إشكاليّات التعليم عن بُعد قومية وطبقية أيضًا| شادي نصار

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تفتتح المدارس والمؤسسات التعليمية بعد أيّام أبوابها لعودة الطلاب إلى التعليم بعد العطلة الصيفية لمدّة شهرين، ولكن هذا الافتتاح لا زالت تشوبه الأسئلة التي تراود وزيرة التعليم والحكومة بشكل عام في ظل التأثير المستمر لجائحة الكورونا، والمعطيات الأخيرة المقلقة حول الانتشار المتجدد للوباء.

وأشارت التقارير الصادرة عن وزارة التعليم ومراكز الأبحاث إلى أزمة حقيقية في مسارات التحصيل العلمي والاجتماعي نتجت عن برنامج التعليم عن بعد، والذي التزم به جهاز التعليم خلال الفترة السابقة، في حين تلفت المعطيات إلى القلق الكبير من الاستمرار في هذا النظام خلال العام الدراسي المقبل لما فيه من خطورة، تتمركز بشكل أساسي حول توسيع الفجوات التي كانت قائمة سابقًا وتضخمت خلال فترة انتشار فيروس كورونا.

سنتناول في هذا التقرير المرجع الذي أصدرته وزارة التعليم خلال فترة الكورونا بعنوان "الفجوات وعدم المساواة في التعليم عن بُعد"، كما سنحاور مجموعة مدرّسين لنتعمّق سويًا في سؤال التقرير.

بالمقارنة مع بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخرى، تبرز إسرائيل بالفوارق الاقتصادية والاجتماعية الحادة. ففي التقرير الخاص بأبعاد الفقر لعام 2018 الصادر عن مؤسسة التأمين الوطني، وجد أن دولة إسرائيل من بين الدول الرائدة في معدل الفقر وهي من الدولتين الرائدتين في معدل فقر الأطفال. ووفقًا لجهاز الإحصاء المركزية عام 2018 فإنّ نصف مليون عائلة في البلاد تعيش تحت خط الفقر، تمتلك 84170 طفلاً، ويعيش 5% من الأطفال اليهود و9.12% من الأطفال العرب في منازل بدون معيل أو معيلة.

 

أشد التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية

وتشير نتائج المؤشر الذي يفحص درجة عدم المساواة في الدخل إلى أن إسرائيل لديها مؤشر أعلى بحوالي 10% من متوسط ​​المؤشر في الدول المتقدمة، ولا تتميز إسرائيل فقط بأشد التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية حدّة بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بل تتميز أيضًا بتفاوتات أكبر في التحصيل التعليمي، مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى.

للتعليم أهمية كبيرة، من بينها، التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وتؤكد أهداف التنمية المستدامة 2030 على ذلك، وتضع عددًا من الأهداف التي يكون فيها تحقيق الإنصاف في التعليم محركًا لتحقيق التنمية المستدامة للبلد.

ويؤثر عدم المساواة على فقدان تنمية رأس المال البشري، ويؤثر على الخسارة من حيث مسار نمو الاقتصاد وإنتاجية العمل ومعدل الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل، ويقوض قيم العدالة وتكافؤ الفرص.

بحسب معطيات المكتب المركزي للإحصاء في إسرائيل لعام 2018، 23.6% من الأسر التي لديها أطفال ليس لديها إنترنت و15.7% ليس لديها حاسوب. وعند النظر إلى هذه البيانات بين اليهود والعرب تظهر صورة مقلقة - بينما في 21% من الأسر اليهودية في إسرائيل لا يوجد اتصال بالإنترنت، فإن هذه النسبة بين السكان العرب هي 51%.

كما توجد فجوات مماثلة في كل ما يتعلق بملكية أجهزة الحاسوب المنزلية، 60.8% من الأسر بين السكان العرب مقابل 83.3% بين السكان اليهود.

ليس للفجوات الرقمية في إسرائيل خصائص عرقية فحسب، بل طبقية أيضًا. وبالتالي، ليس من المستغرب وجود علاقة إيجابية بين عشري الدخل ونسبة الأسر التي تمتلك جهاز حاسوب واحدًا على الأقل (97.8% في العشر الأعلى مقارنة بـ 58.0% في العشر الأدنى). بالإضافة إلى ذلك، فإن معدل استخدام الإنترنت لذوي الدخل المنخفض هو 69% لصافي دخل فردي قياسي يصل إلى 2000 شيكل و92% لدخل 4000 شيكل أو أكثر.

 

القدرات الرقمية مسألة سياسية

ومن الظواهر التي أدت إلى فهم أن تقليص الفجوات الرقمية لا يمكن أن ينحصر بإمكانية الوصول إلى الأجهزة الرقمية والاتصال بالإنترنت، هو أنه على الرغم من الارتفاع الحاد في اقتناء التقنيات المتقدمة عالميًا، خاصة مع الثورة الرقمية، وتضييق الفجوات عندما يتعلق الأمر بالاتصال، لا يزال الباحثون يجدون رابطًا بين الدخل والتعليم والانتماء العرقي وكيفية استخدام التقنيات الرقمية.

أدت أزمة الكورونا إلى انتقال نظام التعليم الإسرائيلي بأكمله إلى التعلم عبر الإنترنت كحل مقترح، بافتراض أن جميع السكان الإسرائيليين لديهم إمكانية الوصول إلى التعلم عبر الإنترنت بشكل متساوٍ. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى التعلم عبر الإنترنت، حتى لو تم بشكل جزئي، كشف عن فجوات وإعاقات إضافية، بل وساهم في صناعتها أيضًا.

وكشفت أزمة كورونا عن فجوات اجتماعية واقتصادية قائمة وفاقمتهاـ ويشار إلى أن أحد التعبيرات التي لها تأثير مباشر على درجة المشاركة التعليمية، خاصة للطلاب البالغين، هي الأزمة الاقتصادية التي واجهتها العديد من العائلات. وهكذا، دفعت هذه الأزمة طلاب المدارس الثانوية إلى الذهاب إلى العمل وبالتالي قللت من مشاركتهم في التعلم عن بعد، كما أن رحيل الطلاب من خلفيات محرومة اقتصاديًا لديه القدرة على توسيع معدل التسرب العلني والسري وزيادة معدل التسرب في العام الدراسي المقبل.

وترتبط الاختلافات في القدرات لتحقيق أقصى استفادة من التدريس عبر الإنترنت بشكل عام وأثناء أزمة كورونا بشكل خاص بخصائص اجتماعية واقتصادية أخرى وقبل كل شيء رأس المال الثقافي التعليمي لأسرة الطلاب. اذ يعتمد التعلم عبر الإنترنت على استقلالية المتعلم أكثر بكثير من التعلم وجهًا لوجه، وخاصة في الأعمار الصغيرة، على مشاركة الوالدين في تعلم أطفالهم.

إن قدرة الآباء من الأطراف الاجتماعية والاقتصادية الذين واجهوا مخاوف وجودية خاصة في أزمة كورونا أيضًا، في مساعدة أطفالهم في التعلم عبر الإنترنت، وإنتاج روتين تعليمي، هي أقل مقارنة من قدرة الآباء الذين أداروا تعلمهم وعملهم عبر الإنترنت بشكل سلس. وبالتالي، فإن التعلم عبر الإنترنت، وخاصة في أوقات الأزمات، لديه القدرة، إذا لم يتم إجراء التعديلات اللازمة، على توسيع الفجوات في التعليم.

 

حوارات مع معلمين/ات

وقامت صحيفة الاتحاد بإجراء حوار مع مجموعة من المعلمين والمعلمات في المدارس الثانوية والاعدادية، وهم طارق عواد (يافا) وحبى جمعة (المدرسة الثانوية في يافة الناصرة) وشهد كنانة (مدرسة مسار في الناصرة)، ومع المرشد في التربية اللامنهجية باسل فرح (مرشد في مركز جماهيري الحليصة في حيفا)، لتوضيح الفجوات والصعوبات التي نتجت عن مسار التعليم عن بعد، وعن أبعاد الاستمرار فيه خلال العام الدراسي المقبل.

 

"الاتحاد": في حال لم يتم افتتاح السنة الدراسية بالشكل الوجاهي المعتاد، ماذا سيكون حال المسارات التعليمية؟

عواد: "نحن ندخل إلى العام الدراسي الجديد بحالة صعبة جدًّا، هناك فجوات تحصيلية واضحة يمكن ملاحظتها مع الطلاب الجدد في المرحلة الثانوية، ويمكن الإشارة إلى مشكلة المشاركة المتفاعلة عبر التعليم عن بعد، والتي ووجهنا بها بشكل جدي في السنة الفائتة ونخاف من تكرارها أيضًا في العام القادم، وأيضًا إلى صعوبة تمرير سلة المواد التعليمية بشكل سلس ومتزامن من خلال التعليم عن بعد، إذ كنا نعاني من صعوبة التطرق للمحاور الأساسية والتأخير المتراكم في تمرير المواد، وأيضًا فإن حلول التقييم البديل التي اقترحتها وزارة التعليم لم تقم بواجبها الحقيقي.

نحن نرى كمعلمين ومن خلال التحصيل الداخلي للمدارس بأنّ طلاب الثانويات يدخلون الجامعات الآن بمستوى تحصيلي وتعليمي أقل من المعتاد، ويمكن الإشارة إلى مواضيع اللغات خصوصًا، والتي يفضّل الطلاب الآن عدم الاجتهاد في تحصيل وحدات متقدمة في حصصها.

يمكنني الإشارة كمعلم بأن التعليم عن بعد يشكل كارثة حقيقية، من ناحية علمية واجتماعية نفسية، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال التحصيل العلمي داخل المدرسة ومن خلال التقييمات التي تقدمها الاستشارة التربوية".

وتقول جمعة: "بالرغم من أن أزمة الكورونا ستقترب من اتمام العامين، إلّا أن الجهوزية في المدارس، وبالتحديد العربية منها، لازالت غير مكتملة، ولا يمكن لها أن تضمن سير التعليم 100% بين الطلاب والطالبات، لذلك حسب رأيي سيستمر عدم الوضوح بالمسارات (إن كان عن بعد أو مدمج) ولن يشمل كل الفئات الاجتماعية للطّلاب".

بينما قالت كنانة: "سنحاول كطاقم تعليمي متابعة المواد التدريسية وملاءمتها مع الحاجة التكنولوجية طبعًا، ووفقًا لرؤية المدرسة في مثل هذه الظروف، من المهم متابعة الطالب اجتماعيًا، وأما بخصوص المواد التعليمية فهناك مجال لإتمامها اذ انها لا تشكل عائقًا أمام الطالب مقارنة بخسارته لإطار "المدرسة" بمفهومها الواسع الاجتماعي".

أما فرح فيقول: "المسارات التعليمية بحاجة إلى بدائل ملائمة مرتبطة بالتكنولوجيا التي نراها تسيطر على كل شيء من حولنا، ولذلك علينا أن نلائم منهاج التعليم والتربية أيضًا بشكل يتناسق مع العصر ومع الظروف الطارئة مثل التي نعيشها اليوم إثر الكورونا".

 

 

"الاتحاد": إذا عادت المدارس إلى التعليم الوجاهي المعتاد هل يمكن سدّ الفجوات التي نشأت مسبقًا؟

عواد: "كل المدارس وخصوصًا العربية بحاجة إلى برامج خاصة تتحمل مسؤولية تعويض النقص في التحصيل، للأسف لم نر الوزارة تستغل العطلة الصيفية لتفعيل برامج مشابهة ولكن كما يبدو فإنّ الفوضى تسيطر على تصورات وبرامج الوزارة، نحن ندخل إلى السنة الجديدة ولم نسمع عن أي تحضيرات خاصة للتعامل مع الطلبة في ظل الفجوات الواضحة، نرى بعض البرامج في المدن اليهودية الموجودة في مستوى اجتماعي اقتصادي عالٍ، ولكن في أغلبية البلدان وخصوصًا العربية لم يتم تفعيل مثل هذه البرامج، وأيضًا لم يتم مراقبة ومتابعة الملاحظات والخطوات البسيطة التي اقترحتها".

وتضيف جمعة: "الفجوات التي نشأت مسبقًا لن تغلق ما دامت المناهج التعليمية على حالها، من الأساس هناك مشكلة في المؤسسة التربوية وهي بخلق طالب متعلم بالتلقين، وغير مستقل، فالتعليم بالمناهج القائمة للأسف لا يعتمد على خلق طالب "يفكر" و"يحلل"، لذلك حسب رأيي لا يمكن تغطية الفجوات بسهولة، فالأزمة لم تخلق الفجوات، بل عمّقتها، وزادت التفاوت بيت طلاب الصف الواحد".

ويقول فرح: "دائمًا يمكن تغطية الفجوات، ولكن هذا متعلق بمدى تعامل السلطة بشكل متساوٍ مع المواطنين بعيدًا عن الفصل العنصري في المشاريع والميزانيات. إضافة إلى ذلك، المجتمع العربي بحاجة إلى خطة تعليمية خاصة تتناسق مع احتياجاته والفجوات المتشكلة فيه، ومع ذلك كله لا نرى السلطة معنية فعلاً بذلك. بالنسبة للتربية اللامنهجية فإنها تواجه الخطر الأكبر في حال عدم العودة للقاءات الطبيعية، لكون هذا النوع من التربية يعتمد بالأساس على التفاعل المباشر بين الطلائعيين والمرشد والبيئة المحيطة".

 

"الاتحاد": ما رأيك بمواقف وزارة التعليم بشأن افتتاح السنة الدراسية؟

عواد: "الوزارة تتحدّث بعيدًا عن أرض الواقع، فكلّ التوصيات بشأن التعامل مع الكورونا مثل نظام المجموعات الصغيرة وفصل الصفوف وغيرها من التوصيات لا تتلاءم أبدًا مع البنية التحتية للمدارس في البلاد، وخصوصًا العربية منها، إذ أنّ مدارسنا مكتظة بشكل واضح وهناك مشاكل حقيقة في تفعيل التعليم أيضًا بالشكل الوجاهي المعتاد، ولن أتطرّق هنا أيضًا إلى كل الفروقات في البنى التحتية للبيوت والفجوات في القدرة على ممارسة التعليم عن بعد أيضًا".

وتتابع جمعة: "المؤسسة الحاكمة ووزارة التعليم تتصرف وكأن السنة الدراسية ستفتتح السنة القادمة وليس خلال أيّام معدودة، وهذا ضمن السياسة المستمرة منذ قيام الدولة فالتعليم ليس ضمن سلم الأولويات، وكل المواقف التي بدأت بضبابية وعدم وضوح قائمة على مواقف سياسية وليس لها علاقة بالتربية، لذلك هناك بلبلة وعدم وضوح في هذا الموضوع، وحتى ولو تم إقرار افتتاح السنة بموعدها، هذا القرار غير نهائي وقابل للتغيير في أي لحظة، ومرجعيته سياسية".

بينما تقول كنانة: "من المهم الضغط على الوزارة من أجل فتح المدارس، من المهم أن يتفاعل الطلاب مع المدرسة بشكل حسي وليس عبر الزوم نظرًا لكل التجارب والخبرات والآليات التي يحتاجونها ويتعلمونها".

محطة فحوصات للطلاب

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين