أشير باصبع الاتهام| عدنان أبو ربيع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

    منذ نضوج الرأسمالية في عالمنا وهي تسعى، وما زالت، بدون كلل أو ملل، وبشتّى الوسائل لتضمن بقاءها وتوسع نفوذها. هذه هي حقيقتها منذ نشأتها وعبر كل تاريخها.  ليس للرأسمالية قيم ولا أخلاق ولا قومية ولا دين ولا وطن، وطنها هو المكان الذي يؤمن لها ربحها الطائل والمتكاثر باستمرار وبوتيرة عالية. هي التي أقامت الدول حسب مقاسها، وهي التي هدمتها عندما تصدعت وشاخت وأصبحت عاجزة عن تأدية دورها لتبنيها من جديد بتصميمات أكثر ملائمة لبرنامجها ولمصالحها.

    هذا هو القانون الوجودي، وشرط الحياة للرأسمالية، بغض النظر عن انتمائها العرقي - الشكلي المصمم بخبث، الرأسمالية اليهودية لا تختلف عن غيرها من الذئاب "الكل أشباه" وهم يعلمون جيدًا انها ظاهرة تاريخية عابرة لا بدّ من استبدالها مع تطور المجتمع البشري.

    قبل المؤتمر الصهيوني الأوّل بعشرات السنين كانت الرأسمالية اليهودية، وبحكم المصالح المشتركة، قريبة من بلاط كل قصور الدول الإمبريالية. في تلك المرحلة كانت الإمبراطورية العثمانية في حالة احتضار وكانت الدول الإمبريالية الأوربية تتأهب للانقضاض عليها عندما تسمح الظروف.

    في سنة 1897 عقد المؤتمر الصهيوني الأول، كان خطابه المعلن، ايجاد وطن قومي لليهود، أما في جوهره فكانت الغاية ايجاد وطن قومي للرأسمالية اليهودية، وإن كانت الطبقات اليهودية الفقيرة والعمالية وبعض رجال الثقافة اليهود، كانوا قد آمنوا وانخرطوا في التنظيم وحاربوا من أجله، وكان ذلك بتأثير غسيل الدماغ الذي تعرضوا له.

    في حينه كانت الدول الامبريالية أشد رغبة من آباء الصهيونية وفكرها لإقامة مثل هذا الوطن، لكونه كفيلاً بشق العالم العربي ومن ثم تفكيكه، وهذا ما نحن به اليوم.    كانت الدول الامبريالية تعلم جيدًا انه لا يمكن اقامة وطن قومي يهودي، يكون طاهرًا من الأغيار، إلا على أنقاض الشعب الفلسطيني الذي عانى من ويلات التطهير العرقي وما زال.

    سنة 1948 لم يبق من أهل البلاد الشرعيين إلا قلة لا يتجاوز تعدادهم 150 ألف نسمة، أرادوهم أن يبقوا لحاجاتهم المعيشية كحطابين وسقاة ماء، أن يكونوا عبيدًا في وطنهم. عندما تجاوز عدد الفلسطينيين داخل الدولة المليون نسمة ثارت ثائرتهم ودق ناقوس الخطر في عقولهم المريضة فلجأوا إلى آليتهم الجديدة القديمة، وما أبرعهم في حياكة الروايات المناسبة للأهداف.

    كان لزامًا عليّ وضع هذه المقدمة أمامكم للتذكير أولاً ولاختيار مسار التحليل ثانيًا، ولوضع خطة لحماية أنفسنا ثالثًا، ولكي نتصدى لعقلية جلد الذات رابعًا.

    الجريمة في مجتمعنا العربي ليست لعنة من السماء حطت فوق رؤوسنا، لكنها من صناعة أجهزة الدولة التي صممت لهذا الهدف، وعلى رأس هذه الأجهزة يقبع أصحاب القرار السياسي، بدون استثناء، ومنذ قيام الدولة حتى يومنا هذا.

 أشير بإصبع الاتهام نحو كل من تحدث أو لمّح أو حذر من "الخلل" في الخارطة الديموغرافية الاسرائيلية قبل وبعد نشأة دولة اسرائيل. وأنا لا أعرف رئيس حكومة أو وزيرًا أو أي منظر صهيوني، أو أي عسكري اسرائيلي كبيرًا كان أم صغيرًا، أو من قيادة جهاز الأمن، لم أعرف أحدًا من هؤلاء لم يحذر من هذا الخطر الديموغرافي "المميت"، وكم بالحري إذا أقبل هؤلاء "الخطر"، اي نحن، على التعليم والتطور وخاضوا في ميادين الثقافة ليرتفع منسوب وعيهم فأقدموا على تنظيم أنفسهم سياسيًا بهدف حماية أنفسهم.

أشير بإصبع الاتهام نحو كل من حاول ويحاول تقسيمنا عنوة إلى طوائف متناحرة وأحمّله مسؤولية ارتفاع منسوب الجريمة في مجتمعنا العربي. أشير بإصبع الاتهام نحو كل من يروج لتسويق عقلية التفسخ التي تسعى لتقسيمنا إلى مسلم، مسيحي، درزي، بدوي، بهدف إغراقنا في بحر التشرذم والجريمة. النفاق يوصل إلى الشقاق، والشقاق يؤدي إلى الكراهية، والكراهية تدفع حتمًا نحو الجريمة.

أشير بإصبع الاتهام نحو أجهزة الأمن التي فتحت (بالعقل) أبواب مخازن السلاح لتأخذ طريقها إلى مجتمعنا العربي، والحديث يدور عن مئات آلاف قطع السلاح لتصول وتجول علينا وبيننا. قد يكون قسم من هذا هُرب عبر الحدود وهذا حسب أجهزة الاعلام وبعض المسؤولين، فإن كان قد حصل ذلك فإنّ في هذا فضيحة نكراء لأجهزة الأمن والاستخبارات الاسرائيلية التي هي من الأقوى في العالم، فهي تعرف ما يدور في أكثر الجلسات السرية للكثير من حكومات العالم، القوية منها والضعيفة، بما فيها الحكومات الحليفة والصديقة.

أشير بإصبع الاتهام إلى جهاز الشرطة الذي قام بإغلاق مئات ملفات الجرائم بحجة عدم وجود الدليل ولم يكشف هذا الجهازعن أي جريمة سوى الواضحة والفاضحة والموثوق منها.

    ان ما صرح به أحد ضباط الشرطة الكبار، في الآونة الأخيرة، فيه أدلّة صارخة بممارسات الشرطة العنصرية، حيث قال "ما لنا وللجريمة في الوسط العربي، دعوهم يقتلون بعضهم بعضًا ولا تقلقوا فإنّ معظمهم عملاء لنا ويخدمون مصالحنا". هل يعلم هذا الضابط النشيط أنّ الجريمة ليس لها حدود، فهي كما النار قد تحرق مُشعلها أو على الأقل أطرافه. ثم من المسؤول عن ظاهرة "الخاوة" المنتشرة في المجتمعين العربي واليهودي كما تنتشر الجائحة بل ألعن، لأنّ الجائحة قد يجدون لها لقاحًا أو علاجًا أمّا الخاوة والسوق السوداء ليس لها علاج إلا البتر.

    أشير باصبع الاتهام نحو كل من ساهم ويساهم، سواء كان ذلك بدافع الذكاء أو بلعنة الغباء، لترويج الأفكار المنكرة والمرفوضة، الأفكار التي تطالب بدخول جهاز الشاباك إلى مدننا وقرانا العربية، "صح النوم"، الجهاز لم يترك مدننا وقرانا منذ قيام الدولة او قبل ذلك لكن بأسماء أخرى كانت تناسب تلك المرحلة، فما الحكمة اذًا من ادخال الموجود، وهل جهاز يأتمر بأمرنا؟، يدخل بإشارة منا ويخرج بأخرى، وأنا أعتقد بأن جهاز الشرطة نفسه يأتمر بأوامر جهاز الأمن العام.

    أشير باصبع الاتهام نحو سياسة المؤسسة الحاكمة في اسرائيل، حتى وإن تبدلت وتغيرت ملامحها فهي المسؤول الأساسي عن مناهج التعليم في المجتمع العربي، تلك المناهج التي لم تتغير ولم تتطور منذ أن وضعت، وهم يصرون على بقائها على حالها، مؤسسة تنتج نسبه كبيرة من المتعلمين الأميين "أمية المتعلم".


منذ قيام الدولة وحتى يومنا هذا، ما زال قائمًا قسم معارف للعرب وآخر لليهود، في القسم العربي تكون المرجعية في تعيين المدراء والمعلمين، في مدارسنا العربية، ضمن صلاحيات لجنة يكون بين أعضائها رجل الشاباك، طبعًا هذا لا يعني أنّ كل من عمل ويعمل في سلك التعليم من المتعاونين أو الخون، أنا أثمّن عاليًا المعلمين الشرفاء والوطنيين، المخلصين لهويتهم الوطنية والانسانية ولمهنتهم المقدسة الشريفة. كما لا يصح أن نصف جميع المعلمين والمعلمات بأنهم واعظون أكثر مما أنّهم معلمون.

    أشير باصبع الاتهام مرة أخرى نحو المؤسسة الحاكمة، كونها المسؤول الوحيد عن هذا الاكتظاظ الخانق الذي حول مدننا وقرانا إلى أحياء عصبية تعيش في حالة توتر دائمًا. اذ لا يعقل أنّ 25% من السكان تم حشرهم في 3% من مساحة الأرض "أكثر ما يمكن من العرب في أقل ما يمكن من الأرض"، هذا اصطلاح صهيوني متفش، وفي مثل هذه الحالة لم يبق أمامنا إلّا أن نأكل بعضنا بعضًا أو أن نرحل، فهل هنالك عقلية شيطانية تقود إلى ما نحن فيه؟ فهذا واقعنا الأليم كوننا "ألغوي المناوب".

    أشير باصبع الاتهام من جديد نحو المؤسسة الحاكمة لأنّها المسؤول الأول والوحيد عن نسبة البطالة في المجتمع العربي التي تضاعف النسبة في الآخر اليهودي، ناهيك عن عدم وجود مناطق صناعية في بلداتنا العربية فهم يسمون وبخبث محلات الحرف والخدمات مناطق صناعية، وحتى هذه المحلات موجودة بشح صارخ في المدن والقرى العربية.

    آلاف القتلى يعني آلاف القتلة، يعني آلاف العائلات التي إمّا منها القتيل أو القاتل. وهذا الواقع يدفع لإبعاد الناس عن قضاياهم المصيرية، قضاياهم الوطنية، قضاياهم الانسانية، ويبعدهم عن أحلامهم الجميلة ويثنيهم عن توجهاتهم الحضارية ويتركهم يسبحون في دماء أبنائهم ويحوّلهم إلى مجتمع بأكمله عليه أن يجيد السباحة في بحار من الدم.

 

 

الصورة:

من إحدى المظاهرات في أم الفحم، شباط الماضي (أورن زيف، أكتيفستيلز)

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين