إن أصول كلمة نفر من اللغة المصرية القديمة، ومعناها الطيب، وهي من ألقاب الإله أوزريس (إله البعث والحساب)، وأيضا زوجة الفرعون أخناتون (الروح الحية لآتون). وقد كنى أخناتون (اسمه الاصلي "أمن حتب"، ومعناها رضا الإله آمون) قرينته "نفرتيتي" (الجميلة أتت)، وهناك احتمال أنها نسبة للإله آتون، آتون هو الإله الذي أعلن عنه إله الشمس الموحد الذي لا شريك له، ونوره يفيد جميع الأجناس، ويمثل آتون في شكل قرص الشمس، بأشعتها التي تنتهي بأيد بشرية، لتمنح الحياة والرخاء للأسرة، وهناك من يفرض أنه من معاني نفرو في قاموس الهيروغليفية، وقد اشتق هذا المصطلح من الكلمتين اليونانيتين "هيروس" Hieros و "جروفس"graphen وتعنيان "الكتابة المقدسة"، إشارة إلى أنها كانت تكتب على جدران الأماكن المقدسة (الحسن والجميل)، و"نفرو" (الطيبون أو السعداء). و"نفر" أيضا "بيت الجمال"، واسم للقبر، ونفرتيتي ترجمتها الحرفية "الجميلة أقبلت". وتتردد كلمة نفر كثيرا في النصوص الفرعونية، بالمعاني: جميل، رائع، حلو، سعيد، نقي، شفي من مرض...
والنفائر (نفرور) في العربية هي العصافير. ويرجعها أنيس فريحة إلى الكنعانية، ومعناها العصفور الصغير، مثل الدوري (كتابه ملاحم العرب ص٦٧٧)، ومن معانيها الواردة في لسان العرب النَّفْرُ: التفرق المذعور، بينما ابن الأعرابي يقول: النَّفائر العصافير وفي القاموس النفارير العصافير.
إلا أن تأصيل كلمة عصفور في اللغات السامية لا يذكر كلمة "نفرو"، فمثلا، العصفور في الاكادية "إصَّر"، والاوچاريتية [رأس الشمرا] عصور"، والسريانية ܨܸܦܪܵܐ صفرا والعبرية צִפור والعدنانية "عصفور".
واشتهر وتناقل التراث العربي "عصافير المنذر"، حيث كان للنعمان بن المنذر جِمال ذات سنامين يقال لها عُصْفورِيٌّ، وهي من نجائب الإبل، عليها ريش ليعلم الجميع أنها من عطايا الملوك. وهكذا ازداد الجَمال جَمالًا، فالعصافير هي الجِمال (كما اشتق العرب من الناقة الأناقة، ويمكن سحب ذلك على اسم نفرتيتي "عصفورة جميلة").
أرجح أن نفرور من المصرية القديمة، وأضيف كتأكيد لذلك بأننا نجد هذه الكلمة في الأمازيغية "ابو نفرو"، ومعناها الجميل، وفي الليبية العامية اسما لطائر "الفرو"، (لأنه يفر وينفر فجأة وبسرعة مذهلة وجذابة)، وهو طائر الفر في بلاد الشام، واسمه في العربية "السلوى"، ومصدره السامية الأم (שליו). ولقد ارتبطت ليبيا بمصر بشكل وثيق في التاريخ الفرعوني القديم، واستوطن الليبيون في مصر، والفراعنة من شيشنق الأول حتى الخامس من أصل ليبي، كما ذكر هيرودوتوس أن النساء الليبيات كن لا يتناولن لحم البقرة؛ لأنها الحيوان المقدس للمعبودة المصرية "أزيس" زوجة وأخت الإله أوزريس، لذا النزر القليل الذي عرضته من تفاعل وتلاقح واختلاط حضاري بين مصر الفرعونية وإفريقيا وبشكل خاص ليبيا يقود للاستنتاج بأن أصول تسمية العصفور "فرو" منقول عن اللغة الهيروغليفية.
ونفرتيتي لم تكن ملكة عادية كغيرها من ملكات مصر؛ بل كانت شخصية متفردة بذاتها، وقد أحاط الغموض تفاصيل حياتها وحتى مماتها، إنها الاسطورة الخالدة للجمال والأناقة (تمثالها موجود في متحف في برلين).
وطال الجدال بين المتخصصين حول أصلها وموطنها، فاعتبرها البعض أجنبية (من أصل كنعاني)، في حين قال آخرون أنها ابنة الملك أمنحتب الثالث من زوجته "تي"، وكتبت جوليا سامسون رواية "كتاب نفرتيتي الجميلة التي حكمت مصر في ظل ديانة التوحيد"،
ولم تكن نفرتيتي شخصية جميلة وجذابة وحسب، بل كانت ايضا شخصية قوية يهابها الرجال والنساء على السواء، وكان لها دورًا بارزًا في حياة أخناتون؛ فكانت له نعم الساعد والمعين في نشر دعوته وتثبيت دعائم دينه الجديد، والذي دعا فيه إلى عبادة إله واحد لا مثيل له، وصوره بقرص شمس يرسل أشعته على الكون بأيد بشرية تفيض خيرا (وهي "عنخ" مفتاح الحياة). واعتقد أن معبوده اتون هو القوة الكامنة وراء هذا القوس الشمسي، وأنه واحد لا شريك له، وجعله إلها عالميا لكل الشعوب، ورفض أن يتم تصويره في أية هيئة، سواء كانت بشرية أو حيوانية، فقد دعا إلى عبادة القوة الخفية وراء قرص الشمس.
وانطلقت دعوته من فكرة، أن جميع الآلهة ليست إلا صورة متعددة لإله واحد، فنادى بعقيدة دينية جديدة تدعو إلى عبادة إله واحد وهو "آتون"، واتخذ له عاصمة جديدة هي "أخيتاتون" في تل العمارنة.
وتمحورت دعوته التوحيدية بالقضاء على جبروت وبطش كهنة الإله السابق (آمون)، إذ قال فيهم أنهم سحرة ومشعوذين، وأنهم مصدر الاستغلال والفساد، فعزلهم من مناصبهم لأن أقوالهم وأعمالهم "ذروة الإثم والدمار والفساد".
إلا أن هذه الدعوة للتغيير لم تتوفر لها المقومات والأرضية الصالحة للنجاح، أي جاءت سابقًة لأوانها، فكانت محصلة القوى في ميدان الصراع تصب في مصلحة الأكليروس المعزول والقيادة العسكرية والنخب المعزولة الخاسرة بثروتها ونفوذها، لتنجح في صراعها التناحري بالقضاء على هذا التغيير الجذري، فنجدها تتفنن في حياكة الشائعات والمكائد وترويجها حول أخناتون وزوجته في حياتهما وفي مماتهما. وقد تمكنت القوى المتضررة من التغيير بأن تدغدغ بأحابيلها وترهاتها عواطف الكثيرين وإقناعهم بأن أخناتون الذي ألغى ودنس عبادة امون، هو شاذ وفاسق عقليا وجنسيا، وذلك بنشرها ممارسته اللواط مع أخيه، وزواجه من إحدى بناته، وأن زوجته قد هجرته نكاية لشذوذه. إلا أن الحفريات كشفت مستندات أنصفته وعرت سفاهة وانحطاط خصومه، فمثلا عثر على نص يعود الى السنة السادسة عشرة لحكمه (أي قبل وفاته بقليل، عام ١٣٣٤ ق.م) والذي يذكر ويؤكد بأن نفرتيتي زوجته، كما اكتشفت أيضا قاعدة تمثال منقوش عليها "نفرتيتي هي سيدة كل الأرض، والعالم، والزوجة الشرعية للفرعون، وسيدة العالم، فائقة الجمال، والتي يحبها زوجها"، كما عثر على رسم يركبان فيه عربة ويتبادلان القبل تحت "أشعة اتون"، كما صورت الرسومات والنقوش التي وصلتنا على المسلات وجدران المعابد تقدير اخناتون لزوجته وهو يحاورها بحب واحترام، ولوحة أخرى تصورهما يتسامران ونفرتيتي تحتضن إحدى بناتها، مما يؤكد حياتهما الأسرية المتينة والحميمة.
وانضم أيضا إلى العناصر والقوى المعارضة للتغيير الجذري الطبقة العسكرية التي أغضبها تدهور اوضاع الامبراطورية المصرية لتركيز اخناتون كل امكانياته من أجل إنجاح دعوته.
وتُنقل لنا رسائل العمارنة المكتوبة بالخط المسماري المخاطر التي تربصت بالإمبراطورية المصرية وعدم اهتمام الملك بالسياسة الخارجية وعدم حمايته لحلفائه الأسيويين أمام تنامى خطر الحيثيين والميتانيين وقبائل العابيرو، وموته فى ظروف غامضة حوالي عام ١٣٣٦ ق.م.
وخلف أخناتون "سمنخ كارع" ثم شقيقه الملك "توت عنخ آمون" الذي ارتد عن عقيدة آتون وترك العاصمة إلى طيبة وأعلن عودة عقيدة آمون. وتمّ تحطيم وطمس ديانة اتون التوحيدية، وتدمير كل معالم العاصمة التي شيدها اخناتون، وقد مات وعمره ٢٠ سنة. كاد التاريخ أن ينساه لو لم يتم العثور على مقبرته في بداية القرن العشرين، ليعرف العالم عراقة حضارة مصر وأهمية دعوة اخناتون، ولذلك كتب المؤرخ بريستد بأن مصر هي "فجر الضمير الإنساني"، وهي التي نقلت لنا مفهوم التوحيد، وخلود الروح والبعث والدينونة والصيام والأساطير والأناشيد والقصص الدينية، ولوحة الملكة نفرتيتي والأهرامات والكرنك ومعبد ابي سمبل ووادي الملوك والكثير الكثير...
ووصل إلينا ما قام به كهنة امون والقائد "حورمحب" السفاح من تدمير لكل أثر لأعمال اخناتون، وأيضا تزوير الكهنة لهذه الحقبة المفصلية في تاريخ الأديان بتلفيقهم لاخناتون التهم المفبركة بالشذوذ الجنسى والأخلاق غير حميدة، والتي ضحدتها ما كشفته الحفريات الآرخيولوجية، والتي تطرقت سابقا إليها.
الصورة:
الملك اخناتون والملكة نفرتيتى يقدمان القرابين



.png)

.png)






.png)
