«مات مِنْ حزنٍ على مَنْ ظلموه
لم يكن يا قارئ الشَّاهد عاهر!»
أسد محمّد قاسم
\\حلم غريب
ثمَّة قصَّة طريفة ترتبط بكتابتي لهذا الموضوع، أعتقدُ أنَّها ربَّما تستحقّ أنْ تُروى:
صحوت على نفسي، ذات صباحٍ بعيد، مِنْ حلمٍ غريبٍ كنتُ خلاله أكتبُ موضوعاً جميلاً عن الشَّاعر الأردنيّ الرَّاحل أسد محمَّد قاسم. وقد بدا لي أنَّني سردتُ فيه تفاصيلَ كثيرةً مهمّةً، وعبَّرتُ عن أفكارٍ عميقة لامعة. ووجه الغرابة في هذا الحلم يعود إلى أنَّني عندما نمت في الليلة السَّابقة لم أكن قد فكَّرت في أسد محمد قاسم أو الكتابة عنه، أو تحدَّثت عنه مع أيٍّ كان، أو قرأتُ له أو عنه أيَّ شيء.
بل أظنُّ أنَّني لم أكن قد فعلتُ أيَّ شيءٍ مِنْ ذلك منذ مدَّة طويلة. كما أنَّ معرفتي المباشرة بالشَّاعر الرَّاحل كانت محدودة جدّاً؛ لم تتعدَّ لقاءً عابراً في إحدى المناسبات الثَّقافيَّة في رابطة الكتّاب الأردنيّين؛ حيث قام صديقٌ مشترك بتعريف كلٍّ منّا بالآخر، فتبادلنا بضع كلمات وديَّة، ثمَّ أكَّد كلٌّ منّا للآخر أنَّنا يجب أن نلتقي مرَّة أخرى، إلا أنَّ ذلك لم يحدث مطلقاً، مع الأسف.
.jpg)
\\أصداء صوت الشَّاعر
كوني لم أعايش أسد محمّد قاسم مِنْ قرب ولم ألتقِ به إلا لماماً لا يعني أنَّني لم أكن أعرفه، أو أنَّه لم يكن يعني بالنّسبة لي شيئاً. لا، لقد كان الأمر على العكس مِنْ ذلك تماماً؛ فقد كان لهذا الشَّاعر والإنسان المميَّز حضورٌ قويٌّ في نفسي، مِنْ خلال الحكايات الكثيرة الَّتي طالما سمعتها عنه وعن مكانته الَّتي كانت متألِّقةً بين أناس زمانه وتأثيره القويّ فيهم بأشعاره الوطنيَّة (والأمميَّة) الحماسيَّة، في خمسينيَّات القرن الماضي الصَّاخبة المتفجِّرة.
وذات يوم، بين أواخر سبعينيَّات القرن الماضي وأوائل ثمانينيَّاته (وكنت آنذاك نزيل «سجن المحطَّة» في عمَّان)، جاءتني، مِنْ أخي سالم (الَّذي كان حينها يدرس في هنغاريا) رسالة ذكر فيها أنَّه التقى بأسد محمَّد قاسم في بودابست في إحدى المناسبات العامَّة هناك، وأنَّ أسدَ طلب منه أن يبلغني تحيَّاته. فكان ذلك، بالنِّسبة لي، إعادة بعثٍ لأسطورة قديمة متوارية في خيالي وملتصقة بوجداني.
ومرَّت الأيَّام، بعد ذلك، مِنْ دون أن أسمع أيَّ شيءٍ عنه ومِنْ دون أن يحدث أيُّ تواصلٍ بيننا، إلى أن كان ذلك اللقاء العابر في رابطة الكتّاب الأردنيين في أواخر التّسعينيَّات.
\\طيفٌ من الدَّانوب الجميل
عاد أسد محمّد قاسم إلى الأردنّ في أوائل التّسعينيَّات، بعد حالة الانفراج السِّياسيّ الَّتي سادت البلاد في أعقاب انتفاضة نيسان 1989. وقد أحاطت بحياته بعد عودته ظروفٌ صعبة يمكن وصفها بالتَّراجيديّة؛ حيث عاش في غربةٍ شديدةٍ عن ما (ومَنْ) حوله، وصادف الكثير مِنْ سوء الفهم والإساءات. لا لشيء سوى أنَّه كان صادقاً ومستقيماً مع نفسه ومع الآخرين، ولا يتنازل عن مبادئه وقيمه وإنسانيَّته وحريَّته الشَّخصيَّة والسِّياسيَّة مهما كان الثَّمن.
ومن المفارقات المضحكة المبكية، في هذا المجال، أنَّ بعض من ناصبوه العداء آنذاك، برَّروا عداءهم له بحججٍ قيميَّة وعقيديَّة.. حتَّى إنْ كانت زائفة! ولكنَّه باستقامته وثباته، وباعتداده الكبير بذاته، ونزوعه الأخلاقيّ الإنسانيّ الرَّفيع، كان، مِنْ دون أن يقصد، يكشف انحطاط «أخلاقهم»، وزيف «مبادئهم» وكونها مجرَّد لبوسٍ بالٍ لمصالح أنانيّة وأمراضٍ نفسيَّة واجتماعيَّة مستعصية.
لقد ترك أسد محمَّد قاسم، خلفه، الدَّانوب الجميل، وبودابست السَّاحرة، وزوجته الهنغاريَّة وأبناءه منها، وعاد.. ما إنْ سنحت له الفرصة. عاد كطيفٍ أسطوريٍّ متسلِّلٍ مِنْ ماضٍ جميلٍ حيويٍّ ومتدفِّق إلى بقايا حفلةٍ لرأس السَّنة؛ حيث «النّدامى غادروا والليل مات»؛ عاد لا لشيء إلا «ليموت على أرض وطنه»، كما ذكر لبعض أصدقائه. الأمر الَّذي ذكَّرني ببعض طقوس الهنود الحمر القديمة؛ حيث كان المسنُّون، الَّذين لم تعد حياتهم تغريهم بالبقاء «على قيدها»، يذهبون إلى أماكن معيَّنة ويجلسون فيها ساكنين إلى أن يموتوا.
\\طقوس الموت
ويبدو أنَّ أسد قد دخل طقوس الموت مباشرة بعد عودته إلى البلاد؛ إذ عاش منعزلاً في بيت أهله القديم في إربد، مقتصراً في علاقاته على مجموعة محدودة من الأصدقاء والأقرباء. ذلك لأنَّ:
«السِّنين الباقيات
فارغات
ككؤوس الخمر عند الفجر في رأس السَّنة
صامتاتٍ مُتعبات
بعيونٍ جاحظات
وثغورٍ باسمات
مثل قبر
النَّدامى غادروا والليل ماتْ»
بهذه الصّورة الكئيبة رأى أسد ما تبقَّى مِنْ حياته. وهذا المقطع هو جزء مِنْ قصيدة له بعنوان «لحظة مرارة» كتبها في السَّنة نفسها (1992) الَّتي عاد فيها إلى الأردنّ.
\\زبدُ البحر
كان الاتِّحاد السّوفييتي و«المعسكر الاشتراكيّ» قد انهارا للتّوّ، آنذاك، وسيطر على المسرح الدَّوليّ معسكرُ الخصوم والأعداء، وتوالت الهزائم العربيَّة وتعمَّقت. وفي إحدى قصائده الَّتي كتبها في تلك الفترة، وهي بعنوان «هلوسات غوربيَّة»، يصبُّ «أسد» جام غضبه على غورباتشوف (آخر رئيس للاتِّحاد السّوفييتيّ وصاحب السِّياسة المعروفة بالبريسترويكا) وزوجته رايّسا، متّهماً إيّاهما بأنَّهما اضطلعا بدورٍ أساسيٍّ في إحداث هذا الخراب لخدمة الصَّهيونيَّة والرَّأسماليَّة العالميَّة، داعياً إلى إعادة الاعتبار للقيم النَّبيلة الَّتي استهدفتها معاول الهدم والتَّدمير؛ فيقول:
«لنعد للشّعلة الأولى
أضاءت درب مَنْ كانوا ضياعاً في دياجير القرون
ذرذرت كالنَّجم نوراً فهدتهم
صيَّرتهم مشعلاً للآخرين»
ثمَّ يقول على لسان غورباتشوف مخاطباً زوجته رايّسا:
«قلتُ أنجزت المهمّة
في خطاب الاستقالة
هل ترى أهلوك راضون؟
لقد أسقيتهم حتَّى الثَّمالة
صار زِبلي قطعةً من زبلهم
غير أنّي
خائف مِنْ غضبة التَّاريخ
هل يرضى بأن يسجن في كيس زباله؟
ذكِّريني مَنْ هو القائل يا رايّسا نسيت:
نحن ما دمنا مع الشَّعب سنبقى في عداد الخالدين
زبد البحر على الشَّاطئ يفنى
قد تذكَّرت اصمتي هذا لينين».
(بودابست - 22/3/1992)
\\غُربة مُركَّبة
أستطيع أن أفهم الغربة الَّتي عاشها هذا الشَّاعر المرهف، المعتدّ بذاته، والمتمسِّك بمبادئه وقيمه، بعد عودته إلى بلاده؛ فهو، حين عاد، عاد إلى عالمٍ غير ذاك الَّذي تركه قبل عقود، وإلى ناسٍ غير أولئك الَّذين عرفهم وتفاعل معهم في الماضي البعيد.
لقد قلت: «أفهم ذلك»، وأنا أعني الاستناد إلى تجربتي الخاصَّة في الإحساس بالغربة، رغم أنَّني لم أكن في المنفى، ورغم أنَّ مدَّة غيابي لم تقارب مدَّة غيابه. فعندما خرجت من السِّجن، بعد سنوات، وجدتني غريباً عن مَنْ حولي.. وحتَّى أولئك الَّذين كنت أعرفهم في السَّابق وجدت أنَّهم أصبحوا غرباء عنِّي وأنَّني لم أعد أعرفهم، وكنت أحاول (وكانوا يحاولون) البحث عن لغةٍ مشتركة بيننا، ولكن مِنْ دون جدوى. وفي النِّهاية كنت أجد في الصَّمت والانطواء ملاذاً مريحاً ومطمئناً، أهرب إليه مِنْ عناء هذا التَّواصل المرهق.
وعندما كنت أشعر بالحاجة إلى تواصلٍ إنسانيٍّ حقيقيّ، كنت أذهب إلى السِّجن لزيارة رفاقي هناك والحديث معهم لأطول وقتٍ ممكن. الأمر الَّذي أثار شكوك إدارة السِّجن، فظنَّت أنَّ وراء زياراتي المتكرِّرة تلك هدفاً حزبيّاً «مريباً»، فعمدتْ إلى منعي مِنْ زيارة السِّجن نهائيّاً. ولعلَّ هذا بالذَّات هو ما اضطرَّني إلى بذل جهدٍ أكبر في محاولة التَّواصل مع النَّاس الطّلقاء، بدلاً من الاقتصار على التَّواصل مع السّجناء. (وظَّفتُ هذه الواقعة في قصّةٍ لي بعنوان «نقل رسائل»، وهي منشورة في كتابي القصصيّ الموسوم «1986» الصَّادر في العام 2009).
وشعور الإنسان الخارج من السِّجن بالغربة، يتطابق – في ما أظنّ – مع مشاعر الغربة الَّتي يشعر بها الإنسان العائد من المنفى. فالمنفى أيضاً سجن؛ بل إنَّه في تقديري أشدّ قسوةً ومضاضةً من السِّجن. الأمر الذي تمنَّى معه محمود درويش، بعد خروجه المديد مِنْ بلده، لو أنَّه كان «طليقاً في سجون النَّاصرة». ولذلك، عندما «خُيِّر» كاتب هذه السّطور، مِنْ سجَّانيه، ذات يومٍ بعيد، بين تسهيل طريقه إلى المنفى وبين وضعه في السِّجن لسنين طويله، «اختار» السِّجن مِنْ دون تردّد.
على أيَّة حال، شعور أسد محمَّد قاسم بالغربة يتخطَّى فارِق المكان وفجوة الزَّمان. وربَّما أنَّ ما عمَّق شعوره بالغربة هي صِدقه، وثباته على مبادئه، وتمسّكه بقيمه، في الوقت الَّذي اختار فيه كثيرون، من الَّذين عادوا من الخارج في تلك الفترة، أن يتلوَّنوا حسب الظّروف والأحوال، وأن يقفزوا، إذا ما تطلَّبت مصالحهم ذلك، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، مِنْ دون أن يرفَّ لهم جفن أو تختلج لهم عضلة قلب، وشرعوا على الفور يكرزون حكمتهم الجديدة، كما لو أنَّهم رضعوها مع حليب أمَّهاتهم، ويلعنون ويسخِّفون حكمتهم القديمة مِنْ دون تأتأة أو تلعثم، كما لو أنَّهم كانوا على خلافٍ معها منذ وُجدوا، ويزايدون على المحافظين الجدد وأضرابهم، كما لو أنَّهم هم مَنْ وضعوا تعاليم الرَّأسمالية وأفكارها، في صيغتها المتوحِّشة، لا آدم سميث وديفيد ريكاردو.
لقد وجدوا «ضالّتهم الجديدة» من الحقيقة (يا للمصادفة!) فقط بعدما أُقفِلتْ أبواب منافعهم مِنْ حقيقتهم السّابقة وفُتِحت أمامهم أبواب الانتفاع مِنْ هذه الحقيقة «الجديدة»!
ولم تكن طبيعة هؤلاء خافية على «أسد» حتَّى في الزَّمان القديم؛ ففي قصيدة له، بعنوان «القدس والسَّفير»، نلتقي بشخصٍ محسوبٍ – زوراً وبهتاناً – على الثَّورة والثَّوّار، ولكن ما إنْ يحدِّثه (الشَّاعر) عن القدس والمخاطر الَّتي أصبحت تهدّدها في ظلّ الاحتلال، حتَّى يفاجأ به يقاطعه.. لا ليقول شيئاً عن القدس، بل:
«ليسألني عن الأسعار
في البورصة
وعن صحَّة ما يروى من الأخبار
إذ قالت
لقد زلَّت مساءَ الأمس رِجل المارك فانخلجت
وطالت إثر عرجته كثيراً قامة الدّولار.
ولا يخفي سعادته ما قد صار فكلّ رصيده الثَّوريّ الوافر بالدَّولار».
وفي مثل هذه الأحوال البائسة، كان أسد محمَّد قاسم يقول لنفسه:
«قد كنتَ غريباً وستبقى
لن تهرب مِنْ سجن الغربة
قدرٌ بجبينك منقوش والغربة ما كانت سبّه!
فاصمد إن كنت أخا مبدأ
فالمبدأ صبر ومحبّه».
(مِنْ قصيدة له بعنوان: إلى أسد محمَّد قاسم)
وإنَّ ما كان يراه أسد مِنْ فداحة سوءات أمثال هؤلاء في الخارج، جعل غربته المكانيَّة تصير غربة مركَّبه؛ ففي قصيدة له بعنوان «على ضفة الدَّانوب»، يقول:
«أيُّها الدَّانوب
كم تعرف أسراراً ولكنَّك صامت
كأبي الهول على سرِّك ثابت
قل ولا تقسو عليَّ
فأنا في الشَّط يا دونا غريبٌ ووحيد
مثل عصفور رمته العاصفة
فوق بحرٍ مِنْ جليد
وجناحي ليس مِنْ نار فأدفئني بِحَرِّ الكلمات».
وفي قصيدة صغيرة بعنوان «لحظة مرارة»، يقول:
«تختلج الدَّمعة في عينه... ويودّ يودّ ولا يبكي
قولوا للغربة لا تحكي... عن طفلٍ يرقص مشنوقاً بحبال
الحجّة والشَّكِّ».
أمَّا غربته في المكان، فكان يعبِّر عنها (ويواجهها)، حيناً، بالحنين إلى المكان العربيّ:
«الدّونا مِنْ بردى أجمل
لكنَّ العشق إذا غلغل
في القلب سنين
قد يفتر حيناً قد يذبل
لكن لن يفنى
وسيبقى بردى الأجمل
بردى الآخر والأوَّل».
وأحياناً، يواجهها بمحاورة رموز التّراث العربيّ الإسلاميّ، كما هو واضح مِنْ عناوين قصائده التَّالية: «نداء إلى رهين المحبسين»، «قدر المتنبّي»، «أبو ذر الغفاريّ»، «من وحي القرآن»، «عزّ الدّين القسَّام»، «تقسيمات على وتر القرآن مِنْ وحي القرآن الكريم»، «رسالة إلى حمدان القرمطيّ»، «عمّار بن ياسر»، «رسالة إلى عمّار بن ياسر»، «رسالة إلى حسن البصريّ»، «رسالة إلى عبد الملك بن مروان»، «رسالة إلى أبي يوسف يعقوب الكنديّ»، «رسالة إلى سعيد بن جبير».
غير أنّه لم يكن ينحو في ذلك منحىً نكوصيّاً انعزاليّاً؛ أي مِنْ ذلك النوع مِنْ ردود الفعل الَّذي يعبِّر في الأصل عن موقفٍ دفاعيٍّ هشٍّ مبنيٍّ على الشَّكّ في متانة الذَّات الوطنيّة (والقوميَّة)؛ بل، على الخلاف مِنْ ذلك، كان خطاب أسد الشِّعريّ يتَّسم بنبرة قويَّة، مبنيَّة على ثقةٍ كبيرةٍ، تثير الإعجاب، بالذَّات الوطنيَّة والقوميَّة، بل وأيضاً بالذَّات الفرديَّة. كما أنَّه لم يكن يرَ ذاته (بأبعادها المختلفة) إلا وهي مندمجة في إطارها العربيّ والإنسانيّ. وقد وصف نفسه، في إحدى قصائده، بأنَّه شاعرٌ «عربيُّ الدَّم كونيُّ المشاعر».
وهذا ما يؤكِّده بشكلٍ ملحوظ في مجمل قصائده؛ إذ بينما هي تعبِّر عن انشغاله إلى حدٍّ كبير بهموم أمَّته من المحيط إلى الخليج، فإنَّها بالدَّرجة نفسها والحَميَّة نفسها والحماس نفسه تعبِّر عن انشغاله أيضاً بهموم الشّعوب الأخرى وقضاياها في مختلف أنحاء العالم. ومِنْ ضمن ما يدلّ على ذلك عناوين بعض قصائده: «شبح أميركا»، «غواتيمالا»، «في طريق هانوي»، «إلى الكابتن شافعيّ (ثوريّ أيرانيّ أعدمه نظام الشَّاه)» وسواها.
\\أسد كشخصيّة روائيّة لكتّاب عرب
بالإجمال، يمكن القول إنَّ تجربة أسد محمَّد قاسم الحياتيَّة، بأبعادها وتفاصيلها المختلفة، كانت تجربة واسعة وعميقة وغنيَّة، وإنَّ حرصه على الاحتفاظ باستقامته وبمبدئيَّته وبكرامته الإنسانيَّة، رغم كلّ الظروف الصَّعبة الَّتي مرَّ بها، خلق منه إنساناً مميَّزاً؛ أقرب ما يكون إلى كونه شخصيَّةً روائيَّة.
ولذلك، فقد كان يترك أثراً عميقاً لا ينمحي في نفوس كلِّ مَنْ عرفوه؛ الأمر الَّذي جعل عدداً من الكتّاب العرب المعروفين يبنون بعض رواياتهم على شخصيَّته المميَّزة. ومِنْ أبرز هؤلاء: حنّا مينا وناديا خوست.
ولكنَّه، في المقابل، ولأسبابٍ تتعلَّق بطبيعة شخصيَّته نفسها المبنيَّة على الأنفة والاعتداد بالذَّات، لم يحظَ بالرّواج الإعلاميّ الَّذي يستحقّه، ولم يملك أيَّ نفوذٍ ماليّ أو سياسيٍّ أو نحو ذلك. ثروته ورصيده كانا فقط ما تركه مِنْ أثرٍ طيِّب وعميق في نفوس مَنْ عرفوه وفي الذَّاكرة الوطنيَّة، وأدبه الَّذي يسجِّل مواقفه وأفكاره الشّجاعة والحرّة.
قال في قصيدة له بعنوان «على شاهد قبري!»:
«ها هنا يرقد شاعر
عربيُّ الدَّم كونيُّ المشاعر
مثل سيزيف صبوراً كان مَنْ
بالتَّرهيب والتَّرغيب ساخر
غضباً ثرّاً وإيماناً عنيداً. كان
طوفاناً من الحبّ يحيل الفحم إن شاء لماسٍ وجواهر
مات مِنْ حزنٍ على مَنْ ظلموه
لم يكن يا قارئ الشَّاهد عاهر!»
(بودابست - 24/4/1978)
ترى هل هذا الكلام مكتوبٌ على شاهد قبره الآن في إربد؟
لست أدري.
أغرب ما سمعتُ عن هذا الإنسان الكبير النَّبيل، يتعلَّق بظروف موته؛ إذ قيل إنَّه أوصى ابن أخته، الَّذي كان يزوره مِنْ حينٍ لحين للاطمئنان عليه، بأن يمرّ ببيته بعد يومين فيقرع بابه، فإذا لم يسمع منه جواباً ولم يفتح له، يستدير خلف البيت وينظر مِنْ شبّاك غرفة نوم خاله وسيجده عندئذٍ قد فارق الحياة. وهذا ما كان بالفعل بعد يومين. الأمر الذي عمَّق في ذهني فكرة المقارنة مع طقوس موت الهنود الحمر القديمة.
ومن المفارقات التي صاحبت موته، أنَّ إمام الجامع المجاور لبيته رفض الصَّلاة عليه؛ لأنَّه شيوعيّ! مِنْ حُسْنِ حظِّه أنَّه مات قبل «داعش» و«النّصرة» (وأضرابهما)..
أعرف، بالطَّبع، أنَّه ما كان ليهمّ أسد محمَّد قاسم (أو يعنيه) رأي شخصٍ كهذا به.. أو حتَّى ما إذا كان قد صُلِّيَ على جُثمانه أم لا؛ لكنَّ مثل هذا الموقف التَّكفيريّ، المتخلِّف وغير الإنسانيّ، يبقى، رغم ذلك، حجَّةً على صاحبه ووصمةَ عارٍ له ولما يمثّله.
في الختام، هل أكون، بهذا، قد دوَّنتُ الموضوع الَّذي كنتُ قد حلمتُ بأنَّني كتبته عن أسد محمَّد قاسم؟
أشكّ بذلك.



.png)

.png)






.png)
