا عن اليهود الشرقيين ويلجأ أحيانا الى الشتائم كما في القصيدة التاليه:
انا اكتب لكم اشعارا بلغة الاشدود (... شتيمة) لام امك
خلا دار منكم وافنى بيت ابيكم (... شتيمة)
لئلا تفهموا ولو كلمه واحده
كتب بيطون هذا النص بحروف عبرية وكلمات مغربية ولكنه كتب اخر جمله باللغة العبرية كما لو كانت موجهة الى طبقة الاشكناز الغربيين.
ينتقل بعد هذا الى كتابة ما يسمى بالشعر السياسي أي ذلك الشعر الذي يرى في الشعر وسيلة للتجدد من اجل تغيير الواقع.
اما الشاعر شطريت فيكتب ردا على ما طرأ امامه ما يلي:
امي! امي!
نيويورك مدينه غريبه
والإنجليزية تثلم اشواق ذاتي
الى مثل العربية المغربية
كيف كنتي تصدعيني
تعالي يا امي اريكي بيت والدك
آجي يما
نور بالك دار بوك
تعالي يا امي
واكتشف لك أمريكا
لو حاولنا اختصار تعريف المهاجر المغربي مقابل الاشكنازي لوجدنا الفروق التاليه:
- عالم تقليدي مقابل عالم حديث
- عالم نام مقابل عالم متحضر
- عالم مؤثث بالعقائد والخرافات مقابل عالم علمي
- فكر متحلف مقابل فكر مؤمن بالتقنيه الحديثه
- بدائية مقابل تطور
- اهل لهامشيه مقابل أصحاب انتاج
هكذا ظهرت هذه الجالية في نظر الاشكناز الغربيين جالية بدائية غير مثقفة قذرة متعددة الافراد ثرثارة تتحدث بأصوات مرتفعة يكثر فيها الانحراف الجنسي والعربدة وتصرفات افرادها فجة ويفتقرون الى اللباقة والتدبير.
الشاعر سامي شلوم شطريت
يعتبر شطريت من كبار شعراء المغاربة فقد كتب الكثير وبروح مختلفة في كل مرة بحيث جاء شعره ممثلا لثقافة أخرى غير ثقافته وفي اشعاره حاول المزج بين الثقافتين الشرقية والغربية كما انه اهتم بالحفاظ على هويته من خلال انشاء علاقات إيجابية مع ثقافة الأم، ولكنه طور علاقته أيضا مع ثقافة الاخرين دون ان يصبح جزءا منها.
التحول
على الرغم مما ذكر حتى الان فقد ظهرت لدى اليهود المغاربة نقطة تحول تاريخيه. ففي عام 1959 أطلقت الشرطة النار على يهودي مغربي فاصابته برجليه وقامت المظاهرات خاصة في وادي الصليب في حيفا هذا الوادي الذي كان حيا للفقراء العرب وللمهاجرين الجدد هكذا بدأت المظاهرات تنتقد تصرف الشرطة التي اعتقلت البعض وجاءت الانتخابات عام 1977 حيث نجح حزب الليكود وفشل المعراخ.
كان لهذا التحول اثر كبير في مفهوم الشعر العبري الجديد حيث اعتبر هذا الشعر شعر الشتات وبات القارئ العبري ينظر اليه كشعر طائفي محلي يفتقر الى ثقافة فنية او كما سماه البعض "ادب أقليات" فكان هذا التحول بداية لعهد جديد وشعر جديد وفكر جديد ولكن شرقي!
هنا تحول اليهود المغاربة الى مبدعين ادبا نثرا وشعرا وبلغة عبرية مع ادخال بعض الالفاظ العربية المأخوذة من المغرب العربي.
ذكرنا في الصفحات السابقة الشاعر بيطون الذي كان ينشر قصائده في الصحافة المحلية وكان يميل الى المبادئ الاشتراكية والواقعية الاجتماعية فمن قصائده نذكر ما يلي:
فقط من الأفق سنسمع تذمرا ما للمزامير
وعندما يصل النعش ...
لن ترتجف اذن ...
ولن تكبر اذن ...
سنقف عبثا ذابلين في قلب شارع يافا
هذا الشاعر لديه أصوات تعبر عن الحنين وعن المعارضة وعن الصراعات الداخلية والدعوة الى التصحيح والإصلاح. هكذا يخاطب امه قائلا:
امي امي من قرية الشجيرات الخضراء
كنت احضرها بعيدا الى داخل قلبي
في صباحات شتائية كانت امي تحضر حساء الحريرة تعطره بدفئها في يوم بارد وتتبله بأمنيات قليلة وكنا نقابل نوافذ مخلعة ننام ثلاثة وأربعة في سرير واحد
وأخيرا نقتبس القصيدة التالية:
يقولون عنها عندما تغني (أي عن المغنية زهرة الفاسية)
يحارب الجنود بالسيوف
لشق الطريق بين الحشود
للوصول الى اطراف ثوبها
للثم اطراف اصابعها
واليوم من الممكن وجودها في اشكلون في خرابات
بجانب مكتب الشؤون الاجتماعية
لزهره الفاسيه صوت مبحوح
قلب نقي وعيون ممتلئة بالحب
زهره الفاسية!
اما الشاعر شموئيلوف فلديه موقف متناقض بين احترام المجتمع العربي و\أو الابتعاد عنه كما في القصيدة التالية، حيث يقول:
انتبهوا ما الذي يحدث على قطار لغتنا
عربي نتن
كلب عربي
لا تأكل كما العربي
العربي الجيد هو العربي الميت
الموت للعرب!
اذن هو غير راض عن هذا التوجه لانه غير انساني.
أخيرا نقول: هذا الكتاب يلخص الواقع الإسرائيلي وأوضاع المهاجرين المغاربة من حيث الثقافة والحياه الاجتماعية والسياسية في المهجر الجديد ويوثق تطور الصوت المغربي الى "الانا" الشعرية الشرقية في الادب العبري. هكذا لمسنا ان الشاعر بيطون كان فاتحا للطريق التي سار عليها من تبعه من شعراء المشرق.



.png)

.png)






.png)
