اتحاد الكتّاب بين الكراسيّ والطاولات| إبراهيم طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

عندنا اتحادان للكتّاب: الاتحاد القطريّ واتحاد الكرمل. هذه الحقيقة لم ترق للصديق سهيل كيوان، الأديب الذي أحبّ أدبه. فقام وكتب مقالا صادقًا وبريئًا عاب فيه التبعيض ودعا إلى التأليف بين الاتحادين. كتب الرجل وما درى أنه يخفش في عشّ دبابير ويدعس بقدميه الاثنتين بيت نحل. كتب وضغط على عصب متقرّح. كتب ولم يحسب حساب التوابع والزوابع التي استثارها حوله غيرَ قاصد.. قوّة مقاله في قدرته على تهييج سؤالين اثنين: مبدئيّ وظرفيّ. السؤال المبدئيّ، وهو فلسفيّ في وجهته العامّة، هل التوحيد والتوحّد هو منطق صواب في كلّ سياق؟! والسؤال الظرفيّ: هل توحيد الاتحادين الآن هو من الضرورات الموجبة، أم هو من الخيارات المباحة، أم أنه من المستقبحات المتروكة في هذا الظرف؟ مال النقاش إلى فكرة التوحيد واعتمادها ضرورة ملحّة.. لم يبغتني هذا الميل ولم أمل إلى حيث مال ومالوا.   

الكرسيّ والطاولة استعارة حضاريّة توافقيّة تداوليّة. لم أجد أدلّ منها على وجهتي في هذه المسألة. أمّا الكرسيّ فهي استعارة لثلاثة معانٍ متعالقة: التمترس في منصب. البطالة عن العمل. الاستكراش والبواسير. بهذه المعاني الثلاثة تصير الكرسيّ علامة قطعيّة يقينيّة على ضرر نفسيّ معنويّ وبدنيّ صحّيّ... أمّا الطاولة فهي استعارة لثلاثة معانٍ تصعيديّة: النقاش والحوار، خصوصًا إذا جعلوها مستديرة. الكشف والوضوح، إذا كان الحديث عن "فوق الطاولة"، وإذا كان الحديث عن "تحت الطاولة" فهي تعني رفض التستّر على قبيح. والإصرار على موقف في "الدقّ على الطاولة"، وإذا قلبتها على من تحاورهم صارت علامة سيميائيّة صارمة على خلافٍ قد انتهى عنده الحوار بالقطع. بهذا الترتيب التصعيديّ للمعاني الثلاثة تبدأ الطاولة بمعنى الحوار وقد تنتهي بمعنى الاختلاف والخلاف.

في أساس هذه المقارنة المستعجلة، بين الكرسيّ والطاولة، مفاضلة. وكلّ مفاضلة مقارنة ولا ينعكس. المقارنة حياد والمفاضلة موقف. أميل بفطرتي السليمة إلى الطاولة وأفرّ من الكراسيّ. الكرسيّ علامة التوحّد والطاولة علامة التعدّد. الكرسيّ علامة الضِيق والطاولة علامة السعة. على الكرسيّ لا "يقعد" أو يقرفص إلا واحد، وحول الطاولة "يجلس" عدد قد يكبر وقد يصغر. والفرق بين القعود والجلوس صار مرادفًا للفرق بين الانفراد بالرأي واجتماع الآراء، صار مرادفًا للفرق بين التفكير الانعزاليّ والتفكير التشاوريّ. المنطقُ الكرسيُّ هو منطق قعود. والمنطقُ الطاوليُّ منطق تفاعليّ حركيّ. وفي الحركة بركة.. ولمّا كان الشيء بالشيء يُذكر، أتذكّر الآن ما قاله الصديق الأديب سليم خوري، رحمه الله، في روايته "روح في البوتقة". كتب أبو جبران عن "القعودِ الكرسيِّ" الذي تسلّل إلى تفكيرنا وانسرب إلى لغتنا بقوّة الدفع الصاعد من تحت. كتب وقال ما معناه: إذا سألت واحدًا منّا يتهيّأ للنوم عمّا يفعل أجابك "قاعد أنام". وإذا سألت من يركض فعلًا أجابك "قاعد أركض"! فما بالك إذا كان يتهيّأ للقعود أصلًا أو كان يأكل مثلا! رحمك الله يا أبا جبران ورحم أبا أيمن ورحم والدك!

السؤال الذي ينطرح متى يصلح التوحّد ومتى يصلح التعدّد؟ يصلح التوحّد إذا كان فيه توحيد لجهود إن تفرّقت ضعفت وبطلت أمام تكالب التحدّيات الخارجيّة الخطيرة. ويصلح التعدّد إذا كان فيه تنافس في التفاكر وتكثير للعمل. في التوحّد الآن، في هذا الظرف، تقليل وركون إلى عطل وتنصيب لثقافة التوحّد وظلاله المعنويّة. وفي التعدّد تكثير للجهود وتفعيل لمبدأ الشورى الذي نخشى عليه من التوحّد. النظر إلى اتحاد الكتّاب كما لو كان إدارة مدنيّة تُعنى بتنظيم الكتّاب ونشاطاتهم الكتابيّة، أو حكومة تسيير أعمال، هو المهاد النظريّ لفكرة توحيد الاتحادين. التفكير الشكليّ هو مردّ الدعوة إلى التوحيد. في كلّ دولة عربيّة مجمع للّغة العربيّة. إذا كان الحديث عن لغة عربيّة واحدة، من رأس الخيمة إلى موريتانيا، فما حاجتنا إذًا إلى كلّ هذا العدد من مجامع اللغة؟ ولماذا نذهب بعيدًا وعندنا، نحن في هذي البلاد، مجمعان للّغة العربيّة رغم أننا كلّنا لا نكفي لملء شقّة خُرج؟! أرى وأسمع وأقرأ عن التنافس الحميد بين الاتحادين. بفضل التعدّد تضاعفت الجهود وتضاعف الأثر. أرسلت لي الصديقة المربّية المثقّفة أمينة بصول عروق ملاحظتها الذكيّة: "اتحادان أفضل من واحد لتحصيل الندّية الأدبيّة". والندّيّة مصدر صناعي مشتقّ من ندّ وهو النظير والمثيل. وهي بهذا المعنى وُفّقت في الجمع بين المساواة في المماثلة والتنافس في الاختلاف. وهذا بالضبط هو المقصد.

ورغم كلّ ما تقدّم، لم يسعَ أحد بقرار قبليّ مبيّت إلى الانشطار التعدّديّ. لم تتحصّل التعدّديّة إلا بعد فشل مفهوم الوحدة. مفارقة حميدة. وهكذا في المحصّلة النهائيّة لا بدّ من التساؤل، ما هي المكاسب التي قد يحصّلها توحيد الاتحادين ولا يحصّلها التعدّد، أو التبعّض إن شئتم؟! ما هي بالضبط والتحديد؟! وسؤالي سؤال جهالة لا سؤال مناكفة.

الإصرار على اتحاد واحد للكتّاب، في هذا الظرف، هو تكريس للمنطقِ الكرسيِّ، لمنطق التوحّد بكلّ حمولة اللفظة من معانٍ ودلالات. والتعدّديّة تعميقٌ للمنطقِ الطاوليِّ. قد يكون توحيد الاتحادين منطقًا براجماتيًّا ضروريًّا لتيسير الأمور التقنيّة الشكليّة وتسيير حركتها. غير أنّ التعدّديّة مدعاةٌ للتنافس في الفعل. التوحّد منطق انصياع وإذعان يتبعه قَبول وصغر، والتعدّد منطق اختلاف يتبعه تفاكر وتثاقف. والمنطقان قد ينفصلان وقد يجتمعان. هكذا مثلا نقبل التعدّديّة الحزبيّة، على مستوى المبدأ والنظريّة، وندعو إلى قائمة مشتركة على المستوى الإجرائيّ الميدانيّ. لم نسمع أحدًا ينادي بإلغاء الأحزاب كشرط قبليّ للدخول في "وحدة" أو حالة اشتراك يفرضها الظرف المحتقن. التوحّد قرفصة فوق كرسيّ والتعدّد حواريٌّ طاوليٌّ.

أدعو مثقّفينا وأدباءنا وسياسيّينا، من قحف رأسي أدعوهم، إلى التحلّل الفكريّ من سطوة المنطق الوحدويّ القسريّ الذي نهرول إليه في كلّ مرّة تنمص فيها بذرة اختلاف! الخوف من الاختلاف مخيف، مقلق إلى حدّ قد يصير فيه حالة رهاب. الأديب المكسيكيّ أوكتافيو باث قال مرّة إنّ الموت هو الحالة الوحيدة التي يتحقّق بها التوحيد. وحيث تكون الحياة تتفاعل الاختلافات وأسباب الجذب والتنافر. وهذا بالضبط ما يحرّك العالم ويفعّله. إنّ ما يحيي الحياة هي قدرتها على التعدّد. قال الفيلسوف والأديب الألمانيّ فريدريك نيتشه إنّ الجسد الواحد هو حصيلة تعدّديّة كبرى، يجتمع فيه حرب وسلام. ونيتشه ليس أحكم من الفلّاحين عندنا إذ أدركوا هذه الحكمة بفطرتهم الحياتيّة وقالوا "مصارين البطن تتقاتل". من غير المعقول أو المأمول أن يصير منطق التوحيد نسقًا مؤتمتًا قهريًّا يتوعّد كلّ محاولة للنقاش والاختلاف والتعدّد. التوحّد هو فكر باطرياركيّ، هو منطقٌ كرسيٌّ، لا يتساوق مع منطق الاختلاف.

كيف صارت الوحدة نسقًا مقدّسًا في ثقافتنا العربيّة؟ كيف صار منطق التوحّد في الفكر الوحدويّ راحة من كلّ خلاف واستراحة من كلّ تنافس؟ التنافس مضنٍ ومرهق، صحيح. وهل واجب الساعة هو الركون إلى الدعة والسكينة؟! سمعت مثلا إفريقيًّا يقول "إذا اتّحد أفراد القطيع نام الأسد جائعًا". ولي في هذا المثل قولان. أولًا: إذا جاع الأسد نال حقّه حتى من أعتى قطعان الجواميس وأصلبها اتحادًا وحصانة. وهذه حقيقة. ثانيًا: ولماذا يبيت الأسد جوعان أصلا ما دام الله تعالى قد خلقه وخلق رزقه معه وقدّره؟ وكيف تظنّون الأسد يحصل على طعامه إذا ما اجتمعت القطعان واتّحدت؟ أكان طعامه يأتيه رغدًا عن يمينه وعن شماله وهو مستلقٍ على ظهره يطرد عنه الذباب السمج؟!  

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين