أموت وفي نفسي شيء من الهمزة!
قف..هنا مدينة البشارةوالبشائر!
كثيرًا ما كان يتردد على صالون الحلاقة وسادنه "أبو فتحي الصفدي"..حيث يلتقي الأحبّة..وغير الأحبة!
فقد كان روّاد الصالون يشكلون خارطة اجتماعية وسياسية لمدينة البشارة..ومن أبرزهم الشخصيات التي تحمل همّ الشعب الصاعد من دخان النكبة وتحمل راية الأمل وتقود مواكب السائرين على طريق التضحيات من أجل المستقبل الأفضل.
مع إميل حبيبي أحد أبرز الشخصيات في هذا المشهد..تنشأ علاقة وُدّية عززها إعجاب الطالب بأستاذه من ناحية..ومن ناحية أخرى تقدير الأستاذ لطالبه الذي يطمح لأن يقتدي بالكبار..ويسير على خطاهم وعلى هَديهم..إنهم أدباء وخطباء وساسة ورجال فكر ومثقفون وطنيون وأمميون يملأون المشهد في مدينة البشارة!
نحن في خندق واحد..طلابًا في خطواتهم الأولى..وأساتذة على ظهور خيلهم!
كان عبد الله طالبًا في الصف الثامن..وكان أبو سلام في "الطابق العاشر" من المؤسسة الحزبية..
يعجب عبد الله بشخصية الرجل..شابًا جميل الطلعة..مثقفًا أنيقًا وخطيبًا ساخرًا خفيف الظل..
عرف أبو سلام كيف يستحوذ على الجماهير في الاجتماعات وفي مظاهرات أول أيار..
عرف كيف يسخر من "الباب العالي"..فينزله من عليائه وغطرسته العمياء..ويمسح به الأرض!
عرف كيف يكون عريس المظاهرات الشعبية الحاشدة والمناسبات الوطنية الأخرى.
يقف الرجل على سيارة تندر تنتمي إلى فصيلة أرذل العمر..يقف على قمتها مكبّرا صوت (سمّاعتان)..ينفجر منهما الصوت أمامًا وخلفًا..ويكون أبو سلام سيد الميكروفون..
صوت الخطيب يملأ الفضاء في مدينة البشارة..متفائلًا ومبشرًا بمستقبل أفضل للشعب الباقي في وطن آبائه وأجداده. وينضم إليه سهيل نصار (أبو نادر) فينطلق بصوته الذي يشقّ الفضاء "كفاكم تمادي..يا لصوص البلاد". ويعلو هتاف الجماهير.."هذا وطنّا..وإحنا هون"..وتملأ الهتافات سماء المدينة.
لقد استحوذ الرجل على مشاعر الجماهير بأسلوبه في الخطابة الذي طعّمه بروح الفكاهة السياسية ونقده اللاذع.
كان جيلنا ينتظر المناسبة القادمة..اجتماعًا شعبيًّا أو مهرجانًا خطابيًّا لسماع الخطبة القادمة..والاستمتاع بخطاب إميل حبيبي.
* وفي عروس الكرمل.. يستوي أبو سلام على عرش "الاتحاد"
يجلس الرجل إلى طاولته "رئيسًا للتحرير"..ويطارده هاجس اسمه "الاتحاد"!
يفكر كيف يأخذ بيد الصحيفة..ويتحدّى العواصف..وصولًا إلى شواطئ الأفضل..وتحقيقًا لحلم مشتهى..
لا بدّ أن نخرج من القوقعة..لا بدّ من التجديد..فلنرفع راية التغيير!
ويعطي القائد الإشارة..لركوب البحر..واقتحام عُباب التكنولوجيا الذكية!
ولا يلبث الحاسوب أن ينهض ملبيًّا نداء الحلم..ويقتحم دنيا "الاتحاد" من أوسع أبوابها..فيحتضنه أبو سلام ..ويأمر بتوزيع أفراد "العائلة" التكنولوجية على غرف المحررين!
كل محرر وحاسوبه في "دولته المستقلة"!
الشبكة العنكبوتية..أعجوبة الدهر..ومصيبة المصائب..ومنحوسة المناحيس..إنها شبكة مدهشة! يقول رئيس التحرير!
يطل الحاسوب على الحاسوب..والجار على الجار..فالكل في سفينة واحدة وتحت خيمة زرقاء واحدة. وأما الحاسوب "الأكبر"..فيكون "عينًا" على الحواسيب الصغيرة المنتشرة في غرف المحررين..ويكون أبو سلام راصدًا وحارسًا وقائدًا وقبطانًا لسفينة الحواسيب وبحّارتها الميامين!
الأخطاء الشائعة..خط أحمر!*
من مكتب "الاتحاد" في شارع الحريري..
يتصل أبو سلام..ناطور البساتين التي تحتضن معشوقته..اللغة العربية.
- سلامات..متى نلتقي "لندردش" على فنجان قهوة!
ويكون اللقاء ممتعًا وعلى فنجان قهوة وسيجارة..وأحيانًا كعكة أحضرها أحد المحررين..بمناسبة عيد ميلاده الثلاثين!
بلا شور ولا دستور..يقول الرجل:
أنا غير راضٍ عن مشهد الأخطاء في قواعد اللغة العربية والإملاء التي يقع فيها بعض المحررين في "الاتحاد"..فهذا أمر لا يليق بنا..ولا يليق بهيبة "الاتحاد"!
أريد أن نتعاون!
فكان لأبي سلام ما أراد!
*
اعتاد إميل حبيبي أن يجمع هيئة التحرير يوميًا، وفي الساعة الخامسة عصرًا، لاستعراض العدد الصادر ذلك اليوم من حيث المضامين والترتيب والتبويب والتصميم الفنّي واللغة وترجمة المقالات (عن العبرية أو الإنجليزية) والأخطاء النحوية والإملائية والطباعية..إلخ..بالإضافة إلى التخطيط لموادّ اليوم التالي.
يضع الرجل على بساط اللقاء أمرين:
الأمر الأول: أن تكون معنا في الاجتماع اليومي لهيئة التحرير..لتقديم الملاحظات حول الثقوب السوداء في الثوب الأبيض..ولفت الانتباه إلى الأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية والطباعية في عدد ذلك اليوم.
أما الأمر الثاني: فأن تكرس ثلاثة لقاءات في الأسبوع لتقديم دروس في قواعد اللغة العربية للمحررين ولفت الانتباه إلى الأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية الشائعة..وما إلى ذلك من الملاحظات العامة.
وفي الآن ذاته أريد أن تخصص لنا زاوية في "الاتحاد" للأخطاء الشائعة في اللغة العربية.
**
وكانت اللقاءات مع رئيس التحرير وهيئة التحرير ودروس اللغة العربية التي استغرقت حوالي سنة.
وكان ميلاد زاوية "قوس قزح" التي امتدت على ثلاثين حلقة أسبوعية تقريبًا..والتي خصصت لبحث الأخطاء الشائعة في اللغة العربية. هذه الحلقات جُمعت فيما بعد وصدرت في كتاب "الأخطاء الشائعة في اللغة العربية".
- الخطأ اللغوي..من كبرى الكبائر
يستحيل أن أنسى أبا سلام الذي كان يحرص على سلامة اللغة وعافيتها..حرصه على بؤبؤ العين!
والويل ثم الويل والثبور وعظائم الأمور للمحرر الذي يمسّ كرامتها ويدعس على طرفها! كان بصوته الأجش الصاعد من أعماق الصدر..يقيم القيامة فوق رأس عضو هيئة التحرير إذا "اقترف" ذنبًا لغويًا يسيء إلى طهارة لغتنا العربية..قدس أقداس هُويتنا القومية.
هكذا كان أسلوب عجّاج نويهض في التعنيف والتوبيخ كما يفيد بعض الذين يعرفون ما لا نعرفه. وعجّاج نويهض مؤرخ وكاتب وأديب ومترجم فلسطيني (1897-1982)
يستحيل أن أنسى زوم "البهدلة" التي انصبّت، ذات مرة، فوق رأس عضو هيئة التحرير..بجريرة ارتكابه "ذنبًا" لغويًا لا يغتفر..اعتبره أبو سلام من كبرى الكبائر!
- أموت وفي نفسي شيء من الهمزة!
لقد دأب إميل حبيبي على الاتصال للاستفسار عن كلمة ما والتأكد من سلامتها وعافيتها لغةً وإملاءً وصرفًا ونحوًا وترجمة..إلخ. وأكثر ما كان يشغل باله الإشكال في كتابة الهمزة ومواقعها "الجغرافية" من الكلمة..وإلحاحه في ضرورة كتابة مقال (أو مقالات) يكون مرشدًا ويشكل بوصلة في كتابة الهمزة "أم الخطايا" الإملائية.
وظلت "الهمزة" هاجسًا يطارد الرجل في صحوه ومنامه!
تعرفون قصة "حتى" التي حتحتت قلوب النحاة..وشيّبتهم!
تنسب لسيبويه العبارة "أموت وفي نفسي شيء من "حتى"!
أما أبو سلام فقد غاب عن هذه الدنيا وفي نفسه شيء من "الهمزة"!
رحم الله صاحب "المتشائل" الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى..وترك "الهمزة" حرة طليقة تسرح وتمرح على حلّة شعرها..وتنصب شِراكها وتزرع ألغامها للكثير من "الأقلام" الأدبية..
فما زالت "الهمزة" أمّ الغِوايات للخطايا الإملائية!
- أين نحن من هذا المشهد الذي ينذر بحلول كارثة لغوية؟
وبعد
لقد فتحت عينيّ على "الاتحاد"، ورافقتها ورافقتني منذ أكثر من ستة عقود وحتى هذه اللحظة، واعتدتُ فتًى، أن أجد فيها حاضنة فكرية دافئة وبوصلة أدبية وثقافية وسياسية، تربّت عليها واهتدت بهَديها أجيال كاملة. ولنا معها حكايات تفيض حنينًا إلى الماضي الجميل..ولا نريد للصورة الجميلة أن تخدش وأن تكون غير ذلك. إن "الاتحاد" تتحمل مسؤولية استثنائية..وأيّة مسؤولية لو تعلمون!
نحن ننادي بالحرص على لغتنا القومية وهُويتنا الثقافية ونتصدّى لمحاولات طمسها، ونشنّ حربًا شعواء على المؤسسات الرسمية التي تحاول أن تعمل على كافة الصعد وبشكل منهجي، لتشويه هذه اللغة وإحداث الغربة بينها وبين أهلها ولا سيما الأجيال الصاعدة!
هذه هي "الرسالة" التي تحملها هذه المؤسسات..وهذا هو"دورها"!
تكاد اللغة العبرية تصبح "لغة الأم" التي تحتل المشهد اليومي..وتغيّب لغتنا القومية..وهُويتنا الثقافية!
وهنا..ليسألْ كل منا نفسه السؤال التالي:
أين نحن من هذا المشهد الذي ينذر بحلول كارثة لغوية؟..وما هو دورنا الذي يتوجب علينا أن نضطلع به لمنع الكارثة؟
**
(من كتاب "بين مدينتين- سيرة ذاتية"- الطبعة الثانية)



.png)

.png)






.png)
