إلى سعد بلال: الأرض وذاكرة أبي الوفا| مفلح طبعوني     

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

توقّفت الأرضُ عن ردّ الفعل عندما توقف خافقُ الرفيق سعد صبحي بلال "أبو الوفا" عنِ الخفَقان وارتبكت الأجواء.

سكنت الحركة وحاصرت نفسَها في زوايا الحزن.

 تجمّعنا في حوش الحيّ لنقاومَه فاختفى ولم يترك أثرًا، تراكمت في الحوش رائحةُ الموت، عدنا إلى أيام الاعتقالاتِ نقشنا أشعار البقاء على جدران غرف التحقيقات. خرجنا منها وعدنا إليها لأنّنا عارضنا الترويض، وتصدّينا لممارساتهم الفتاكة، قاومنا عنفَهم وقبرْنا الحكم العسكري، واعتقدنا أننا سنستريح.

جاءَنا احتلال آخر (67) وبدأنا نحفر من جديد، وبنينا متاريس المقاومة فاعتقلنا، وفرضت علينا "الإقامات الجبرية"، قاومنا وعدنا مع حجارة الوادي إلى ساحات المواجهات. لم نتغيّر وهم لم يتغيروا. أقمنا بيت الحب فوق تراب هذه الأرض، وفرشنا تحته نبض العشق. زرعنا الأزهار على ضفاف الجداول، ورقصنا على ألحان الصمود. بقيَت مساراتُنا وأعشاشُ حياتِنا فوقَ الأشجار.

غربلنا غبارَهم ونفضنا أوساخهم، وتابعنا المسيرة بذاكرة متّقدة وبقينا كما كنا نرفض المشاركة في مسرح التقسيم. لم ننس مذبحة دير ياسين ولا مذبحة قرية عيلوط وغيرها، لم ننس تهجير أهالي "طيرة حيفا" وغيرها، ولا هدم قرية ميعار وإخوتها من القرى العربية وتهجير أهلها!

لم ننس ما بعد النكبة ولن ننسى الحكم العسكري، ومذبحة كفر قاسم التي علّمتنا أنّ للحق مكاسبَ وللظلم مدافنَ، لن ننسى معارك أيار 58، ولا يوم الأرض الخالد، لن ننسى الشهداء والمناضلين من أبناء شعبنا ما دامت ذاكرتنا تنبض حبا وكرامة.

قنّبنا ذاكرتنا فغذّت عقولَنا، حفظنا قرانا المهجرة والمهدّمةَ. قاومنا جروحَ النكبة بقصائدِنا وأدبِنا وإبداعِنا، قاومناها بكثافة إبداعاتِنا. حاولوا، منذ النكبة، محاصرتَنا بالغربة والعزلِ وبثِّ روحِ الهزيمةِ، فكنا شعب سيزيف نحمل الصخرةَ ولا نستسلم ولا نملّ. حاولوا تشويهَ الذاكرةِ وبعثرةَ التاريخ والجغرافيا فعادوا مهزومين أمام حقيقيةِ صمودِنا. حاولوا يا سعد وفشلوا، وحاولوا وفشلوا، وسيفشلون المرة تلوَ المرة، وسيهزمون لأنّ الحقيقةَ أقوى منهم، لأنّنا جمرُ الحقيقة المتوهجة. صادروا الأرض، وهّدموا البيتَ، هجّروا أصحابَها وشتّتوهم، فازددنا مقاومةً ورسوخا. قاومنا بكل ما نملك، وتمكنّا من فرض إرادتنا بعد معاركِ يومِ الأرض. الأرض التي تحرّكَ أهلُها دفاعًا عنها من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. الأرض التي هاجت وماجت حتى فرضت نفسَها عليهم!

علّمتنا الأرضُ بأنّ الشمسَ لا تغيبُ عن الحق، وأنّ الحقَّ لا يفارقُ ظلَّه. لن ننسى يا سعد الشهداءَ والسجناءَ، ولن ننسى قتلَ الأطفالِ واقتلاعَ الأشجار، لن ننسى تلويثَ المياه وحرقَ السنابل، لن ننسى تعذيبَ الأطفال في زنازينِ الاحتلال، لن ننسى تعذيبَ النساء الحوامل في غرف التحقيق. لن ننسى هدمَ البيوت وأبنيةَ الرّزق. لن ننسى اعتداءَهم على مظاهراتِ الأطفال بالرصاص الحيّ، لن ننسى تنكيلَهم بطلاب المدارس والجامعات. لن ننسى قتلَ الأطفال والفتيان بالرصاص من الخلف ومن الأمام، لن ننسى المداهماتِ في ظلام الليل الدامسِ ونبشَ الفراش، وترهيبَ الصغار قبل الكبار، لن ننسى رائحةَ البارود في البيوت والمعابد. سنُفهمُهم بأنّ البارودَ ورائحتَه وقصفَ الطائرات وعنفَها، وهدمَ البيوت والأبراجِ لن تصمدَ أمام دموعِ الأطفال الذين دُفنوا تحت الهدم. إنّها غزة، غزّة العزة وأطفالها وأشبالها ونساؤها قبل رجالها يصمدون وتصمد في وجه الطائرات والدبابات، كي تبقى لهم الحياة. إنهم يموتون كي يحيا الوطن وتبقى القضية.

لجأنا إلى الابداعات بأشكالِها المختلفة، بعد النكبة لنحافظَ على ذاكرتِنا من الضياع، وحاولنا ترميمَ ما دمّرته النكبة ونجحنا، غرفنا من الفكر زادًا، وجدناه في الفكر اليساريّ دعمًا. نبذنا الأفكارَ المنغلقةَ حين كانت الدنيا ظلامًا وظلمةً حالكة، دفعنا الثمن وكان باهظًا، لكنّ الربحَ كان أكبر. تجذّرنا في الأرض فأحبتنا أكثر. رويناها بالدمع والدم فحملتنا في أحضانها أمّا رؤوما. لم تكن المرحلة سهلةً ولم يكن العالمُ ملتزمًا بالأخلاقيات. شعوبٌ كثيرة دفعت ثمنَ هذا الفسادِ وتعلّمتْ منّا معنى الصمود والبقاء.

بُنيت تحالفات بين حكوماتٍ من أجل السيطرةِ على الشعوب الفقيرة المسالمة. دمّرَ الاستعمارُ اقتصادَ الدول الفقيرة ويتموا وشردوا ولم ينهزم الحقُّ ولم تغرب شمسُ الحقيقة. طوّرنا طرقَ تفكيرِنا   بأدوات المفاضلة، وأخذنا من التاريخ الأفضلَ، ومن الجغرافيا انفراجَها. لم نتقاعسْ يا سعد، وأنت العارفُ، أمام ممارسات القمع والهدمِ والتنكيل. أما الغرباءُ يا أبا الوفا فلم تربكنا ممارساتهم ولم تتحقق مآربهم، وبقينا كما كنا شعبَ الجبارين.

قمنا بتقوية التواصل مع الحياة، ولأننا نحب الحياةَ ما استطعنا إليها سبيلا، فقد نجحنا في التشبّث بها، وتمسّكنا بالوطن ومقتنا تعجرفَهم المقيت، ودعوناهم إلى مائدة الحياة باحترام وكرامة، لأننا لا نرضى بأقل منها وظلّوا في تغطرسهم وسيغرقون به.

كان الصراع بيننا، ولا يزال، حول الذاكرة. لهم ذاكرتُهم المشبعةُ بالغرور، ولنا ذاكرتُنا المشبعةُ بالحق والتواضع، المؤمنةُ بالسلام. لا يختلف اثنان على أنّ الذاكرةَ من أهم الصفات التي يملكها الإنسان وتتميز بها البشرية. إنّ الشعبَ صاحبَ الذاكرةِ القوية يا سعد لهو من الشعوب المحلّقةِ في الفضاء، والشعوبُ التي لا تملك ذاكرةً قوية نقيّة تغرق في القاع. نحن لا نختلف معهم في تقاليدهم وعاداتهم، فلهم ما لهم، ولنا ما لنا بفخر واعتزاز. أما أن يصادروا ذاكرتَنا فهذا هو المحال. ذاكرتُنا ذاكرة شعب حرٍّ أصيل يحافظ عليها ويزيلُ عنها الغبارَ والشوائبَ لتظلَّ نقيّةً ومشعّةً.

لن يذوبَ هذا الوطنُ يا رفيق سعد!

لن يذوب

لا لن يذوبَ.

الوطنُ أكبر من الملك وقبيلتِه

والوطنُ أكبر من الرئيسِ وحاشيتِه

الوطن أكبر من كلّ القبائل

الوطن أكبر من ذاتِه

لا تتركينا يما زكية

على موائدِ اللئامِ

لا تتركينا!

فطيورُ الحبِّ

في طريقِها إلى وادي الحجارة

لا تتركينا يما زكية.

الناصرة، آب 2021 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين