أظهرت الدراسات التي أجريت في العديد من البلدان أن المشاركة في أطر تعليم الطفولة المبكرة النوعية تساهم في التنمية المعرفية والتعليمية للأطفال. كل هذا يجعلنا نتساءل عما إذا كانت هناك علاقة بين المشاركة في هذه الأطر والتحصيل الأكاديمي في أعمار متقدمة، انّ نسبة الالتحاق بتعليم الطفولة المبكرة مرتفعة بشكل خاص في إسرائيل، ولكن يأتي ذلك في ظلّ فروق واضحة بين المجتمعات المختلفة داخل الدولة، ومن الواضح أنّ الإنفاق العام على أطر التعليم المبكر منخفض وهناك مؤشرات على أن جودة هذه الأطر منخفضة أيضا مقارنة بالدول المتقدمة.
وألقت دراسة حديثة، أجرتها مبادرة لدراسة تنمية الطفولة المبكرة في مركز "طاوب"، الضوء على هذا الموضوع، وقد فحصت الدراسة العلاقة بين انضمام الأطفال في إسرائيل لأطر تعليم الطفولة المبكرة وما بين تحصيلهم الدراسي في المدرسة الابتدائية والإعدادية والثانوية.
بشكل عام، وجدت الدراسة دليلًا على أن التعلم في أطر الطفولة المبكرة له تأثير على التحصيل الدراسي في مراحل لاحقة، لكنّ التأثير يعتمد على نوعيّة الإطار ومدة الوقت الذي يقضيها فيه، والجيل الذي يباشر فيه الطفل بالتعلم. كما وجد الباحثون أن هناك اختلافات بين المجموعات السكانية والطبقات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة. وللتعمق في هذا الموضوع وفي نتائج هذه الدراسة تواصلنا مع نبيلة اسبنيولي مديرة مركز الطفولة في الناصرة.
"الاتحاد": هل يحسّن التعليم المبكّر من التحصيل الدراسي المستقبلي للطفل؟
اسبنيولي: "تُظهر الكثير الأبحاث العالمية أهمية الاستثمار في الطفولة المبكرة، ليس فقط في مجال التحصيل العلمي انما في مجال النجاح في الحياة، هناك دراسات تظهر نجاعة التعليم في الطفولة المبكر وكيف ينعكس استثمار الدول في هذا التعليم على مجالات الصحة والخدمات الاجتماعية ونسبة الجريمة ونوعيّة التقدم في سوق العمل، ولقد أظهرت ذات الدراسة أنّ كل دولار يُستثمر فيه بالتعليم للطفولة المبكرة يوفر مستقبلا أكثر من 16 دولار على الاقتصاد العام في الدولة، وهناك دراسات تم اجراءها في مجتمعنا العربي أظهرت انّ الأطفال الذين يمرون بالتعليم المبكر يحصدون نتائج دراسية أفضل في سنواتهم المتقدمة. وتظهر الأبحاث الأخيرة أهمية السنوات الثلاث الأولى في حياة الطفل وتأثيرها على نمو دماغه وتطوره، وينعكس ذلك عبر عوامل التربية والرعاية والتغذية والعواطف المحيطة، كل هذه العوامل تأثر على تطوير دماغ الطفل وتطوير قدرته على التعلم، ولذلك الاهتمام في الطفولة في سنواتها الأولى مهم جدا لحياة الانسان وللطاقات البشرية التي يمكن لها أن تتطور. وتابعت أبحاث أخرى طولية رافقت أطفالا لسنوات عدة من أجل تفسير تأثيرات الطفولة المبكرة، ورأت أن هناك فرق كبير بين الأطفال الذين شاركوا في أطر التعليم المبكر وما بين الأطفال الذين لم يشاركوا من خلال مهاراتهم الحياتية وأدائهم الاجتماعي."
"الاتحاد": ما هي أهم الأدوات العينية التي يتلقاها الطفل في التعليم المبكر؟
اسبنيولي: "أوًلا وجود الطفل في بيئة مثيرة تؤمّن له الاستكشاف والتعلم بأمان، ووجود بيئة بشرية مكونة من أقرانه، يتواصل معهم ويتعلم معهم ليس بالطريقة التقليدية التلقينية وإنما من خلال اكتساب الخبرات الحياتية، الخبرات الحياتية في الأطر التربوية النوعية مثرية جدا للطفل وتمثل له فرص تعلم غير متوفرة في البيت. الطفل من جيل سنة ونصف يحتاج الى أطفال من عمره ليتواصل معهم وليشكل معهم روابط اجتماعية، هذا بالإضافة الى أهمية تنمية الذكاء العاطفي من خلال البيئة الاجتماعية الداعمة والمتقبلة والمشجعة والداعمة لتطوير مهارات حياتية وقدرات ذاتية ورؤيا ذاتية إيجابية، هناك الكثير من مما يمكن أن يتوفر للأطفال في سياق التفاعل الاجتماعي والتربوي الغني. في المجتمعات التي تتقلص بها المساحات المفتوحة والتجارب في الطبيعة واللعب مع أطفال اخرين مثل قرانا ومدننا العربية نتيجة للاكتظاظ وعم توفر التخطيط والتطوير بشكل ناجع، هناك حاجة للبيئات التي توفر مثل هذه التجارب، والتعليم المبكر يشكل هذه البيئة إذا كانت بيئة تعليمية نوعية. الطفل يولد مع حب استطلاع طبيعي وبولد قادر على التعلم ولكن المحفز على التعلم هو المثيرات الموجودة في حياته، ولذلك إذا لم تكن بيئته جامعة للمثيرات المناسبة فلن يكن هناك مجال على تطوير القدرة على التعلم واستكشاف الذات والمهارات الدراسية والعكس صحيح بشكل واضح، لا تنجح كل بيئة في توفير هذه المثيرات وخصوصا عندما نتحدث عن مجتمعات تفقد الاستثمارات اللازمة مقابل مصادرة الأراضي وعدم تطوير البنية التحتية وغيرها من الأمور، ولذلك يجب تطوير الأطر التعليمة بشكل خاص."
**
بالنسبة لنوع الإطار التعليمي، فقد وجدت الدراسة التي أجراها مركز "طاوب" أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 2 و4 والذين درسوا في رياض الأطفال أو الحضانة حصلوا على درجات أعلى بشكل ملحوظ في امتحانات "ميتساف" في الصفين الخامس والثامن مقارنة بالأطفال الذين بقوا في المنزل في هذه الأعمار. ومن المهم الإشارة الى الفروق في نسبة الانضمام الى أطر التعليم المبكر بين الأطفال من خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة (41% و37% في خُمِيس الدخل الرابع والخامس على التوالي، مقارنة بـ 22% و20% في خُمس الدخل الأول والثاني)؛ وبين اليهود مقارنة بالعرب (37% مقابل 11%).
وأظهرت الدراسة انّ أطفال الأمهات اللواتي لم يحصلن على تعليم أكاديمي والذين درسوا في أطر التعليم المبكر لمدة أربع سنوات أو أكثر حصلوا على درجات أفضل بكثير في اختبارات محو الأمية في الصف الرابع مقارنة بأولئك الذين التحقوا بذات الأطر لأقل من أربع سنوات. في المقابل، بين أطفال الأمهات الحاصلات على تعليم أكاديمي، لم يتم العثور على فروق حقيقية في مستوى التحصيل الدراسي في وقت لاحق بين أولئك الذين درسوا لمدة أربع سنوات في تعليم الطفولة المبكرة وأولئك الذين درسوا لمدة تقل عن أربع سنوات. أي أن طول الإقامة يؤثر على الإنجازات المستقبلية لأطفال الأمهات اللواتي لم يحصلن على تعليم عالٍ. وقد وجدت الدراسة أيضًا أن أطفال الأمهات غير المتعلمات، والذين يبدو أنهم يستفيدون أكثر من أطر الطفولة المبكرة، يشاركون عادةً في هذه الأماكن أقل من سنوات مشاركة أطفال الأمهات الحاصلات على تعليم أكاديمي، والذين يكون تأثير هذه الأطر أقل عليهم.
وأمّا بالنسبة لسن الالتحاق بأطر تعليم الطفولة المبكرة، فقد فحصت الدراسة الأطفال الذين يدخلون هذه الأطر في أعمار مختلفة ودرجة نجاحهم في اختبارات PISA في سن 15 عامًا. ووجدت هذه الدراسة أن الأطفال اليهود الذين دخلوا أطر تعليم الطفولة المبكرة، والذين تتراوح أعمارهم بين 5 و6 سنوات، كانت درجاتهم أقل في القراءة مقارنة بالأطفال الذين دخلوها في سن 2 الى 4. إنّ أثر الدخول الى أطر التعليم المبكر قبل سن الثانية يختلف بين المجموعات المختلفة، فمثلًا بين أطفال الأمهات غير المتعلمات، اليهود والعرب، كان للالتحاق بالتعليم قبل سن الثانية تأثير سلبي على إنجازاتهم اللاحقة. وقد تعكس هذه النتيجة تدني جودة أطر التعليم المبكر للأطفال دون سن الثانية في المجتمع العربي وفي القطاعات الفقيرة من المجتمع اليهودي.
"الاتحاد": ما هو تأثير خلفية الوالدين الأكاديمية والاقتصادية وتأثير الدولة في تطوير التعليم في الطفولة المبكرة؟
اسبنيولي: " هناك أنماط للتربية الوالدية وهي أهم من الخلفية الأكاديمية والتعليمية للوالدين، والخلفية التعليمية ليست مسببة لنمط والدي إيجابي انما يرتبط ذلك بالمواقف والمعتقدات ورؤية الأهل لأطفالهم، هناك والدين يصبون لتحقيق أحلامهم من خلال أطفالهم وبهذا يكونون قامعين لأطفالهم ولذلك لا أرى بالبعد الأكاديمي واحد من الأسباب الأكثر تأثيرا، هناك دراسات حديثة أبزت أن تقبّل الأهل لأطفالهم كان مؤثرا بشكل كبيرة على ذكاء أطفالهم، إدراك الطفل لتقبل والديه كان سببا في تطوير ذكائه. هناك تعقيد واضح في دائرة التأثير على الطفل ونحن نشير الى هذه العقدة بالنمط الوالدي المستخدم بالتربية، كلما كان هذا النمط أكثر ديموقراطية وتقبلًا ودعمًا للطفل كلما كان من الممكن للطفل أن يستغل قدراته بشكل أفضل، في أغلبية الحالات لا يستخدم الطفل كل القدرات المتوفرة والممكنة وهذا مرتبط أيضا بنوعية الإطار التعليمي الذي يتعلم فيه، ومن الواضح أنّ التعليم العصري اختلف بشكل كبير وهو يعتمد الان على التحليل والتواصل والتفكير النقدي والتعلم الذاتي والاستكشاف وتعلم طرق التعلم خاصة في زمن التواصل الاجتماعي الكثيف بالمعلومات الخاطئة.
الدول التي تستثمر بالتعليم المبكر بشكل حقيقي تعمل على تطوير أطر نوعية للتعليم إضافة الى جعله تعليما مجانيا، انّ نضالنا الذي امتد لسنوات من أجل تفعيل قانون التعليم المجاني من سن 3 سنوات كان إنجازا كبيرا، حاليا النضال يركز على اعتبار أطر التعليم والرعاية من الولادة الى 3 سنوات كأطر تربوية تابعة لوزارة التعليم وليس لوزارة العمل، وأما على نطاق المجتمع العربي فان نناضل من أجل توفير أطر تربوية نوعية وحقيقية وهذا بحاجة الى الكثير من العمل ومراقبة فرض وتطبيق قانون التعليم المجاني الذي تعمل عليه الدولة وفقا لمصالح سلطتها العنصرية وجعل التنفيذ يتحول ليكون وفقا للسلم الاقتصادي الذي تقبع 99% من بلداتنا العربية في قاعه، هذه المراقبة بحاجة الى متابعة نضالية وعمل جماعي لإحقاق حق أطفالنا في التعلم بشكل نوعي، وفي صيانة المضامين وتحويل التعليم من جيل 3 سنوات الى جيل الولادة لنضمن استمرارية مسيرة التعلم، ومن الواضح أنه في ظل عدم استثمار الدولة في التعليم المبكر فانّ كل هذا يتهدد بالخطر."
"الاتحاد": ما هي نصائحك للعائلة الناشئة في تربية الأطفال؟
اسبنيولي: "على أطفالكم أن يتربوا بحبكم وتقبلكم وبحنانكم وايمانكم بقدرات هذا الطفل، كل طفل يولد مع قدرات يجب احترامها والانصات اليها عبر الحركات الأولى والمداعبة واللعب، كلما لعبنا مع الطفل أكثر وكلما قضينا وقتا نوعيا معه سينجح الطفل في تطوير بنيته الدماغية للتعلم والتقدم، وجودنا كأهل وكراعيين هو أمر أساسي في حياة الطفل. التربية هي التربية الاجتماعية والثقافية والجنسية والسياسية وبكل أنواعها، وعلينا أن نتذكر أهمية ظهورنا كمثال أمام أطفالنا، فاذا كنا نريد أن يصبح أطفالنا قرّاء فعلى الكتاب أن يكون جزءا من البيت وعلينا نحن كأهل أن نجعل من الكتاب جزءا حقيقيا من حياتنا وهذا ينطبق على كل المساعي التربوية."



.png)

.png)






.png)
