أجمل الإبداع هو الخيال| د. فؤاد خطيب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ما يميّز الجنس البشري عن سائر المخلوقات الأخرى هو دماغه. خاصة القشرة الرمادية التي تغلفه وتحوي في أحشائها الرقيقة على مليارات الخلايا العصبية المتطورة والمراكز الدماغية المختلفة التي تقود الكائن البشري فيسيولوجيا، جسديًا وحسيًا، عقليًا ونفسيًا.

 في هذه المراكز العصبية تتم العمليات المعقدة مثل المقدرة على النطق والتفكير والحب والكره والجنس والحركة العضلية الارادية واللا ارادية. تتحكم تلك المراكز في أعضاء وحواس الجسد مثل القلب والرئتين والكلى والجهاز الهضمي وغيرها من تلك الأنظمة الحية المعقدة التي تؤمن للكائن الحي عامة وللإنسان خاصة حياة بيولوجية منظمة وفعالة عشرات السنين. هناك أيضًا تتم العمليات النفسية المجردة غير المحسوسة التي تشبه بنيانا فوقيا مجردًا غير منظور حسيًا، وان كنا نعرف علميًا أنه موجود وأنه مركز قيادة العمليات والقيادة الجسدية والنفسية ومن ثم عمل الجسد البشري كوحدة واحدة في وقت واحد وفي حياة تبدو أحيانًا كثيرة أنها معقدة. في الدماغ البشري هناك ينبت الفكر والمنطق والخيال، هناك تتمركز العمليات الفكرية المجردة التي نعبر عنها بحواسنا وبأفعالنا الجسدية البادية للعيان.  نبكي ونذرف الدموع، نبتسم ونظهر بسماتنا تعلو الوجوه، نحب ونعشق فينكسر الحب في عيوننا وحركاتنا وفي كلماتنا الرقيقة التي تهفو وتغرد عشقًا للمحبوب. تنطلق من شفاهنا كلمات الغضب والكره وكلمات الحب المتراقصة على وقع نغم الحب الذي نحسه في عقولنا وفي قلبنا وهو يلمس شغاف القلب.

تطورت البشرية ملايين السنين وأصبحت كل تلك الأمور التي ذكرناها نتيجة حدث طبيعي سهل، ولكنه بالحقيقة عملية معقدة وربما أكثر من سفرة مأهولة إلى المريخ الذي تحضر لها البشرية عشرات السنين. نعم البشرية تطورت وها هي بعد قرنين من الثورة الصناعية في أوروبا والتي لم يصل قطارها الغربي البخاري إلى محطته بعد وتاه في طريقه الينا إلى الشرق وخصوصًا العربي بفضل الدين السياسي الذي يسيطر على أكثر من 90 بالمئة من العقول العربية التي لا تبحث معظمها لا عن الحاضر ولا عن المستقبل، وانما تحلم  بدنيا غيبية بعد الممات، جنات عدن وحور عين وأبدية لم يرجع منها أحد ليخبرنا عنها وإن هذه الدنيا هي غير ذات أهمية بل ممر إلى هناك ولذلك لا حاجة إلى تطويرها وسبر غرائبها وتنظيمها كما فعل كل البشر في العالم المتقدم. فكريًا وحتى عمليًا، كان الفراعنة في هذا الأمر أكثر منا تقدمًا فحنطوا أجسادهم وحتى انهم خزنوا غذاءهم وتركوا في قبورهم سلاحهم وحضروا مراكب الشمس إلى عالم الغيب الذي كان على الضفة الغربية للنيل حيت غربت الشمس في الغرب وهم عاشوا على شاطئ النيل الشرقي لأنهم حسبوا انهم بعد الممات سيعودون مرة إلى جنة الأرض الموعودة هذه التي عاشوها على ضفاف النيل.

 

***

نعم الثورة الصناعية والتقنية حولتنا من مجتمع زراعي اقطاعي إلى واقع تحت إمرة مجتمع صناعي ذكي غربي استعماري شرس كمستهلكين للتقنيات الحديثة بامتياز وللبضائع العصرية من كل صنف وليس لنا لا ناقة ولا جمل في خلقها وصناعتها. نقف الآن نحن والبشرية كلها على أبواب عصر آلات ذكية وتقنية رقمية متطورة جدًا تفكر وتحسب وتحلل وتنقل نتاج عملها بسرعة مذهلة فائقة جعلتنا نحن المستهلكين نقف مذهولين حائرين خائفين من المصير ومن سيرة وصيرورة تعيشه وتتقدم تجاهه بثقة الدول المتفوقة، عصر ربما تحكم فيها الآلات الذكية، اذ هي الآن باتت تحسب وتفكر اصطناعيًا وتحلل وتستنتج وتقرر أحيانًا وحدها ولكنها رغم تقدمها الهائل بقيت عاجزة عن الخيال غير قادرة على خلق أفكار مستقبلية تسبح في بحر مجرد غير ملموس ولا محسوس ولا تقدر أن تغور في أعماق النشاط الفكري المنطقي الانساني.

  الخيال هو عملية استنباطية انسانية ذهنية تصورية نتاج العقل البشري المجرد فقط، حتى الآن لم تصله الآلات الذكية ولن تصله في المستقبل المنظور على الأقل. رؤى المستقبل العلمية وافلام الفنتازيا العلمية تتحقق بعضها أمام أعيننا ومداركنا التي لا تنفك تحسب وتفكر برهبة إذا وصلنا إلى أن يتحكم في أمورنا وحياتنا البيولوجية والحسية العقل الآلي الذي هو بالأساس مجموعة أسلاك وشرائح الكترونية ودوائر وأزرار كهربائية صنعت بتقنية متطور وشاشة نراها أو نحملها ملونة، تقود إدراكنا وأفعالنا وحتى أفكارنا في أحيان كثيرة. حلم وتجربة عباس بن فرناس العربي الاندلسي في الطيران وخيال جول فيرن الكاتب الإنجليزي، أتحققت بكاملها حتى الآن؟ طار الانسان وأصبحت الطائرة وسيلة نقل عادية، الغواصات التي تخيلها فيرن تقتحم أعماق البحار منذ عشرات السنين، حتى التلفون المرئي والمحمول والتلفزيون أصبحت كلها من مكونات الحياة العصرية التي تخيلها في عقله وشط بها خياله الخارق منذ أكثر من قرن من الزمان.

الخيال كان ومازال المحرك الرئيسي لكل عملية التقدم والابداع التي حققتها البشرية المتطورة في مجالات اختراعاتها وابداعاتها. لولا الخيال المتقد المتميز الذي لم ولن يعرف الحدود لما كتب هوميروس الاغريقي الضرير الالياذة والاوديسا، عن حرب طروادة بين طروادة في آسيا الصغرى واليونانيين القدماء والتي دارت رحاها على أرض تركيا اليوم. وصف ذلك الشاعر الضرير الفذ فرسانها ومعاركها وابطالها وخيولها بدقة متناهية وشفافية مرهفة وكأنه شاهدها بأم عينيه الضريرتين كل أحداثها وسير أبطالها عندما نقرأ أبيات قصيدته المطولة وضعها هذا الشاعر الضرير تكاد لا تكون لها نهاية. نجزم أن البشرية وضعتها وبحق في مقدمة الملاحم الشعرية الانسانية في مختلف العصور. لولا الخيال لما وضع الخوارزمي معادلاته الرياضية وخوارزمياته وهو العربي الشهير ذات المجاهيل المتعددة التي ما زالت أحد أهم الأسس للتقنيات الرقمية المذهلة التي نعيشها الآن. لولا الخيل العلمي المبدع لما انطلق غاغارين يجوب الفضاء الخارجي كأول انسان ولما وضع نيل ارمسترونغ قدمه على سطح القمر أمام البشرية وبالبث المباشر وخطوته تلك غيرت فهم البشرية للكون الذي نعيش فيه ومعه. لولا الخيال لما أبدع كاتب او برع رسام ولما ألفت الموسيقى غذاء الروح ولما خلق نحات أفكاره من الأحجار الصلدة الصماء. الخيال إذن عملية عبقرية، عملية تصور وخلق الجمال وخلق المستقبل، نتاج ذهني مميز للعقل البشري فقط حتى الآن.

هناك أبحاث طبية حثيثة تبحث في خلق طرق علاجية لأمراض مستعصية مزمنة عمادها الخيال. أكدت تلك الأبحاث بعد التجارب على البشر أن الخيال بمعناه المفهوم لغالبية الناس طريقة فعالة في عملية البناء والهدم التي تدور رحاها دون توقف داخل الخلايا الحية في الجسد البشري الحي. ركزت تلك الأبحاث على عمودها الفقري الخيال وعلاقته الممكنة بجهاز المناعة الانساني التي تغور في أحشائه أسباب المرض وخفايا الموت وأسس الهدم والبناء أي الحياة والموت.

 لقد دل تحسن ملحوظ عند بعض مرضى السرطان بعد تدريبهم استعمال خيالهم الايجابي كأداة علاجية في كفاحهم الطويل من هذا المرض العضال. مجرد الاستلقاء واطباق الجفون في بحر من الخيال في شطآنه السعيدة والمتفائلة ترافقها موسيقى أصلية يحبها المريض عندنا كأغاني أم كلثوم أو فيروز أو صباح فخري. نعم هذا الاستلقاء والاسترخاء والأفكار الايجابية تؤدي إلى تغيرات فسيولوجية ايجابية داخل الجسد الواهن المريض. كما أسلفنا في حالة الأورام الخبيثة والأمراض المستعصية الأخرى وهي كثيرة للأسف يؤدي التحليق في فضاء الخيال الايجابي إلى زيادة عدد كريات الدم البيضاء القاتلة التي تهاجم الخلايا السرطانية التي تتكاثر على حساب خلايا الجسد السليمة وتؤدي في حالات كثيرة إلى تعديل مستوى الضغط والسكر في الدم. هناك اخبار عن أبحاث أخرى أكدت امكانية انقاذ المرضى الغارقين في مستنقع الميلانخوليا واكتئاب النفس السوداوي ذاك المرض العصابي النفسي العميق الذي يعصف بالبشرية إلى قعر مظلم ليس له قرار ويتسبب بانتحار ملايين البشر كل عام. التجارب على المرضى العصابيين ومرضى الاكتئاب أشارت بوضوح بأن الخيال الايجابي المدرب مثلاً في النرويج تؤدي أيضًا إلى افرازات هرمونية الغدد الصماء وفي الوصلات بين الخلايا العصبية وتبعث بدورها راحة عميقة للجسد وللروح على حد سواء. تلك المواد التي تفرزها الغدد الصماء وخاصة الغدة النخامية والأنسجة الحية تشابه إلى حد كبير من ناحية تركيبها الكيميائي العضوي المواد المخدرة المصنعة التي تستعمل في طب التخدير بصورة عامة وبالجراحة بصورة خاصة لتسكين آلام الجراحة وبعث السكينة في النفوس المعذبة، غير أن فعاليتها أقوى عشرات أو مئات المرات ولا تسبب أعراضًا جانبية فهي من انتاج الجسد البشري لعلاج ذاته وللمحافظة على صيرورته وبقائه وسعادته.

الخيال كالهواء والماء ملك لكل البشر بغض النظر عن موقعهم المادي الاجتماعي أو الاقتصادي السياسي، الفرق هو مقدرة الفرد على استعمال خياله من أجل ذاته ومن أجل مصلحة عامة فيها الخير للجميع. يمكن للعامل أن يستعمله فيصبح عمله أكثر اتقانًا، يمكن للبستاني أن يتخذه أداة اضافية رخيصة في عمله فتصبح حديقته أكثر جمالاً ونضارة. كما يمكن للمهندس والطبيب أن يصلوا إلى نتائج مذهلة في أعمالهم وبدون تكاليف. الخيال أداة فعالة وناجعة تملكها فقط النفس البشرية دون سواها. وهي إبداعية وعلاجية بامتياز.

النفس كل نفس قادرة وفيها طاقة بغض النظر عن نسبة الذكاء قادرة على اخضاع الخيال الايجابي بعد تمارين ارشادية بسيطة تعتمد بالأساس على ضبط النفس وتركيزها ومن ثم السيطرة على أدائها بنجاعة، ليس فقط في الهروب من الواقع القاسي الذي تعيشه الآن غالبية البشرية رغم التقدم المادي الهائل في الدول الصناعية. نعتقد أنه حان الوقت لكبح وكسر جناح الرأسمال الشرس الذي يحاول أن يسيطر على العقل الانساني ومن ثم على الخيال وهدفه الربح المادي لبعض الأفراد أصحاب المليارات هناك الذين يسيطرون على وسائل التواصل الاجتماعي التي تخترع التقنية المتقدمة الواحدة بعد الأخرى لزيادة أرباحها على حساب أغلبية البشر.

 هذا التقدم المتسارع الشرس يوجب ضرورة احكام سيطرة أغلبية البشرية عليه. يكون هذا بخلق ثورة تقنية انسانية منافسة للغرب العنصري. الشرق واصحاب الحضارة الانسانية القديمة في الصين وروسيا ومصر والعراق وسوريا قادرة على قلب الطاولة على الغرب والرأسمال الغربي العنصري الذي يخلق الحروب والعداوة بين الشعوب وينسى هذا الغرب الغارق بعنصريته البغيضة والمتأصلة أننا جميعا بشر لنا نفس الغايات الراقية والحق رغم أنوفهم بالعيش الكريم على هذه الأرض هنا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين